شيخ الإسلام زكريا الأنصاري وتراثه المهجور

علاء عوض

يُظهِر تراث كل أمة من الأمم تفوقَها العلمي ومدى تطوره عبر تاريخها، خاصةً لو كانت هذه الأمة ذات حضارة عريقة كالأمة الإسلامية. ويعكس مدى محافظتها على هذا التراث اهتمامها بتراثها واستفادتها منه.

وامتاز التراث الإسلامي بالعلماء المصنفين في شتى فنون المعرفة، وبروزِ المصنفين المكثرين من التأليف بحيث جاوزت مؤلفات بعضهم الخمسين مؤلفًا وبعضهم تعداها إلى المئة، فمن هؤلاء: أبوالفرج ابن الجوزي (597هـ)، ابن تيمية (728هـ)، الذهبي (748هـ)، ابن القيم (751هـ)، ابن حجر العسقلاني (852هـ) في آخرين.

وكان من هؤلاء المكثرين: العالم الكبير شيخ الإسلام زكريا بن محمد الأنصاري الشافعي (926هـ)، قاضي القضاة بمصر، والقائم على التدريس بمقام الإمام الشافعي والنظر على أوقافه، اجتهد الشيخ في طلب العلم مذ كان يافعًا، رغم فاقته وشدة حاجته، ولم يمنعه هذا من الجد والتحصيل والأخذ عن علماء عصره([1]).

فقد دَرَس الشيخ على جِلة من الأئمة، أبرزهم: شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني المحدث المشهور (852هـ)، محيي الدين الكافيجي الحنفي إمام العربية في زمانه (879هـ)، جلال الدين المحلي الفقيه الأصولي المشهور صاحب التصانيف (864هـ)، في آخرين يطول ذكرهم.

وأذن للشيخ كثيرٌ من شيوخه بالتدريس والتصدر، فتصدر في حياتهم للإفتاء والتدريس، فتخرّج به أعيان المذهب الشافعي بعده ومَن أصبحوا في حياته علماء أجلاء، فمِمَّن نبغ منهم:

– فقيه مصر ومقدم الشافعية بها: شهاب الدين أحمد الرملي (957هـ).

– شمس الدين محمد بن أحمد بن حمزة، ابن شهاب الدين الرملى المتقدم الذكر، فقيه مصر وإمام الشافعية بها وإليه المرجع في الفتوى على المذهب الشافعي، وقيل: إنه مجدد القرن العاشر.

– الشيخ العلامة الإمام مفتي الحجاز وعالمها، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي الشَّافِعي ( 973 هـ‍ أو 974 هـ)، وإليه مرجع الشافعية في الحجاز واليمن.

وغيرهم كثير ضربنا عنهم الذكر صفحًا؛ كي لايطول بنا المقال، والإشارة تكفي بمثل هؤلاء النُجُب؛ كي يتبين قدر شيخ الإسلام زكريا رحمه الله.

لم يكن ميدان التدريس هو الميدان الوحيد الذي ضرب فيه الشيخ بسهم، بل ضرب أسهمًا أخرى في ميادين عدة، أهمها التأليف، فاشتهر الشيخ زكريا بكثرة المصنفات، وكان مما يمتاز به التنوع في التأليف في الفنون المختلفة، فصنّف في الفقه والحديث والتفسير والقراءات والتجويد وأصول الفقه والمنطق والهندسة وغيرها.

وقد لاحظ العلماء مزية مؤلفاته وجودة سبكه للمعاني، فالسخاوي وهو يترجم له قال: «…ورويّته أحسن من بديهته، وكتابته أمتن من عبارته»([2])، وذكر النجم الغزي  أنه: «أُعطي الحظ في مصنفاته وتلاميذه.. »([3]).

وتفاوتت جودة مؤلفات الشيخ بسبب توسعه في التأليف في العلوم المختلفة التخصصات، فليست كل مؤلفاته على ساق واحدة في الجودة، ولعل هذا ما لاحظه العيدروس حين قال: «ويقرب عندي أنه المجدد على رأس القرن التاسع لشهرة الانتفاع به وبتصانيفه واحتياج غالب الناس إليها، فيما يتعلق بالفقه وتحرير المذهب [أي: الشافعي] بخلاف غيره، فإن مصنفاته وإن كانت كثيرة فليست بهذه المثابة، على أن كثيرًا منها مجرد جمع بلا تحرير حتى كأنه حاطب ليل»([4]).

ويلحظ المتتبع لتراث الشيخ زكريا: أنه كان ينتقي من كل علم مصنفًا يُعدُ عند أهله هو الجامع لمسائله، ثم يعكف عليه إما بالاختصار أو بالشرح أوالتحشية، أو الجمع بين اختصاره ثم شرحه أو التحشية على ذلك المختصر، ولذلك أمثلة منها:

– منهاج الطالبين للنووي، وهو المرجع الأساس عند متأخري الشافعية، وقد قام الشيخ باختصاره في (منهج الطلاب)، ثم قام بشرحه في (فتح الوهاب).

– جمع الجوامع للسبكي في أصول الفقه، وهذا الكتاب عكف عليه المتأخرون من مختلف المذاهب بحيث كثرت عليه الشروح والحواشي، وقد قام الشيخ بالتحشية على شرح المحلي للكتاب، ثم قام باختصار الكتاب نفسه وسماه (لب الأصول)، ثم شرح هذا المختصر في (غاية الوصول إلى شرح لب الأصول).

– ألفية الحافظ العراقي في الحديث، وهي من هي في علم مصطلح الحديث، شرحها الشيخ شرحًا متوسطًا، وأسمى الشرح (فتح الباقي بشرح ألفية العراقي).

– ألفية ابن مالك في النحو، وهي عمدة في دراسة النحو، كتب الشيخ زكريا حاشية على شرح ابن الناظم للألفية المعروف بـ(الدرة المضية).

– متن الجزرية، له عليها شرح لطيف، وهي من أمهات كتب التجويد وللمتأخرين بها عناية فائقة.

رغم كل هذا الإنتاج العلمي الغزير للشيخ إلا أنه لم يحظَ في عصرنا بالعناية اللائقة به([5])، إذ أن جُلَّ مصنفات الشيخ لم تحقق تحقيقًا علميًا، بل الغالب خروجها في صورة مطبوعة مصححة مليئة بالتصحيف والتحريف والسقط، وكتبه طارت نسخها الخطية في الآفاق، خاصة مكتبات مصر والعراق والشام وتركيا، فتعج مكتبات هذه الدول – خاصة مصر – بنسخ عديدة من مصنفات الشيخ رحمه الله، فقد تبلغ نسخ الكتاب الواحد مئة نسخة وأكثر! وهذا يدل على أهمية كتبه وكثرت تداولها بعد عصره، ونشير بعد ما سبق إلى بعض مؤلفات الشيخ التي لم تحقق تحقيقًا علميًا؛ فمن أهمها([6]):

1- أسنى المطالب في شرح روض الطالب، وهو شرح على روض الطالب في الفقه الشافعي لابن أبي بكر المقري اليمني، والذي هو مختصر لروضة الطالبين، وقد ختم شيخ الإسلام تحقيقه بين يدي مؤلف المتن الشيخ المقري وذلك في سنة 892هـ، وهو شرح حافل نفيس، واعتنى العلماء به أيما عناية واشتغلوا به إقراءً وتدريسًا في الأزهر وغيره من معاهد العلم زمانًا مديدًا، وكتبوا عليه الحواشي والتحريرات، ومن أجلها حاشية العلامة شهاب الدين أحمد الرملي التي جردها الشيخ شمس الدين الشوبري، طبع بالمطبعة الميمنية بالقاهرة سنة 1313ه، ولهذا الشرح نسخ خطية عديدة أهمها:

  • نسخة مكتبة (أحمد الثالث)، رقم (1/740) و (3/740)، بتاريخ 900هـ.
  • نسخة مكتبة الأوقاف العامة ببغداد، رقم (3560)، بتاريخ 942هـ.
  • نسخة مكتبة (Chester Beatty)، رقم (5405) و (5406)، بتاريخ 900هـ، ونسخة أخرى رقم (5410) بتاريخ 930هـ، ونسخ هذا الكتب كثيرة اقتصرنا على أهمها.

2- الغرر البهية في شرح البهجة الوردية، وهو شرحه الكبير على النظم المسمى: بهجة الحاوي، والمشهور بـ(البهجة الوردية) لابن الوردي (747هـ)، الذي نظم فيه الحاوي الصغير لنجم الدين القزويني، وهو كتاب حافل نفيس، اعتنى به العلماء إقراءً وتدريسًا وكتبوا عليه الحواشي والتقارير فمنها: حاشية شهاب الدين أحمد بن قاسم العبادي، وحاشية العلامة الشيخ عبد الرحمن الشربيني وتقريره أيضًا على الحاشية، وقد طبع الكتاب مع تلكما الحاشيتين وذلك التقرير في خمسة مجلدات كبار بالمطبعة الميمنية بالقاهرة سنة 1318ه، وهذا الكتاب من الكتب التي اهتم الشيخ بتحريرها حتى أنه «قرئ عليه شرحه على البهجة سبعًا وخمسين مرة حتى حرّره أتم تحرير»([7])، ولذا كثرت نسخ هذا الكتاب ومن أهمها:

  • نسخة مكتبة (Chester Beatty)، رقم (3432) بخط مؤلفها الشيخ زكريا رحمه الله، كما في فهرس المكتبة.
  • نسخة مكتبة (Chester Beatty)، رقم (3421)، بتاريخ 901-902ه.
  • نسخة المكتبة السليمانية بتركيا، قسم البابنيان رقم (8/57) و (8/58)، بتاريخ 904هـ و 920هـ على التوالي.

3- خلاصة الفوائد المحوية في شرح البهجة الوردية، وهو مختصر من الشرح السابق ويعرف بالشرح الصغير للبهجة، ونسخه بالمكتبة الأزهرية، وبالموصل نسخة بعد وفاة المؤلف بمئة سنة تقريبًا.

4- تحرير تنقيح اللباب، وهو مختصر تنقيح اللباب لابن العراقي (826هـ) الذي اختصره من اللباب للإمام المحاملي (415هـ).

5- تحفة الطلاب شرح تحرير تنقيح اللباب، وهو شرح على المختصر السابق، ونسخه الخطية كثيرة جدًا، من أهمها:

  • نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق، رقم (8964)، بتاريخ 969هـ.
  • نسخة مكتبة جامعة الرياض، رقم (719)، بتاريخ 996هـ.
  • نسخة (آية الله نجفي) بإيران، رقم (2243)، بتاريخ 971هـ، ولهذا الكتاب نسخ خطية كثيرة بمكتبة (الأزهر) و (دار الكتب المصرية) تفوق الحصر.

6- فتح الوهاب شرح منهج الطلاب، وهو شرحه على مختصره من كتاب منهاج الطالبين للنووي، وقد اعتنى العلماء بهذا الشرح وقُرر على الطلبة في الأزهر ودُرّس لسنين، وكثرة نسخه الخطية منبئة على شدة العناية به، ففي المكتبة الأزهرية قرابة المئة نسخة لهذا الكتاب الجليل، ومن أهم نسخه:

  • نسخة المكتبة الأزهرية، رقم (20591)، بتاريخ 974هـ.
  • نسخة المكتبة الأزهرية، رقم (5575)، بتاريخ 960هـ.
  • نسخة المكتبة الأزهرية، رقم (6105)، بتاريخ 966هـ.
  • نسخة المكتبة الأزهرية، رقم (3393)، بتاريخ 961هـ.
  • نسخة مكتبة جامعة الرياض، رقم (823)، بتاريخ 936هـ.
  • نسخة مكتبة (آية الله نجفي) بإيران، رقم (2180)، بتاريخ 967هـ.

7- حاشية على شرح جمع الجوامع في أصول الفقه، من نسخه:

  • نسخة جامعة الكويت، رقم (1291)، بتاريخ 911هـ، ونسخة أخرى بها، رقم (1288)، بتاريخ 911هـ.
  • نسخة (مدرسة الحاج زكريا) بالموصل، رقم (3/6)، بتاريخ 913هـ.

8- حاشية نفيسة على تفسير البيضاوي، ولها نسخ خطية عديدة منها:

  • نسخة مكتبة (فيض الله أفندي)، رقم (116)، بتاريخ 976هـ.
  • نسخة المكتبة القادرية، رقم (76)، بتاريخ 963هـ.
  • نسخة المكتبة الظاهرية، رقم (4473)، بتاريخ 975هـ.
  • نسخة مكتبة أحمد الثالث، رقم (125)، بتاريخ 974هـ.

9- المطلع  في شرح إيساغوجي في علم المنطق، وقد طبع قديمًا، ومن نسخه:

  • نسخة بمكتبة (ملي كتبخانة)، بتاريخ 885هـ.
  • نسخة بمكتبة (عاشر أفندي)، بتاريخ 1080هـ.

10- المناهج الكافية في شرح الشافية في علم الصرف، وهو شرح متوسط، من نسخه:

  • نسخة دار الكتب الوطنية بتونس، رقم (7378)، بتاريخ 1047هـ.
  • نسخة مكتبة (آية الله نجفي)، رقم (2987)، بتاريخ 900هـ.
  • نسخة خزانة المدرسة العليا بالرباط، رقم (516)، بتاريخ 1016هـ.

وهذا نذر يسير من مؤلفات هذا العالم الجليل، الذي طارت مؤلفاته في كل مطار وانتفع بها القاصي والداني.

وكلمة أخيرة: بعد التجوال القصير في مصنفات الشيخ زكريا الأنصاري – رحمه الله – تبين لنا أن تراثه متشعب في شتى الفنون، وإخراج مثل هذا التراث تنوء بحمله الجبال، ولا يستطيعه الأفراد، فحريٌ بالمؤسسات الكبيرة أن تتبنى فكرة إخراج مؤلفاته على وجهٍ لائق؛ كي يرى مثل هذا العمل النور، فهل يا ترى يتحقق هذا الأمل؟… أرجو.

مقال منشور في العدد الثالث من المجلة 


الهوامش:

([1]) لترجمة الشيخ انظر: السخاوي، محمد بن عبدالرحمن، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، دار الجيل، بيروت، 3/234.  الغزي، محمد بن محمد، الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1997م، بيروت،1/198. العيدروس، عبدالقادر بن عبدالله، النور السافر عن أخبار القرن العاشر، دار صادر، الطبعة الأولى، 2001م، بيروت، صـ172.

([2]) الضوء اللامع للسخاوي 3/237، مصدر سابق.

([3]) الكواكب السائرة للغزي 1/203، مصدر سابق.

([4]) النور السافر للعيدروس، صـ177، مصدر سابق.

([5]) غالب مصنفات الشيخ زكريا ينطبق عليها هذا الوصف، إلا أن هناك بعض مؤلفاته التي لاقت بعض العناية، منها:

– ثبت شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، صدر عن دار البشائر عام 1431هـ، بتحقيق: محمد بن إبراهيم الحسين، اعتمد فيه على 6 نسخ خطية، وهو تحقيق حسن.

– غاية الوصول شرح لب الأصول، حقق في رسالة جامعية بجامعة أم القرى، عام 1984م، بتحقيق: عبدالله محمد الصالح، ومستوى التحقيق متوسط، والكتاب في حاجة إلى تحقيق جديد.

([6]) للوقوف على بعض مصنفات الشيخ وأماكن تواجد نسخها انظر: الكواكب السائرة 1/203، وقد ذكر الغزي تعداد مؤلفاته وتعداها إلى الأربعين. بلوط، علي الرضا وآخر، معجم التاريخ التراث الإسلامي في مكتبات العالم، دار العقبة/قيصري، تركيا، صـ 1146، ترجمة (3102). شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، ترجمة منشورة على موقع الأزهر.

([7]) الكواكب السائرة1/203.

السير إسحاق نيوتن: نظراتٌ في فكره الديني

هيثم سمير ([1])

إسحاق نيوتن (25 ديسمبر 1642 – 20 مارس 1727)، عالم الرياضيات والفيزياء الغني عن التعريف، فهو أحد أهم العلماء على مر التاريخ. ولد في مقاطعة لينكونشير في إنجلترا. التحق بالمدرسة الملكية ودرس فيها الرياضيات والكلاسيكيات والكتاب المقدس. وبالرغم من أنه كان الأول بين أقرانه من الطلاب، إلا أن مدرسه كان يعتقد إنه مصاب بنوع من التوحد. التحق بعد ذلك بكلية الثالوث بجامعة كامبريدج عام 1661. درس فيها أفلاطون وأرسطو، والعلوم الكلاسيكية مثل المنطق والأدب والتاريخ. لكنه أبدى اهتماما كبيرا بعلوم الميكانيكا الحديثة، فاهتم بدراسة كوبرنيكوس، جاليليو، ديكارت وروبرت بويل. أكمل دراساته العليا في كامبريدج، وأثناء دراساته، اخترع حساب التفاضل والتكامل (Calculus)، اكتشف الطبيعة غير المتجانسة للضوء (the heterogeneous nature of light) والميكانيكا السماوية. نشر نتائج أبحاثه في كتابه الشهير المبادئ (Principia) عام 1687م، وكتاب البصريات (Opticks) عام 1704م.

بعد هذه المقدمة التعريفية الصغيرة، ننتقل إلى الجانب المجهول عند الغالبية العظمى، من حياة نيوتن.

يقول دافيد بروستر: «إذا لم يشتهر السير إسحق نيوتن كعالم رياضيات وفيلسوف طبيعي، كان سوف يشتهر كلاهوتي مرموق»([2]).

لعلك تتعجب من ذلك الجزم الغريب باعتبار نيوتن لاهوتي، بل لاهوتي مرموق أيضا، فمن أين أتى بروستر بهذا الرأي؟

في 22 فبراير 2003 نشرت جريدة التليجراف اليومية (Daily Telegraph) الشهيرة، في صفحتها الأولى، نبوءة لإسحاق نيوتن، يتوقع فيها نهاية العالم بحلول عام 2060 أو بالأحرى نهاية مرحلة من الحياة على الأرض وبداية مرحلة الحكم الألفي (العيش في سلام ونعيم على الأرض تحت حكم السيد المسيح). وكما يقول الدكتور (Stephen D. Snobelen) – المتخصص في تراث نيوتن – كانت هذه هي المرة الأولى التي يتعرف قطاع واسع من الجماهير على آراء نيوتن التنبؤية، فآراء نيوتن الدينية ظلت طوال الفترة السابقة لهذا الخبر مقصورة على بعض النخبة من المؤرخين والعلماء المهتمين بنيوتن. لكن منذ ذلك الحين تسارعت وكالات الأنباء في نقل هذا الخبر فترجم في جميع أنحاء العالم، وحينها فقط بدأ قطاع أوسع من العامة التعرف على نيوتن بشكل جديد، وتكوين صورة مركبة وأكثر تعقيدا عن شخصيته، فبالإضافة إلى التصور السابق عنه كعالم طبيعي، أصبح ينظر إليه كمفسر للكتاب المقدس، وكلاهوتي. مثلَّ هذا الخبر صدمة للعامة، فوسائل الإعلام التي لعبت دائما دورا في تشكيل لا وعي عند الجماهير، يؤكد على تعارض العلم مع الدين، يأتي الآن ليخبرها بأن نيوتن ذلك العالم الفذ أحد أعظم علماء التاريخ، كان مؤمنا بالله، بل ومؤمن بالكتاب المقدس وأنه كلام الله الموحى به إلى أنبيائه.

كان نيوتن مؤمنا بالله إيمانا راسخا وبالكتاب المقدس والمسيحية، إلا أنه كان رافضا للكنيسة وللالتحاق بها، حتى أنه ترك زمالة كلية الثالوث بكامبريدج، لأن القانون وقتها كان يجبره على الخدمة الكنسية وتقلد منصبا فيها، حتى توسط له أحد الدكاترة ليستثنيه من ذلك الشرط الذي ألغي فيما بعد.

يرى دافيد بروستر، أن رفض نيوتن للالتحاق بالكنيسة، بالرغم من إلحاح الكثير من كبار رجالاتها عليه، كان سببا في أن يحصل على علوم الكتاب المقدس، وكلام الرسل والأنبياء والتعرف على حقيقتهم المجردة، بدون تأثير أو تضليل من أحد، وأن يُكوّن بما حصَّل من العلوم النقية، عقيدته الأوسع والأكثر تسامحا([3]).

من الشائع في الثقافة العامة، أن فيزياء نيوتن تجعل الإله لا داعٍ له، بمعنى أنه لا داعٍ لتدخله في الكون بعد الخلق، حيث يُعتقد أن كتاب المبادئ (Principia)، الذي وضع قوانين الحركة الثلاثة، جعل الإله كصانع الساعة، الذي صنعها ونظم الحركة بين تروسها وعقاربها، ثم تركها بعد ذلك لتعمل وحدها وفق ذلك النظام. تلك النظرة لفكر نيوتن مجحفة ومختزلة، فالآن أصبحنا نعرف أن نيوتن ألّف العشرات من الكتابات الدينية واللاهوتية، نعرف من خلالها كما يقول سنوبيلين([4])، أن الكون عند نيوتن ليس فقط، أنه لم يكن كونا ميكانيكيا، بل كان أيضا ضد هذه الفكرة ويرفضها تماما. بل الأكثر من ذلك فإن نيوتن سعى من خلال كتاب المبادئ أن يخدم اللاهوت الطبيعي، فنجد أن ريتشارد بينتلي (Richard Bentley) أثناء مراجعة بعض أبحاث بويل، من أجل نشر كتابه اللاهوتي الطبيعي الدفاعي([5])، أراد الاستعانة بكتاب المبادئ، فأرسل إلى نيوتن ليأخذ برأيه ويطلب مساعدته، فكان رد نيوتن عليه كالآتي:

«حين كتبت مقالتي عن نظامنا، كان من ضمن أهدافي أن تكون تلك المبادئ مفيدة لأولئك الذين يؤمنون بالله، ولا يوجد شيء يسعدني أكثر من أن أجد نفعها في ذلك الغرض»([6]). وكان يرى أن الإله هو تفسير سببي لعظمة الكون ودقة نظامه الذين، لا يوجد لهم، في رأيه، تفسيرا طبيعيا، فيقول:

«إذا فإن صنع النظام بكل حركته، يتطلب سببا أدرك وقارن بين الكميات المختلفة للمادة في الشمس والكواكب وقوة الجاذبية المترتبة على ذلك […] وإن مقارنة وضبط كل تلك الأجسام المختلفة، يدعو للقول بأن هذا السبب ليس أعمى وليس تصادفيا، لكنه متمكن بشدة من الهندسة والميكانيكا»([7]).

كانت تلك لمحة عن إيمانه بوجود إله خالق مدبر وضابط لنظام هذا الكون ويتدخل بعنايته وعمله في حركته. أما عن ديانته، فكما ذكرنا أنه كان مسيحيا مؤمنا بالكتاب المقدس، نشأ في أسرة بروتستانتية ودرس الكتاب المقدس بالمدرسة الملكية، في مرحلة مبكرة من حياته ساهمت بشكل كبير في تشكيل وعيه، فاستمر شغفه بالدين وإيمانه بالكتاب المقدس، لكن كما كان صاحب رؤية خاصة للكون وللإله فكانت له رؤيته الخاصة في الدين.

 كما يقول بروستر، فإن عقلية فيلسوف مثل نيوتن ترك أثرا في مختلف المجالات، بل فتح بابا جديدا لرؤية حقيقة هذا الكون، تكون لها من الأهمية والخصوصية مكان([8]).

يعتقد البعض أن نيوتن طور عقيدته بنفسه بتأمله الشخصي في الكتاب المقدس، لكن هناك بعض الأدلة تشير إلى أنه بجانب دراسته الذاتية للكتاب ولتاريخ الكنيسة وأقوال الآباء، تأثر أو على الأقل درس بعض الكتابات السوسينيانية وأيضا الآريوسية، أو بشكل أعم الكتابات المضادة للثالوث التي كانت منتشرة في القرن السابع عشر، فيذكر أنه كان يملك ثمانية كتب سوسينيانية منها كتاب “عقيدة الله الواحد” (The Faith of the One God)، وأن صديقه جون لوك، الذي كان يتناقش معه دائما في اللاهوت، كان يملك واحدة من أكبر المكتبات السوسيانية في انجلترا. ولذا، فالبرغم من كونه ليس سوسينيانياً، فقد كان يشاركهم العديد من المعتقدات التي تعتبر هرطوقية في نظر الكنيسة الانجليزية، فمن ضمن العقائد الهرطوقية المشتركة بينه وبين السوسينيانيين، أنهم كانوا يعتقدون أن المسيحية الأولى كانت بسيطة وكانت مستمدة من القراءة الصحيحة للكتاب المقدس، وأن العقيدة الصحيحة تم تحريفها بإقحام الفلسفة اليونانية والميتافيزيقا والتقليد. وبالتالي كانوا ينظرون بعين الريبة إلى كل العقائد غير الكتابية خاصة الفلسفية منها. كل من نيوتن والسوسيانيين كانوا يسعون إلى إيجاد المسيحية المجردة، وكانا يعتبران أن التحريفات اللغوية والمصطلحات المبتدعة هي سبب انقسامات الكنيسة. من ضمن المعتقدات المشتركة أيضا، أن مصطلح الهوموؤسيوس([9]هو آفة شريرة أصابت المسيحية. بالرغم من ذلك فكانوا يعتقدون أن المسيحية الحقة حُفظت فيما بقي خاليا من التحريف لكن لا يمكن أن يصل إليها، فقط إلا نخبة من الباحثين.

في إطار سعيه للوصول إلى المسيحية المجردة، اهتم نيوتن أيضا بالنقد النصي، لنصوص الثالوث، وهو ما ظهر في رسالته (تحريفان مهمان) وهو أيضا اهتمام مشترك بينه وبين السوسينيانيين، حيث أنهم كانوا يريدون محو التحريفات التثليثية المزعومة. كان يؤمن أيضا مثلهم بفناء الروح. كل هذه الاتفاقات العقدية وغيرها لا تعني أن نيوتن كان سوسينيانياً، فعلى خلاف السوسيانيين كان يعتقد بوجود المسيح سابقا للخلق أو (أول المخلوقات)، وهو اعتقاد آريوسي([10]) وليس سوسينياني. وبالتالي يمكن استخلاص أن عقيدة نيوتن كانت مزيج بين السوسيانية والآريوسية، وأنها بشكل عام كانت رافضة للثالوث. وكان ينكر التجسد حيث قال، كما نقل عنه صديقه هوبتن هاينز (Hopton Haynes): »سوف يأتي يوم تصبح فيه عقيدة التجسد ضربا من السخف مثلها مثل عقيدة الحلول.«

من ضمن آرائه الدينية المهمة أيضا كانت نظرته لنبوءات الكتاب المقدس، فكان يقرأ التاريخ جنبا إلى جنب مع نبوءات دانيال وسفر الرؤية، وكان يعتقد “أن الله ليس مقيدا بحدود الزمن، مثل البشر، وهو ما يسمح له برؤية النهاية منذ البدء. ولذا فكان يعتقد أن النبوات المقدسة ليست إلا تاريخ الأحداث القادمة.” ولذلك قام بوضع قواعد تفسير النبوات المقدسة في كتاب لم ينشره عنوانه “Rules for interpreting the words & language in Scripture”

كان هذا بعضٌ يسير من آراء وكتابات نيوتن الدينية، وجدير بالذكر أن مجموع ما كتب في اللاهوت والدين يقارب المليون ونصف كلمة، وهو ما يتخطى كتاباته العلمية. ربما يثير ذلك التساؤل، لماذا لا يعرف أحد هذه الكتابات أو لماذا لم تنتشر أفكار نيوتن الدينية، برغم غزارتها وجدليتها الشديدة، مثلما انتشرت أفكاره وآراؤه العلمية.

يرجع الباحثين السبب في عدم المعرفة تلك إلى أسباب مختلفة منها رغبة نيوتن نفسه، في إبقاء عقيدته سرية حتى وصف بالنيقوديموسي([11]). فكان نيوتن في عصر تجرم فيه الهرطقة وتفقد صاحبها المكانة الاجتماعية، فكان الهراطقة في عين المجتمع وضعاء فاسدون أخلاقيا ومعنويا، وكان إعلان نيوتن لمعتقداته سوف يضعه في حرب وربما كان سيجرده من كل الامتيازات التي كان يتمتع بها: من عمله بالجامعة، ومن لقبه الاجتماعي، ومن مكانته. لذلك، فضل نيوتن كإنسان، طبيعي يبحث عن الاستقرار والابتعاد عن المشاكل أن يبقى على هذه المعتقدات في دائرة صغيرة من أصدقائه.

أحد الأسباب الأخرى الهامة، لعدم انتشار أفكار نيوتن الدينية، أن عائلة بورتسموث (Portsmouth)، أبقت هذه المخطوطات بعيدا عن متناول العامة حتى عام 1936، حين اشتراها أبراهام شالوم حزقيال يهودا (Abraham Shalom Ezekiel Yahuda) في لندن، وحين مات عام 1951، ترك تلك المخطوطات كهدية للدولة الوليدة حين ذاك: إسرائيل، لكن لأسباب ما تأخر وصول تلك المخطوطات إلى إسرائيل، حتى وصلت إلى مكتبتها الوطنية عام 1969.([12]) بقت المخطوطات في المكتبة ولم تنتشر خارج حدودها حتى نسخت على ميكروفيلم عام 1991، ومنذ ذلك الحين بدأ العلماء حول العالم في دراسة كتابات نيوتن وفي إعادة قراءة أفكاره وتاريخه، وفي عام 1998 ظهر للنور مشروع نيوتن (Newton Project)([13]) وهو مشروع معني بتفريغ ونشر كل مخطوطات نيوتن ونشرها مجانا للعامة وللباحثين.

مقال منشور في العدد الثالث من المجلة 


الهوامش:

([1]) أصل هذا المقال مقدمة كتبتها للتعريف بفكر نيوتن الديني ضمن الترجمة العربية لكتابه “وصف تاريخي لتحريف نصين مهمين من الكتاب المقدس: التثليث والتجسد” التي صدرت قبل أيام قليلة عن مركز نماء للبحوث والدراسات (الطبعة الأولى: ديسمبر 2015).

([2]) David Brewster، هو صاحب كتاب: مذكرات، كتابات واكتشافات السير إسحق نيوتن (Memoirs of the Life, Writings, and Discoveries of Sir Isaac Newton) وهو المرجع القياسي لتراث نيوتن بحسب الموسوعة البريطانية.

([3]) Brewster, David, Sir. (1885). Memoirs of the life, writings, and discoveries of Sir Isaac Newton: Edinburgh, T. Constable and Co, P. 315

([4]) Snobelen, Stephen D. (2010). The theology of Isaac Newton’s principia mathematica: A preliminary survey. Neue Zeitschrift für Systematische Theologie Und Religionsphilosophie, 52(4), pp.377-378

([5]) Bentley, Richard. (1692). A confutation of atheism from the origin and frame of the world. Part I : a sermon preached at St. Mary-le-Bow, October the 3d, 1692 : being the sixth of the lecture founded by the Honourable Robert Boyle.

([6]) Newton, Isaac, Sir. (10 December 1692). Original letter from Isaac Newton to Richard Bentley.

([7]) ibid.,

([8]) ibid., p. 514

([9]) وعبارة “هوموأوسيون  تو باترى” (اليونانية) الموجودة فى قانون الإيمان النيقاوى القسطنطينى ترجمتها الدقيقة هى: “له نفس ذات جوهر الآب” (بيشوي).

([10])  بيشوي، المجامع المسكونة.

([11]) نيقوديموس هو أحد اليهود الفريسيين المذكورين في انجيل يوحنا [3: 1 -21؛ 7: 45 -51؛ 19: 39 -42]، وكان تلميذاً سريا للمسيح، ولهذا أصبح من يخفي عقيدته الحقيقية ويظهر عقيدة أخرى، نيقوديموسياً.

([12]) رابط لمخطوطات نيوتن بالمكتبة الوطنية الإسرائيلية: http://web.nli.org.il/sites/nli/english/collections/humanities/pages/newton.aspx

([13])رابط لموقع مشروع نيوتن: http://www.newtonproject.sussex.ac.uk/prism.php?id=1

المعلم عبدالحميد الفراهي وجهوده في الدراسات القرآنية

عمرو الشرقاوي

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وآله وصحبه أجمعين:

فإن الله سبحانه وتعالى امتن على أهل الإسلام بالعلماء الذين هم أئمة الهدى، وقيض الله تعالى لخدمة كتابه من اصطفاه من خلقه لوراثة الكتاب، والقيام بحقه.

ومن العلماء الذين خدموا القرآن وعلومه، المعلم حميد الدين الفراهي، وهو علامة كبير لم يأخذ حقه من الدرس والاعتناء، وقد جاء هذا المقال كمدخل توصيفي لجهود هذا العالم الفذ في مجال الدراسات القرآنية خاصة، والتي برع فيها، ووقف نفسه لخدمتها.

«ولما كانت هذه المشاغل تمنعني عن التجرد لمطالعة القرآن المجيد، ولا يعجبني غيره من الكتب التي مللت النظر في أباطيلها، غير متون الحديث، وما يعين على فهم القرآن، تركت الخدمة، ورجعت إلى وطني، وأنا بين خمسين وستين من عمري، فيا أسفا على عمر ضيعته في أشغال ضرها أكبر من نفعها! ونسأل الله الخاتمة على الإيمان»([1]).

بهذه الكلمات تحدث العلامة عبد الحميد بن عبد الكريم بن قربان قنبر بن تاج علي، حميد الدين، أبو أحمد، الأنصاري، الفراهي.

ينتسب الفراهي إلى إحدى قرى الإقليم الشمالي بالهند، والتي تدعى “فَريها”، وقد ولد بها يوم الأربعاء سادس جمادى الآخرة سنة 1280ه في أسرة كريمة معروفة بنسبها وعلمها ومكانتها الاجتماعية.

بدأ الفراهي تحصيله العلمي في منزله، وحفظ القرآن وهو ابن عشر سنين، ثم تعلم الفارسية فأتقنها، في مدة وجيزة، وكتب بها، وقرض، ثم تعلم العربية وقرأ في مدينة أعظم كره على العلامة شبلي النعمان، وكان ابن عمته، كما حضر للعلامة الشهير اللكنوي،  والعلامة فيض الحسن السهارنفوري.

ثم أقبل على تعلم اللغة الإنجليزية، والعلوم الحديثة، وكان ممن درسه المستشرق الإنجليزي توماس أرنولد، مؤلف كتاب “الدعوة إلى الإسلام”، وقد انتقد الفراهي هذا الكتاب بشدة، لكونه مثبط عن الجهاد، ودرس الحقوق، وتولى عدة مناصب تعليمية وإدارية.

استقال الفراهي من مناصبه ليتفرغ لمطالعة القرآن المجيد، وتولى إدارة مدرسة إصلاح المسلمين، وقد قامت هذه الجمعية في منطقة أعظم كره لإصلاح عقائد المسلمين وإزالة البدع المنتشرة وفض المنازعات والخصومات بين المسلمين، وأسست مدرسة أشرف عليها الفراهي.

كان الفراهي رحمه الله معروفًا بفرط الذكاء ونفاذ البصر وسرعة الإدراك ودقة الاستنباط، وقد برع في عدة علوم، وحصل عدة لغات، وكان ورعه وزهده في الدنيا، وقصده في العيش، وعزوفه عن السمعة، وحسن تعبده، مع جود وغنى نفس وتواضع، موضع إجماع من معاصريه.

اشتهر وعرف بعلم القرآن بما تتقاصر الهمم عن بلوغ شأوه فيه، وكان كتاب الله أحب الكتب إليه، والنظر فيه ألذ من كل ما في الدنيا.

وقد تتلمذ له عدة من التلاميذ الأعلام، وبقيت له مصنفات تشهد بعلو كعبه، وسأقتصر منها على أهم مؤلفاته في الدراسات القرآنية:

1- أساليب القرآن، وقد أفرد هذا الكتاب لذكر وجوه الأساليب في القرآن وبيان دلالاتها ومواقع استعمالها.

2- إمعان في أقسام القرآن، وهو من أجل ما ألف في موضوعه([2]).

3-  التكميل في أصول التأويل.

4-  دلائل النظام، ألف هذا الكتاب لإقامة الحجة على وجود النظام (أي الوحدة الموضوعية) في كل سورة من سور القرآن الكريم، وبيان الطرق التي تهدي إلى نظام السورة.

5- فاتحة نظام القرآن، مقدمة تفسيره (نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان).

6- مفردات القرآن، وهو من أنفس كتبه وأجلها([3]).

7- نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان، وهو تفسيره الكبير – صدرت منه  عدة أجزاء، (الفاتحة – البقرة – آل عمران – الذاريات – التحريم – القيامة – المرسلات – عبس – الشمس – التين – العصر – الفيل – الكوثر – الكافرون – المسد – الإخلاص)([4]).

8- رسائل في علوم القرآن في جزئين.

9- الرأي الصحيح فيمن هو الذبيح.

ومن العجيب أن أغلب كتب هذا الإمام طبعت في الهند، ولا تتيسر للباحثين إلا بصعوبة، ومصوراتها ليست بجيدة، فلو أن هيئة تبنت إعادة نشر كتب هذا الإمام لكان خيرًا عظيمًا للدراسين والباحثين .

وبعد حياة حافلة، توفي رحمه الله – وهو يتلو القرآن الكريم – في 19 جمادى الآخرة عام 1349ه على إثر عملية جراحية أجراها.

وقد امتدحه عدد من العلماء منهم: تلميذه أبو الكلام آزاد، والعلامة البشير الإبراهيمي، والشيخ محمد رشيد رضا([5]).

لمحات من منهجه في الدراسات القرآنية

للفراهي رحمه الله تعالى نظرات تفرد بها في الدراسات القرآنية، وهي دراسات حري أن يعتنى بها وبإبرازها([6])، وبيان المنهج الذي استنه الفراهي لنفسه، فقد كانت للفراهي انفرادات بمسائل كعادة العلماء من أهل التحقيق، وهي ليست انفرادات بالتشهي وإنما بالاستدلال والنظر، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلوات الله وسلامه عليه.

فمن تحقيقاته، تحقيقه للمراد بالقسم في القرآن، وأن القسم في أصله ليس للتعظيم، وأن التعظيم من عوارض القسم، بل ربما يكون القسم لمحض الاستدلال، وأن أقسام القرآن ليست إلا للاستدلال والاستشهاد بالآيات الدالة، وقد ظهر أثر هذا جليًا في السور التي فسرها وهي مشتملة على قسم، وكذلك تحقيقه في تعريف أسباب النزول، وهو كلام نفيس جدًا= ظهر فيه إنعامه النظر في كلام السلف، وتحريره للمراد بالذبيح، والأحرف المقطعة، وغير ذلك مما هو مبثوث في كتبه.

ولأن المقام لا يتسع لدراسة هذه التحقيقات جميعها، فسألقي الضوء على ثلاثة من الجوانب التي اعتنى بها المعلم من الأبواب المتعلقة بالدراسات القرآنية، وهي: (نظرية النظام – تفسيره – مفردات القرآن).

1- نظرية النظام، ودلائلها عند الفراهي([7]):

“النظام” أو “الوحدة الموضوعية”، إحدى أهم النظريات التي اشتهر بها المعلم الفراهي، وألف فيها عدة مؤلفات للتنظير لها، ويرى المعلم أن القرآن كلام محكم منظم، وأنه لو تأخر ما تقدم أو تقدم ما تأخر لبطل النظام وفسدت بلاغة الكلام، وأن نظامه في معانيه كما هو في ترتيب آيه وسوره.

والنظام «تتجلى به محاسن السورة والحكمة التي هي تمام العلم والتقوى»([8])، وفهم الكلام لا يمكن إلا بمعرفة نظامه، ونظامه هو الهادي للانتفاع بالكتاب وتعلمه وتعليمه والعمل به وحث الناس عليه.

ويرى الفراهي أن منهجه هذا لم يسلكه أحدٌ من المتقدمين، فإنهم عنوا بالمناسبات ولم يعتنوا بإبراز المناسبة التي بها ينتظم الكلام من أوله إلى آخره بحيث يصير شيئًا واحدًا، فالكلام بنظامه لا بمحض أجزائه.

كما دفع الشبه التي قد ترد على نظريته تلك([9])، وبين أن النظام قد يدق عن فهم الناظر، ولا يتبين له إلا بعد زمان، وإنعام نظر، وهذا باب عظيم من أبواب الحكمة.

وأما طريقة الوصول للنظم، فيمكننا أن نستنبطها من كلامه، فنقول أن منها([10]):

– حسن التدبر مع الإيمان بالآخرة.

– القنوع في الأقوال بوجه واحد صحيح ظاهر ينتظم به الكلام، والتأمل في جذر الكلمات القرآنية.

– الأخذ بطريق السلف في التدبر والتماس المطابقة بين القرآن والسنة الثابتة.

– مراعاة السياق.

– معرفة موقع الكلام من الوقائع والأحوال.

ويرى الفراهي أن الدلائل على وجود النظام، هي في الكتاب نفسه، فمنها: رعاية الفواصل، وترجيع الآيات، واتصالها على أسلوب ظاهر، وربط المعاني على وجه بين.

وقد يشتبه النظام بالتناسب، ولذلك فرق بينهما الفراهي قائلًا: «التناسب جزء من النظام، فإن التناسب بين الآيات بعضها مع بعض لا يكشف عن كون الكلام شيئًا واحدًا مستقلًا بنفسه، وطالب التناسب ربما يقنع بمناسبة ما، فربما يغفل عن المناسبة التي ينتظم بها الكلام، فيصير شيئًا واحدًا.

وربما يطلب المناسبة بين الآيات المتجاورة مع عدم اتصالها، فإن الآية التالية ربما تكون متصلة بالتي قبلها على بعد منها.

فإن عدم الاتصال بين آيات متجاورة يوجد كثيرًا. ومنها ما ترى فيه اقتضابًا بينًا، وذلك إذا كانت الآية أو جملة من الآيات متصلة بالتي على بعد منها»([11]).

ومراعاة النظام هو المنهاج الصحيح لتدبر القرآن، والنظام هو الحكم عند تضارب الأقوال، وهو المرجح عند تعدد الاحتمالات، وهو الإقليد الذي تفتح به كنوز حكمة القرآن، وفي الكشف عن نظام القرآن لا يلجأ الإمام الفراهي إلى مناهج أهل الفلسفة والمنطق أو المتصوفة، وإنما يعتمد على القرآن نفسه، وأصول التفسير المعتمدة.

2- تفسيره:

كتب العلامة الفراهي تفسيرًا للقرآن وسماه (تفسير نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان)، وقد انطلق فيه من نظريته المتعلقة بالنظام، وقد اهتم غاية الاهتمام ببيان نظام السورة، أو وحدتها الموضوعية، ويرى أن النظام لو استبان للناس لجمعهم تحت راية واحدة، وكلمة سواء.

وفسر رحمه الله تعالى بهذه الطريقة التي انطلق من القرآن نفسه لبيانها، عددًا من سور القرآن، ففسر الفاتحة والبقرة والقصص واللهب وقد سبق في التعريف بمؤلفاته ذكر بعضها.

والأساس الذي مشى عليه الفراهي رحمه الله هو تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسير القرآن بالسنة، ثم تفسيره بكلام الصحابة والتابعين، يقول: «أول شيء يفسر القرآن هو القرآن نفسه، ثم بعد ذلك؛ فهم النبي صلى الله عليه وسلم، والذين معه، ولعمري أحب التفسير عندي ما جاء عن النبي صلى الله عليه وأصحابه»([12]).

وأما اهتمامه باللغة فلا يخفى على ذي لب، وإنك لتعجب غاية العجب من هذا الرجل وفصاحته وبيانه، ولا ريب أن الرجل متضلع غاية التضلع من لغة العرب وبيانهم، وقد قال العلامة الكبير الهلالي لما سمع منه خطبة النظام: «اغرورقت عيناي منها لفصاحتها وحقيتها»([13]).

وله نظرات في التفسير انتقدها عليه بعض العلماء، وقد ألف العلامة المعلمي اليماني رسالة في التعقيب على تفسير سورة الفيل للمعلم الفراهي([14])، وهو ممن استفاد من المعلم وأشاد بعلمه وتحقيقه، قال في مطلعها: «فإني قد كنت وقفت على بعض مؤلفات العلامة المحقق المعلِّم عبد الحميد الفراهي – تغمده الله برحمته – كالإمعان في أقسام القرآن، والرأي الصحيح فيمن هو الذبيح، وتفسير سورة الشمس؛ وانتفعت بها وعرفت عبقرية مؤلفها، ثم وقفت أخيرًا على تفسيره لسورة الفيل، فألفيته قد جرى على سنته من الإقدام على الخلاف إذا لاح له دليل، وتلك سيرة يحمدها الإِسلام، ويدعو إليها أولي الأفهام، غير أن الخلاف هنا ليس لقول مشهور، ولا لقول الجمهور، ولكنه لقول صرح به الجماهير، ولم ينقل خلافه عن كبير ولا صغير … وقد بدا لي أن أتعقب المعلِّم رحمه الله وأشرح ما يتبين لي من وفاق أو خلاف»([15]).

3- منهجه في مفردات القرآن([16]):

جعل الفراهي كتابه عن المفردات جزءًا من مشروعه القرآني العظيم المشتمل على اثني عشر كتابًا، وكان كتاب المفردات أول الكتب الثلاثة منها التي ألفها لتمهيد الطريق إلى فهم القرآن على الوجه الصحيح، وهي كتاب المفردات، وكتاب أساليب القرآن، وكتاب التكميل في أصول التأويل.

والقيمة الكبرى للكتاب في المنهج الذي سلكه المؤلف في دراسة الألفاظ، فإن هذا المنهج هو الذي هداه في تفسير بعض المفردات القرآنية إلى النتائج التي ينشرح لها الصدر، وينجلي بها الغموض، فيتعين معنى النص، ويضيء السياق.

وهذا المنهج هو منهج المحققين من العلماء قديمًا وحديثًا، وإذا أنعمت النظر في تعليقات العلامة شيخ العربية أبي فهر محمود شاكر على تفسير الطبري وطبقات ابن سلام ستجد أن هذا قريبٌ جدًا من منهج العلامة الفراهي وأنهما ينهلان من معين واحد.

وقد اهتم المعلم بالمفردات لأن المعرفة بالألفاظ المفردة هي الخطوة الأولى في فهم الكلام، وأن الطالب قد يتوهم من اللفظ ضد ما أريد، فيذهب إلى خلاف الجهة المقصودة، وأن الخطأ في معنى كلمة واحدة يصرف عن تأويل السورة بأسرها، فيتوجه المرء إلى سمت كلما مر فيه بعد عن الفهم، إلى غير ذلك من الأسباب التي دعته إلى التأليف في المفردات.

«في كتاب المفردات يبحث عن الألفاظ المفردة، ويكشف عن معانيها بحيث أن تتضح لها الحدود واللوازم، وما يتصل بها، وما يفترق عنها، وما يشابهها، وما يضادها، فيحيط العلم بدلالة الألفاظ المفردة»([17]).

ومن مقاصد هذا الكتاب «الفرق بين معاني الألفاظ عند نزول القرآن وبين ما صارت بعد ذلك»([18]).

ومما يمتاز به كتاب المفردات عن غيره من كتب غريب القرآن أن مؤلفه قد مهد لتفسير الألفاظ بعدة مقدمات تناول فيها بعض القضايا المتعلقة بلغة القرآن، والأصول التي تهدي إلى الفهم الصحيح للمفردات وتسد مداخل الوهم والغلط فيها.

والمصدر الأول في تفسير المفردات هو القرآن الكريم سواء في تحقيق أصل المعنى أم وجوهه وأحواله المختلفة أم تبين الفروق الدقيقة بين الألفاظ التي يظن أنها مترادفة، وذلك بتدبر سياقاتها ومواقعها.

ونوه المؤلف بأهمية كلام العرب القديم ودراسته وممارسته وتذوقه لتبين دلالة الكلمة ووجوهها وأحوالها التي كانت عليها إبان نزول القرآن الكريم، وقد دارس المؤلف كلام العرب مدارسة دقيقة، وقيد على طرر الدواوين التي نظر فيها إشاراته وتعليقاته.

وقد توصل في تحقيق بعض المفردات القرآنية إلى نتائج مهمة تختلف عما جاء في كتب اللغة والتفسير، وقد استفاد المؤلف بمعرفته للغة العبرانية في تحقيق بعض الألفاظ التي هي من المواد المشتركة بينها وبين العربية، والرد على المستشرقين الذين زعموا أن القرآن الكريم أخذ بعض الألفاظ من اليهود والنصارى.

وفي الختام أقول: على أن الإمام الفراهي رحمه الله لم يتيسر له تأليف كتبه على الوجه الذي أراده، فإنه لا يخفى على من نظر فيها قيمتها العلمية ومكانتها الجليلة بين كتب الدراسات القرآنية، فإنها ليست من نوع التأليف المكرر الذي قصد به التهذيب والتيسير، وإنما هي كتب أصيلة تحفل بنظرات جديدة وتحقيقات بارعة وفوائد نفيسة تخلو منها الكتب الأخرى، فكثير منها عُد من أفضل الكتب المصنفة في بابها.

رحم الله العلامة الفراهي، وجمعنا به في عليين.

مقال منشور في العدد الثالث من المجلة


الهوامش:

[1] مجلة الضياء، نقلًا عن مقدمة مفردات القرآن: (20).

[2] مطبوع بدار القلم.

[3] طبع بدار الغرب الإسلامي بعناية العلامة محمد أجمل الإصلاحي.

[4] طبع في دار الغرب الإسلامي، ويحتاج إلى تحقيق.

[5] لخصت هذه الترجمة من مقدمة تحقيق كتاب: مفردات القرآن للمؤلف، والتحقيق للعلامة محمد أجمل الإصلاحي.

[6] كتبت بعض الرسائل العلمية الجامعية في منهج الفراهي بيد أني لم أطلع عليها فلم أستحسن إثباتها.

[7] شرح هذه النظرية الأستاذ محمد عناية الله أسد سبحاني في عدد من المؤلفات أهمها: إمعان النظر في نظام الآي والسور، ط. دار عمار، وقد وقع غفر الله له في بعض الأخطاء ككلامه عن الإسرائيليات مما ينبغي التنبه له، وتكلم بما لا يليق عن الإمام ابن جرير، وبعض أئمة التفسير.

[8] دلائل النظام: (9).

[9] الدلائل: (20).

[10] من كتابه دلائل النظام، وينظر للأهمية: (28).

[11] الدلائل: (74).

[12] فاتحة النظام: (7).

[13] مقدمة النظام: (9).

[14] طبعت بتحقيق الأستاذ محمد أجمل الإصلاحي، ضمن مجموع آثار العلامة المعلمي (8).

[15]مجموع آثار العلامة المعلمي: (8/ 3 – 4).

[16] مستفاد من مقدمة الشيخ محمد أجمل الإصلاحي – حفظه الله – للكتاب.

[17] مفردات القرآن: (91).

[18] مفردات القرآن: (53).

صدور العدد الثالث من مجلة «الدراسات الدينية» لشهر ربيع الأول 1437هـ / ديسمبر 2015م

الدراسات الدينية - العدد الثالث
الدراسات الدينية – العدد الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نقدم لكم العدد الثالث من مجلة الدراسات الدينية لشهر ربيع الأول 1437هـ/ ديسمبر 2015م.

تقرأون في هذا العدد:
– افتتاحية العدد – أحمد وسام شاكر
– عبد الحميد الفراهي وجهوده في الدراسات القرآنية – عمرو الشرقاوي
– شيخ الإسلام زكريا الأنصاري وتراثه المهجور – علاء عوض
– منهجية المؤلفين في عرض ظواهر الرسم العثماني – أ. د. إياد السامرائي
– لقاء المجلة مع أ. د. بشير الحميري وحوار حول مشروعه (معجم الرسم العثماني)
– السير إسحاق نيوتن: نظراتٌ في فكره الديني – هيثم سمير
– السعادة الإنسانية في فكر القديس توما الأكويني – د. أشرف صالح
– التلفيق والتزوير في الأدب المسيحي – عبد الرحمن ن. الطوسي
– شاهد على التحريف: دياتسرون تاتيان – أيمن تركي

لتحميل العدد بصيغة PDF

 

المرأة اليهودية في التوراة والتلمود

جمال صوالحين [1]

يَلْزَم الحديث عن المرأة اليهودية في الموروث الديني اليهودي الانطلاق من التوراة باعتبارها مصدر أحكام اليهود وتشريعاتهم. والدراسة هنا تتناول النص التوراتي المتداول بمعزل عن الطرح القائل بصحة أو بعدم صحة ما ورد فيه، سواء من الناحية التاريخية أو الدينية. كما أن الاستشهاد بنصوص من التلمود من شأنه أن يوضح بشكل جلي مكانة ووضعية هذه المرأة في العهود القديمة للديانة اليهودية، وهي المكانة التي خضعت في جانب كبير منها لفُهوم الحاخامات اليهود وتأويلاتهم.

تبدأ التوراة الحديث عن المرأة لأول مرة – كما يرى فيليب حداد – Philippe Haddad من خلال رواية الخلق”[2]. إذ نقرأ ما يلي: “فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحما. وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم. فقال آدم: هذه الآن عظم من عظامي، ولحم من لحمي، هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أخذت”[3].

وقد رأت العقيدة اليهودية في هذه الفواسيق (الآيات) مبرِّرا للتهجم على المرأة، واتهامها بالاعوجاج ، وبتلك المكانة الدنيا والهامشية مقارنة بالرجل، لكونها خلقت من ضلع آدم ليس إلا.

وهذا الطرح القائل بكون حواء/ المرأة خُلقت من ضلع آدم أقرَّه العديد من المفكرين، مثل ألكسندر روسAlexander Ross الذي يرى أن “حواء خُلقت من ضلع آدم الأيسر، وكان هذا الضلع بمثابة الجانب الأضعف. لذلك وُصفت المرأة بالضعف وبالدونية” [4]. ولعل أبرز مثال على دونية المرأة ما يأتي في الصلاة اليومية التي يتلوها الرجل، إذ يقول: “مبارك أنت يا رب لأنك لم تجعلني لا وثنيا، ولا امرأة، ولا جاهلا. بينما تقول المرأة في هذه الصلاة: “مبارك أنت يا رب الذي خلقتني بحسب مشيئتك” [5] .

 والواقع أن نَعتُ المرأة بهذه الصفة (الضعف)، يتضح أكثر من خلال الإصحاح الثالث من سفر التكوين، حيث تُحَمِّل التوراة المرأة مسؤولية، بل خطيئة الأكل من الشجرة. فقد خلق الله آدم وحواء وأسكنهما الجنة، وسمح لهما بالأكل من ثمرها إلا الشجرة الموجودة في وسط الجنة، والتي يفضي الأكل منها إلى رُقِيِّ التفكير وانبثاق أغطية الجهل. لذلك نهاهما الله عن الأكل منها قائلا: “… هل أكلت (الخطاب موجه لآدم) من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟”[6]. فأجاب آدم: “المرأة التي جعلتها معي هي التي أعطتني من الشجرة فأكلت”[7]. فكان عقاب الرب لحواء- لأنها هي التي أغوت آدم- من خلال مخاطبتها: “تَكثِيرا أُكثِّر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادا، وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود علي”[8]. وهكذا عاقب الله حواء[9] عقابا ثلاثي الأبعاد: أن تلد بالألم، لكن في رأيي لا توجد امرأة لا تريد الولادة خوفا من الألم، وكذلك الاشتياق للرجل، وأخيرا سيادة هذا الأخير عليها.

فالتوراة – حسب هذا الإصحاح – تَعتَبِر المرأة جنسا هشا قابلا للإغواء. فقد أغوت آدم، فأكلا من الشجرة المحرمة عليهما. وكانت بذلك سببا في غضب الرب، وإخراجهما، بل كل الإنسانية من الجنة. المرأة إذن أساس الخطيئة، وأساس كل مصيبة. وبسببها دخل الموت العالم. ولهذا عاقبها الله عقابا ثلاثي الأبعاد: الولادة بالآلام والأوجاع، والاشتياق للرجل، ثم سيادته عليها.

 وارتباطا بالولادة، وما يتصل بها من نجاسة، فرضت التوراة قوانين مشددة على المرأة الحائض والنفساء. وهي قوانين خاصة بالطهارة. ففي سفر اللاويين[10]، نجد أن المرأة الحائض محرمة على رجلها لمدة سبعة أيام. ونجاستها تلوث وتفسد الأشياء التي تجلس عليها. كما أن الرجل يصبح نجسا بمجرد ما يلامسها أو يمسك بالفراش الذي جلست عليه. هذه النجاسة تزول عن الرجل مع حلول المساء، كما أن الرجل الذي يجامع امرأة نجسة، يصبح هو الآخر نجسا لمدة سبعة أيام. وفي سفر اللاويين[11] أيضا، تكون المرأة نجسة بعد الولادة لمدة سبعة أيام في حالة ولادة مولود ذكر. وعليها أن تبقى ثلاثة وثلاثين يوما إضافية دون لمس أي شيء مقدس، أو تدخل أماكن مقدسة طوال هذه الفترة. وفي حالة ولادة الأنثى، تظل المرأة نجسة أربعة عشر يوما، ثم ستة وستين يوما إضافية، ما معناه ثمانين يوما على هذا الحال السابق. وهكذا “يصبح سن الإنجاب- كما ترى سوزان نيديتش Susan Niditch- شهادة على نجاسة المرأة. هذه النجاسة مصاحبة للحالات النفسية والبدنية التي تمر منها المرأة أثناء الحمل والولادة. وعلى هذا الأساس، تكون المرأة مصدر خطر وقوة ونجاسة كل شهر. نجاسة قد تنتشر، وتفسد كل شيء. جاعلة من الارتباط الديني بين الإنسان والله أمرا مستحيلا. ولهذا تبقى المرأة من وجهة نظر كهنوتية دون قيمة في أغلب مظاهر الحياة الدينية. وبعد كل هذا، هذه هي الثقافات التي تجعل من النساء القادرات على الإنجاب غير مؤهلات، وغير فاعلات في المجال الديني “[12].

وفي هذا الإطار، أشار سويلدر أيضا إلى أن “المرأة الحائض – ولتجنب أي تعامل معها – كانت تُنفى أحيانا إلى بيت يسمى »بيت الدناسة« طوال فترة المحيض”[13].

وحتى تتضح الصورة أكثر، أنتقل إلى عرض قصة من قصص النساء كما وردت في التوراة[14]، ثم محاولة استقراء ما تحمله من دلالات ومعان.

ففي سفر التكوين قرر أبرام – الذي سيصبح اسمه أبراهام فيما بعد- الهجرة إلى مصر مع زوجته ساراي بسبب المجاعة التي حدثت في فلسطين. وبعد عودتهما إلى فلسطين، لم تلد له بنينا لأنها كانت عاقرا. فقالت ساراي لأبرام: »هو ذا الرب قد أمسكني عن الولادة ، أدخل على جاريتي لعلي أرزق منها بنين«، فسمع أبرام لقول ساراي. فأخذت ساراي امرأة أبرام هاجر المصرية جاريتها من بعد عشر سنين لإقامة أبرام في أرض كنعان، وأعطتها لأبرام رجلها زوجة له. فدخل على هاجر فحبلت، ولما رأت أنها حبلت، صغرت مولاتها في عينيها”[15]. فهذا النص يصور المرأة كأنها شيء غير جدير بالتقدير والاحترام، وما عبارة “صغُرت مولاتها في عينيها “إلا دليل على ذلك. كما أن ساراي جعلت من هاجر وسيلة لتحقيق مصلحتها “لعلي أرزق منها بنين”، مما يتنافى مع العبارة السابقة “وأعطتها لأبرام زوجة له”. وحين ولدت هاجر إسماعيل، أذلتها ساراي، فهربت. فخاطبها الرب قائلا: “ارجعي إلى مولاتك، واخضعي تحت يديها”[16]، ولم يخاطبها باعتبارها زوجة أبرام. كما أن أبرام هو الآخر لم يعترف بهاجر كزوجة، حين خاطب ساراي: “هو ذا جاريتك في يدك، افعلي بها ما يحسن في عينيك”[17].

المرأة اليهودية في التلمود[18]

      يوحي الاطلاع على فصول المشنا باعتبارها جزءً مهما من التلمود  على وجود اختلاف في النظرة إلى النساء، من خلال الحديث عن بعض النساء المستقلات، وأخريات خاضعات. وهذا التقسيم أشارت إليه جوديث رومي ويكنر Judith.R.Wegner  من خلال قولها إنه: “في الجانب الخاص بوضعية الأفراد، تقسم المشنا النساء إلى قسمين متناقضين: قسم خاضع، والآخر مستقل. وكل قسم يُقَسَّم هو الآخر إلى ثلاثة أجزاء ، تتحدد استنادا إلى طبيعة الرقابة الجنسية والوظيفة المفروضة على النساء”[19].

ومما لا شك فيه أن تقسيم النساء إلى هذين القسمين قد ارتكز على وضعيتهن الاجتماعية، وما يستتبع ذلك من حقوق وواجبات، ونظم الطهارة. وفي هذا الصدد أشار جاكوب نوسنرJacob Neusner إلى أن “الرؤية الاجتماعية لليهودية المشنوية تشمل قضايا النوع Gender ، والبنية الاجتماعية، والغنى، والتعاملات الخاصة، فضلا عن نظام الطبقات الاجتماعية”.[20]

وهكذا، فالنساء الخاضعات هن: “البنت القاصر، والزوجة، والأرملة التي يتزوجها أخو المتوفى. أما النساء المستقلات فهن: البنت المحررة، والمطلقة، والأرملة العادية. وحتى يتضح هذا التقسيم أُورِد هنا بعض نصوص المشنا[21] التي تُعَلِّل ازدواجية هذه الصورة: خضوع واستقلال، أو بالأحرى الصورة السلبية، والصورة الإيجابية اللتين رسمتهما المشنا عن المرأة.

وبخصوص الجوانب الإيجابية، تتمتع المرأة مثل الرجل، بالاستقلالية في مباشرة خطبتها أو تعيين من يمثلها: “يخطب الرجل بنفسه، أو بمبعوثه، وتخطب المرأة بنفسها، أو بمبعوثها”[22].

وإذا قرر الزوج تطليق زوجته بسبب شَكِّه في زناها، فالمشنا تفرض وجود دليلين أو شاهدين على ذلك: “ومن ارتاب بزوجته: يقول رابي أليعيزر: إنه يرتاب بها بشهادة اثنين. ويسقيها بشهادة واحد”[23]. فالنص المِشنوي هنا يمنح للمرأة قيمتها المعنوية حين يعترف لها بهذا الحق أثناء الزواج.

وحتى إن تم الطلاق، فبإمكان المرأة أن تطالب بتعويض عنه، أو عن التَّرَمُّل. ففي فصل كتوبوت: “فإذا آمت المرأة، أو طلقت، وقالت للورثة أو للزوج: »تزوجتني بكرا«. وقال الزوج لها: »ليس كذلك بل تزوجتك ثيبا«، فإذا كان ثمة شهود يشهدون أنها خرجت في تخت روان حاسرة الرأس، فإن صداقها مئتا دينار”[24]. كما أن المرأة تنوب عن زوجها في بيع سلعه: “ومن نَصَّب زوجته مديرة لحانوت، أو عَينها ناظرة وصية، فله الحق في تحليفها اليمين متى شاء. يقول رابي أليعيزر: »حتى على مغزلها، وعلى عجينها«”[25].

لكن إذا انتقلنا لاستكشاف تلك الصورة السلبية، والحديث عن المرأة الخاضعة، نجد أن أخ الزوج المتوفى يرث الوظيفة الجنسية لأرملة أخيه، التي لا يمكنها الزواج حسب رغبتها: “فُرض على أكبر زوج أن يتزوج أرملة أخيه، فإذا رفض، عـرض زواجـها على جمـيع الإخوة علـى التـوالي: فإذا رفـضـوا، أُعيد العرض إلى الأكبر، فيُقال له: »عليك فرض، فإما خلع النعل[26]، وإما الزواج بأرملة أخيك«”[27]. وبهذا الخصوص ترى باسكين أن “شخصية هذه الأرملة بمثابة تضحية لوظيفتها الاجتماعية الجنسية. ولهذا، فالنظام المشنوي يربط بشكل مطلق الهوية الاجتماعية للمرأة بامتلاك جنسانيتها”[28].

كما تلقى المرأة معارضة في المجال الديني من طرف العلماء، إذ يمنع عليها هؤلاء دراسة التوراة: “يقول الرابي أليعزر: »كل من علم بنته التوراة، فكأنه علمها الدعارة«”[29]. فحِرمان المرأة من دراسة التوراة يعني حرمانها من الرأسمال الرمزي الذي يُكسبها سلطة ونفعا ماديا ومعنويا، في مستوى معرفة الدين وأموره. فلكون التوراة تشريع لواجبات وحقوق المرأة، فإن دراسة المرأة لها يُكسبها معرفة بحقوقها. إلا أن الرِّبِّيين يَحرمونها من ذلك حتى لا تستفيد من تلك الحرية “السلبية” كلما فكَّرت في الطلاق أو الشقاق. لكن علماء التلمود لم يُفكروا في الجانب الإيجابي في تعلم المرأة وتفَقُّهها، والذي سيجعلها تُسهم إلى جانب الرجل في سيادة الشريعة السماوية، ونشرها واستعمالها لجلب المنفعة للفرد والأسرة والمجتمع.

وفضلا عن هذه الصورة التي تجعل من المرأة مقيدة الحرية وخاضعة، يمكن ذكر مسألة أخرى، وهي أن قانون المشنا لا يخول للزوجة تطليق زوجها. فهذا الأخير هو الذي يُخَوَّل له هذا الأمر، لأسباب تجعل من المرأة بشكل عام عنصرا خاضعا لا يُسمح له حتى بالتحدث بحرية داخل منزلها، أو التمتع بقسط من هذه الحرية في الشارع، مما يجعل من التساؤل حول سبب فرض هذا القانون على المرأة دون الرجل أمرا مشروعا. ففي فصل كتوبوت، تُطَلَّق المرأة “… إذا خرجت فارغة الرأس، أو غَزَلت في الشارع. أو تحدثت مع أي إنسان… يقول رابي طرفون: »وكذلك كانت امرأة عالها«. ومن العالة ؟ كل من تكلمت داخل بيتها فسمع جيرانها صوتها”[30].

يتبين إذن أن إقبال المرأة المتزوجة على إصدارها لصوت عال ولو من داخل منزلها، سَيُعرضِّها للطلاق بحكم النص التشريعي الآنف الذكر. وهذا يجعل من اليهودية الرِّبِّية تتحكم في جسد المرأة وتَحُد من أنشطتها التي تجعلها محصورة داخل المنزل فقط. فالمرأة الفاضلة حسب اليهودية الرِّبِّية هي التي تقوم بواجباتها العائلية، والطبيعية خاصة (الولادة) مع منع صارم للاتصال بالرجال.

مقال منشور في العدد الثاني من المجلة


الهوامش:

[1] – أستاذ اللغة العربية وطالب باحث بسلك الدكتوراه، تخصص مقارنة الأديان. جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس- فاس. المغرب.

 Haddad Philippe, La Torah, Editions Eyrolles, 2010, p. 30-[2]

[3] – التكوين 2 / 21 – 23

[4]– Philips C . Almond, Adam and Eve in seventeenth centry thought, Cambridge University

     press, 1999,  p. 146

-[5] ورد هذا الدعاء في كتاب:- Leonard J. Swilder, Women in Judaism : The status of   women in Formative Judaism. Metuchen, NJ: Scarecrow Press, 1976, p. 80- 81 .

[6] – التكوين 3 / 11

[7] – التكوين 3 / 12

[8] – التكوين 3 / 16

[9] –  للإشارة فقد عاقب الله آدم أيضا حسب النص التوراتي، لكن ما يهمنا هنا هو التركيز على طبيعة العقاب التي أنزله الله على حواء.

[10] – اللاويون 15 / 19 – 24

[11] –  اللاويون 12 / 1 – 5

[12]- Judith R. Baskin,  Jewish Women in Historical  Perspective, Wayne State University Press, 1998,  p. 31.

[13]– Leonard J. Swilder, Women in Judaism : The status of   women in Formative Judaism,

     Metuchen, NJ: Scarecrow Press, 1976, p. 137.

[14] –   قد يُلاحظ القارئ ركاكة في الأسلوب، ناتجة عن الترجمة العربية لنسخة التوراة التي اعتمدتها.

1- التكوين 16 / 1 – 4

[16] – التكوين 16 / 9

[17] –  التكوين  16/ 6

[18] – في غياب النسخة العربية للتلمود، فقد اعتمدت بعضا من نصوصه من خلال النسخة الإنجليزية:

-Complete Talmud under the editorship of Rabbi. Dr. I . Epstein. B. A, Ph. D, D. lit – London

     The Soncino Press, (1935 – 1948).

[19]– Judith R. Baskin, Jewish Women in Historical  Perspective, By Wayne State University

      Press ,1998, p. 75.

[20]–  Jacob Neusner , An introduction to Judaism : a Textbook and Reader, West Minster John

     Knox Press, 1991, p. 176.

[21] – اعتمدت الترجمة العربية للمشنا من خلال كتاب: حمدي النوباني، “المشنا ركن التلمود الأول، النظام الثالث، نظام النساء”، ترجمة إلى العربية نقلا عن الأصل لعبرية المشناه، القدس، 1987.

[22] –  المشنا، قيدوشين، الفصل 2 : أ

[23] – صوطاه، الفصل 1 : أ

[24] – كتوبوت، الفصل 2 : أ

[25] – كوتوبوت، الفصل 9 : د

[26] – يتعلق الأمر بالطقوس التي يتخلص فيها المعني بالأمر بالزواج، من الأرملة بعد رفضه. إذ يذهب مع الشيوخ والمرأة إلى بوابة المدينة- وهي مكان المحاكمة القديم قبل إنشاء المحاكم- وأمام شيوخ المدينة تبصق الأرملة  في وجه أخ الزوج، وهي بذلك تبدي احتقارها الشديد له؛ لأنه رفض أن يقوم بواجبه تجاهها وتجاه أخيه الميت. ثم تَخلع حذاءه، فيُدعى اسمه في إسرائيل: بيت مخلوع النعل.

[27] – يباموت، الفصل 4: ه

[28] – رومي ويكنر، 1998، مرجع سابق،  ص 77.

[29] – صوطاه، الفصل3 : د

[30] – كتوبوت، الفصل7 : و

التقليد وتاريخ النص المقدس: نظرة نقدية

 أيمن تركي 

«أي تقليد يعتبر مزيفاً حتى تثبت صحته» (Richard T. France)

يحكي لنا الفيلسوف والمؤرخ البريطاني: برتراند راسل[1] كيف أن الخرافات كانت لديها المقدرة أن تنتشر بسرعة جداً كواقع تاريخي حقيقي بين المسيحيين المؤمنين إذا توافرت لها البيئة الصالحة لنموها ورعايتها وتعين سببها، ففي كتابة (الدين والعلم) يشرح لنا كيف أن الدوافع الاقتصادية كانت تستخدم من قِبَل الكنيسة للمتاجرة بمخلفات القديسين كمصدر دخل لها، ناقلاً تقليد إيمان الناس لقرون طويلة بقدرة عظام القديسة روزاليا المحفوظة فى باليرمو بإيطاليا على شفاء الأمراض قبل أن يكتشف أحد علماء التشريح أن تلك العظام ما هي إلا عظام ماعز ولا تمت للبشر بصلة[2] !!

هنا فإن (حاجة) المجتمع المسيحي في فترة ما كانت هى المحرك الرئيسي لنشأة التقليد الخرافة وتناقله، الأمر الذى أدى إلى ترسيخه كحقيقة وصار له كيان في التاريخ ولم يعد من السهولة إنكاره حتى ولو اكتشفنا أن أصله كان مبنياً على كذبة، وذلك لأن الخرافة لها المقدرة على التكيف نظراً للغتها الشفوية وتناقلها من فم إلى فم لذا فقد كان لدي تلك الخرافة القدرة الكافية للتضخم من فرد إلى اثنين إلى كل المجتمع[3]، حتى صارت الخرافة (حقيقة) تنتقل من جيل إلى جيل.

في بحثنا هذا سنرى باختصار أنه لا يختلف المجتمع المسيحي عبر عصوره عن التبلور الفكري والتاريخي حسب حاجة (المجتمع)، فإذا كانت لدى الكنيسة بتلك الفترة الرغبة في هالة دينية لها بعد اقتصادي خفي فإن الكنيسة الرئيسية القديمة والكنيسة الحديثة كانت لديها نفس الاحتياجات مع اختلاف الأبعاد والأسباب.

التقليد

يقول علماء المسيحية أن كلمة التقليد (Tradition) هي كلمة مأخوذة من الكلمة اللاتينية (Traditio) والتي هي في الأصل ترجمة للكلمة اليونانية (Paradosis)، ومعنى تلك الكلمة حرفياً هو: ما يتم تسليمه من شخص لشخص كما تُسلم العصا فى سباقات التتابع، أما الشيء الذي (يُقلد) فهو الشيء الذي سلمه الشخص للشخص الآخر.[4] وفقاً للعهد الجديد فإن التعاليم المسيحية كانت تنتقل في إطارين، الشفهي والكتابي، حيث يقول القديس بولس بالإصحاح الثاني من رسالته الثانية إلى أهل تسالونيكي ((فاثبتوا إذا أيها الإخوة وتمسكوا بالتعاليم التي تعلمتموها، سواء كان بالكلام أم برسالتنا))[5]، من هذا النص أيضاً فإنه بإمكاننا أن نتفهم طبيعة العلاقة المترابطة بين التقليد الشفهي والتقليد المكتوب.

 فالتقليد الشفهي له حالتان فقط في العلاقة مع التقليد المكتوب:[6]

  • يمكن أن يتقاطع مع التقليد المكتوب في تفاصيل معينة لكنه ليس بالضرورة يجب أن يتداخل بشكل كلي مع التقليد المكتوب[7]
  • يمكن أن يتوازى التقليد الشفهي مع التقليد المكتوب بجانب بعضهما بدون أن يتداخلا أو يتماسا من الأساس

العلاقة الأولى: علاقة التداخل غير المتطابق:

TURKY 1

العلاقة الثانية: علاقة التوازي غير المتماس:

TURKY 2

التقليد الشفهي

التقليد الشفهي هو التعاليم والأقوال التي تناقلها المجتمع المسيحي خلال الفترة من بداية رحلة يسوع وحتى نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني.

ففي تلك الفترة تناقلت شفهياً أقوال يسوع وقصص أعماله ومعجزاته بين المسيحيين، مصدر هذا التقليد وفقاً لإيمان الكنيسة كان هو التلاميذ بعد يسوع نفسه، ورغم عدم توافر أي تقليد اليوم عن أي كرازة مادية أو أقوال منقولة عن معظم هؤلاء التلاميذ[8] وتأكيد العلماء على صعوبة قيام التلاميذ بعمل جلسات ومحاضرات دورية أو منظمة عن يسوع[9] إلا أن البعض يرى أن التقليد في تلك الفترة عُد هو المادة الخصبة التي اعتمد عليها مؤلفو الأناجيل الحالية في تجميع روايتهم عن حياة يسوع.

وجود هذا التقليد لم يكن حكراً على الكنيسة الرئيسية فالكنائس الأخرى والتي تعدها الكنيسة اليوم من الطوائف المهرطقة كالغنوصية كانت تعتبر أناجيلها أصلية لأنها تقدم التعليم السري عن حياة وتعاليم يسوع الذي تسلمته تلك الكنائس من التلاميذ أنفسهم.

لا يقتصر هنا التعقيد التاريخي في فهم هوية التقليد الشفهي في تلك الفترة على انقسامه بين الكنائس الأرثوذكسية والكنائس المهرطقة، وإنما يظهر التعقيد بشكل أكبر في الخلافات بين التقليد الشفهي بين الكنائس الأرثوذكسية نفسها، الأمر الذي جعل بعض علماء المسيحية اليوم يقرون بأنه: (( ليس من الممكن تاريخياً فهم نشأة تقليد المسيحيين الأوائل بالبدء مع وعظ الكنيسة الرئيسية ))[10]

فالدلائل التاريخية في كيفية التعامل الحر لكتبة الأناجيل مع مصادر أناجيلهم يشهد وبوضوح لفكرة التقليد الحر ذاته المتضمن لأقوال يسوع وأعماله. فهناك على الأقل دليل قوي على أن الكنيسة الرئيسية لم تتعامل مع التقليد المُسلم لها بصورة حرفية وإنما كان هناك سياقات تاريخية ومتطلبات مجتمعية ساهمت فى ظهور أشكال مختلفة من التقليد الشفهي، هذه الأشكال ليست بالضرورة هي اختلافات تكاملية ولكنها في حقيقة الأمر قد تظهر أنها تقاليد متضاربة. فما كانت تؤمن به كنيسة ليس بالضرورة أن يكون هو نفسه ما تؤمن به الكنيسة المجاورة. فضلاً عن أن التقليد الشفهي كان متاحاً للعامة يتناولونه شفهياً بدون أي قيود.

يمكن تحديد موثوقية التقليد الشفهي بالكنيسة الرئيسية من خلال مقارنة هذا التقليد مع الدراسات العلمية الحديثة فضلاً عن إيمان الكنيسة المتأخرة الحالية.

ففي بداية القرن الثاني[11] دَوَّن القديس (بابياس) أسقف كنيسة هيرابوليس أقوال وحياة يسوع المسيح المنقولة عبر التقليد الشفهي بخمسة مجلدات ضخمة زاعماً نقل تلك الأقوال من الصوت الحي للتلاميذ والآباء الرسل من بعدهم.[12] وبرغم أهمية عمل مثل هذا فى ذلك الزمن إلا أنه من الغرابة أن الكنيسة لم تهتم به بالشكل الكافي ليضيع أول تأريخ شفهي مسيحي ليسوع، حيث لم ينقل الآباء عنه بالمجمل إلا شذرات هنا وهناك مع تصريح أحدهم أنه (محدود الإدراك) !![13]

القيمة الحقيقية لشهادة (بابياس) هي كونه أول من شهد لنسبه كتاب الأناجيل – أو بعضهم-  بالاسم، ومنه أخذت الكنيسة عبر عصورها شهادته كحقيقة.

حيث ينقل لنا المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري عن شهادة (بابياس) حول إنجيلي (متى) و(مرقس) قائلاً:[14]

إنجيل القديس (متى) : (( وهكذا كتب متى الأقوال الإلهية باللغة العبرانية، وفسرها[15] كل واحد على قدر استطاعته ))

إنجيل القديس (مرقس) : (( هذا ما يقوله القس أيضاً: أن مرقس إذ كان هو اللسان الناطق لبطرس كتب بدقة، ولو من غير ترتيب، كل ما تذكره عما قاله المسيح أو فعله، لأنه لا سمع للرب ولا اتبعه، ولكنه فيما بعد – كما قلت – اتبع بطرس الذى جعل تعاليمه مطابقة لاحتياجات سامعيه، دون أن يقصد بأن يجعل أحاديث الرب مرتبطة ببعضها. ولذلك لم يرتكب أي خطأ إذ كتب – على هذا الوجه – ما تذكره. لأنه كان يحرص على أمر واحد : أن لا يحذف شيئاً مما سمعه، وأن لا يقرر أي شيء خطأ ))

بأخذ هذا التقليد كقاعدة لمعرفة الكنيسة عن الإنجيل وبموازاتة مع التقاليد الأخري اللاحقة عليه عند الكنيسة الأولي يمكننا ان نستنتج مايلي:

تقليد الآباء عن الكنيسة الأولى الكنيسة المتأخرة وأقوال علماء المسيحية
إنجيل القديس (متي) ·  إنجيل (متي) كتب ونشر باللغة العبرانية من أجل اليهود المتنصرين.[16]·  يشهد المؤرخ (يوسابيوس)[17] والقديس (جيروم)[18] أن الكنيسة حتى القرن الرابع لم تكن تعرف أي نسخة يونانية (رسمية) منسوبة لـ (متى) بل كان المعروف أن المترجم مجهول.[19]·  وفقاً لشهادة العلامة (أوريجانوس) فإن تقليد الكنيسة الأولى كان ينص على أن إنجيل (متى) هو أول إنجيل كتب.[20] ·   القديس (متى) كتب إنجيله باللغة اليونانية.[21]·   وحتي بفرض صحة أن الأصل كان (عبرانياً) فإن من قام بترجمته هو القديس (متى) نفسه.[22]

 

·   الأغلبية الساحقة من العلماء وحتى الدارسين بالكنيسة القبطية يقولون بأن أول الأناجيل هو مرقس بل أن متى اعتمد عليه.[23]

إنجيل القديس (مرقس) ·  إنجيل (مرقس) هو ثالث الأناجيل المكتوبة بعد (متى) و (لوقا).[24]·  تمت كتابته بروما،[25] وكتب باللغة اليونانية.[26]·  (مرقس) كاتب الإنجيل كان مشهوراً في الكنيسة الأولى أنه لم يسمع يسوع ولا اتبعه.[27] ·   كل علماء اللغة يقرون بأن لغة (مرقس) تثبت أن تدوينه سبق تدوين إنجيلي (متى) و (لوقا).[28]·   بعض العلماء يؤمن بأنه كتب باللاتينية[29] أو حتي بكليهما !![30]·   (مرقس) كان من تلاميذ يسوع السبعين.[31]

من الجدول السابق إذاً يمكننا أن نرى أوجهاً لبعض الاختلافات الجزئية والكلية في تطور التقليد داخل الكنيسة عبر الزمان، فالكنيسة اليوم لا تعرف أي إنجيل عبراني للقديس (متى)، فهذا الإنجيل قد ضاع بشكل كامل على الرغم من شهادة الآباء – بنتينوس – من وجود تلك النسخة العبرية في الهند بنهايات القرن الثاني وأن من تركها هم الرسل أنفسهم !![32] ولا يختلف الأمر تعقيداً حتى في الإنجيل اليوناني فعلى الرغم من أن الشاهد الكنسي القديم غائب تماماً عن مصدرية الإنجيل اليوناني[33] مقارنة بقوة مصدرية التقليد عن أصولية الإنجيل العبري[34]، إلا أن علماء اليوم يقرون بأصوليته متجاهلين – أو في الحقيقة جاهلين- علاقة الإنجيل العبري بالإنجيل اليوناني ومقرين بعجزهم عن فك طلاسم تلك العلاقة.[35] لا تتوقف التعقيدات على تلك الاختلافات القديمة والحديثة وإنما كذلك في الاختلافات الداخلية بين التقاليد نفسها سواء القديمة أو الحديثة. فإنجيل (مرقس) وإن كانت إشارات الآباء تشير إلى كتابته بروما أو أي مكان آخر بإيطاليا فإنه هناك إشارات أخرى من الآباء أيضاً تشير إلى أن التقليد يقول بأن الإنجيل كتب بالطلب في مصر!![36] ليست الكنائس الجغرافية فحسب من تعيش في هذا التخبط وإنما قد نفاجأ بأن الكنيسة الواحدة نفسها تختلف في فاصل زمني لا يزيد عن بضعة سنوات فقط. فإذا كان العلامة (أوريجانوس)[37] قد صدر شهادته عن ترتيب تدوين الأناجيل كما نجدها الآن (متى – مرقس – لوقا – يوحنا) بقوله: ((عرفت من التقليد ))، فإن معلمة القديس (أكليمندس السكندري) في كتابه “وصف المناظر” قد قدم أيضاً تقليد التدوين عن الآباء الأولين بصورة مناقضة تماماً (متى – لوقا – مرقس – يوحنا).[38]

ولأنه تاريخياً لا مدخل لدينا لمعرفة العهد الجديد إلا من خلال هذه التقاليد فعلى القارئ ألا يُصدم إذا علم أن علماء الكنيسة المتأخرة قد ضربوا بكلا التقليدين عرض الحائط موضحين أن الأقدمية هي لإنجيل (مرقس)[39] وليس (متى) أو حتي (لوقا) حتى وإن كان: (( الرأي الغالب عند آباء الكنيسة هو أن إنجيل مرقس آخر ما كُتب من الأناجيل الثلاثة المتشابهة، )).[40]

تلك التناقضات المتضخمة للتقليد الشفهي[41] المُسلم بزعم الكنيسة من كتبة الأناجيل أنفسهم تجعلنا نتساءل عن الحقيقة التاريخية لعملية انتقال التقليد برمتها، فبوضع كل تلك التناقضات كخطوط عريضة لفهم انتقال التقليد الشفهي بالكنيسة في القرن الأول فإن حقيقة وجود: (( طائفية ومجهولية وتغييرات بهذا الوسيط جعلت من المستحيل تتبع تاريخ التقليد خلال هذا الانتقال ))[42]، وإذا وضعنا في أذهاننا قضية أن: (( التقاليد لم تُخترع من العدم، ولا بد أنها تتضمن بعضاً من الحقيقة الجوهرية. ))[43]، فإن هذا يقودنا بالضرورة إلى حقيقة أخرى تنص على أن التقليد الشفهي قد تم العبث به قبل أن يدخل الكنيسة في انتقاله من العامة أو حتى بعد دخوله الكنيسة في انتقاله إلى مرحلة التقليد المكتوب، بصورة أدق يمكننا إذاً أن نستعير هنا كلمات العالم: “واليام والكر” القائلة: (( تقليد الإنجيل المكتوب هو انعكاس لشكل يظهر كنتاج لعملية طويلة ومعقدة من الاختيار والانتقال وإعادة التفسير والتكييف والتحريف وحتى الاختراع[44] داخل الكنيسة .. ))[45]، لنتساءل هل تقاليد الكنيسة تعود للرسل حقاً أم أنها ذات جذور رسولية ولكن تم بلورتها وفقاً لاحتياجات الكنيسة أم أنها في النهاية تقاليد مزورة برمتها؟[46]

التقليد المكتوب

التقليد المكتوب هو تقليد العهد الجديد في صورته المكتوبة التي بين أيدينا اليوم. يخبرنا العلماء بأن قيمة الأناجيل في هذا النوع من التقليد من الناحية التاريخية هي: (( أناجيل العهد الجديد الأربعة هي تقريباً المصدر الوحيد لمعرفتنا بأعمال وتعاليم يسوع الأرضي. ))[47]، أما من الناحية الإيمانية هي: (( هذا يعني أنه ليس على المؤمن البسيط إلا أن يقبل الإنجيل كما تعلمه الكنيسة وحسب تفسيرها، ……… لأن من الكنيسة استلم الإنجيل وبالكنيسة يفهمه. )).[48]

فإذا كنا اليوم نتسلم الكتاب من الكنيسة فكيف تسلمت الكنيسة نفسها الكتاب بالأمس من الرسل ؟

الإجابة تاريخياً لا أحد يعرف ولا يوجد تقليد واحد يخبرنا كيف سلم الإنجيل للكنيسة ولا في أي زمن[49]، بل أن الشواهد التاريخية – كما بينا في التقليد الشفهي – تخبرنا أن الأناجيل لم تسلم إلى الكنيسة وإنما سلمت إلى العامة[50]، خلال فترة وجود النص المكتوب مع العامة وقبل انتقاله إلى سلطة النص المكتوب بالكنيسة الرئيسية وقعت بالنص العديد من التغييرات الهامة سواء أكان ذلك بتأثير مباشر من الكنيسة أو بدافع الاحتياجات المجتمعية.[51]

فعلى سبيل المثال: وفقاً لإنجيل (يوحنا) 21/24 فإن النص يقول: ((هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا ونعلم أن شهادته حق))، إلا أنه وفقاً لتأصيل ما تحته خط فإن العالم “Andreas J. Kostenberger” يخبرنا بأن: (( الرؤية بأن يوحنا 21:24-25 وضعت من نفس اليد التي وضعت باقي الإنجيل وبالأخص الرسول يوحنا هي قرار الأقلية من علماء يوحنا المعاصرين. ))[52]، دلالات تلك الجملة أيضاً لا تقتصر فقط على الكاتب في ذلك الموضع ولكنها قد تمتد أيضاً إلى باقي أجزاء الإنجيل، فإذا كان يسوع قد أنهى كلامه قائلاً بـ14/31 ((قوموا ننطلق من ههنا)) فكيف تكون افتتاحية الإصحاح 15 هي استمرار لكلامه المنتهي بدون أي ربط بما سبق: ((أنا الكرمة الحقيقية وأبي الكرّام)) على أن يكون العدد الأول من الإصحاح 18 هو أقرب افتتاحية لنهاية الإصحاح 14.[53]

مثال آخر: وفقاً لإنجيل (متى) 27/ 52-53 فإن رواية الصلب تتضمن: ((والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين * وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين )) ، رغم أن هذا الحدث فريد من نوعه ومهم للغاية في تأصيل حادثة صلب يسوع تاريخياً إلا أن الغريب أنه لم يثبت أحد تلك الواقعة سوى (متى)، دلالات الكلمات المحددة تُظهر بعض النقاط الغريبة في تلك القصة: لماذا انتظرت الأجساد حتى قيامة يسوع نفسه وما هو تأثير (القبور تفتحت) و (ظهروا لكثيرين) على اليهود وأتباع يسوع نفسه والذي لم يظهر له أي أثر في الأعداد اللاحقة ؟![54]

هنا فإن التقليد المُسلم من الكاتب الأًصلي أعيدت صياغته مرة تلو أخرى ليتواءم مع متطلبات محددة في التاريخ المسيحي من قبل المسيحيين الأوائل، فكما يقول العالم البريطاني “ديفيد باركر”: (( التقاليد سردت وأعيد سردها، كتبت وأعيد كتابتها، في التقليد الشفهي وفي النسخ المتتابعة للنصوص ))[55]، وفي موضع آخر يقول: (( النص الحر يشير إلى أنه على الأقل بعض المسيحيين الأوائل كان الأكثر أهمية عندهم هو تسليم روح تعاليم يسوع أكثر من الحفاظ على حرفيتها )).[56]

تأثيرات تلك الجماعات المسيحية على النص المنقول من المرحلة الشفهية يتعذر اليوم تحديده فضلا عن إحصاء مداه، فإذا كان (مرقس) قد اعتمد في الأصل ليس فقط على التقليد الشفهي وإنما أيضاً على مواد مكتوبة من قبل تلك الجماعة كما يقر بذلك الخوري (بولس الفغالي) قائلاً: (( لم ينطلق من لا شيء بل استند إلى عمل سابق قامت به الجماعة المسيحية: تذكرت أقوال وأعمال يسوع، دونت أخباراً منعزلة وأقوالاً متفرقة، جمعتها وهكذا حصلنا على نصوص متناسقة. ))[57]، فإن الإنجيلي نفسه في طريقة استخدامه لتلك المواد لم يتقيد هو الآخر بحرفيتها شأنه شأن كل مكتوبات الأناجيل التي: (( لم تنتوِ الحفاظ على الحساب الدقيق للتقليد الشفهي لكنها عوضاً عبرت عن الاستجابة اللاهوتية للوضع الاجتماعي الجديد ))[58]، وبالتالي فإنه يمكننا الآن إجراء بعض التعديلات في صورة الانتقال النصي المستخدمة في المقال السابق[59] لتصبح:

TURKY 3

بالتأكيد فإن تكامل تلك العناصر معاً لإعطاء صورة مقربة لدورة الانتقال النصي للتقليد لا يخلو من بعض المعضلات، لعل من أهمها مشكلة التحديد “الزمني” لعملية التحرير النصي للتقليد الشفهي. فعلى سبيل المثال لا توجد أي دلالة تاريخية توضح هوية “ترتيوس” الذي وصف بأنه “كاتب هذه الرسالة”[60]، هل هو كاتب الرسالة كسكرتير لـ(بولس) أم أنه مجرد ناسخ في الحلقة الوسيطة بين التقليد الشفهي والتقليد المكتوب لرسائل (بولس) والتي ينص أكثر من عالم على أنها شهدت: (( حدثت العديد من الأمور الهامة في الخمسين سنة بين كتابة الرسائل وإنتاجها كمجموعة ))[61]، وبما أنه: (( من المحتمل أن يكون عام 100 ميلادي هو عام تجميع ونشر رسائل بولس مجتمعة بفارق عن زمن كتابتها الأصلي يقدر بأربعين أو خمسين عاماً ))، فلا شك إذاً في أنه: (( مثل كل التقاليد للكتابات القديمة فإن “النموذج الأصلي” و”الأصل” لا يتطابقان ))[62]

الخاتمة

نأتي الآن للسؤال الأهم والذي يلخص نقاط البحث ألا وهو: ما هي طبيعة العلاقة بين المكتوب بين أيدينا والتقليد المؤسس لما هو مكتوب ؟

إن أبسط جواب على هذا السؤال هو أنه لا علاقة واضحة بين التقليد المكتوب والذي صار هو الأصل في التعبير عن التقليد بشكل عام بالكنيسة اليوم كما أقر القس (أنجيلو جرجس) القائل: (( لا يمكن أن يوجد شيء في التقليد ضد أي حرف في الإنجيل. فالإنجيل يعاش في التقليد والتقليد يؤكده الإنجيل. ))[63]، وبين التقليد الشفهي للكنيسة الأولى والذي يقول الآباء أن: (( كل التقاليد الموجودة في الكنيسة مستلمة من الرسل أو من المجامع )).[64]

فكما رأيناه في تحليل بعض التقاليد الشفهية الخاصة بالعهد الجديد فإن الآباء لم يستلموا تقاليدهم من الرسل بل إن الحقيقة هي كما قال الأب (متى المسكين) في رده لتقليد (بابياس) عن تلمذة (مرقس) الإنجيلي للتلميذ (بطرس): (( من هذه التحقيقات يتضح لنا أن كل المؤرخين القدامى أخذوا عن بابياس أخذاً أعمى دون تحقيق أو مضاهاة هذه الأقوال على واقع الإنجيل نفسه ))[65]، لكن هذا الرفض ليس بتلك البساطة لأنه: (( في استطاعتنا بالفعل، بعد الغربلة والتقييم، رفض مثل هذه التقاليد، ولكننا إن فعلنا هذا الأمر، فإننا سنتخبط في الظلام أكثر مما لو أننا أخذنا بها، ذلك أنه ليس لدينا غيرها مما يعود إلى مثل هذا الزمن المتناهي القدم كما أن التقليد المتأخر عنها زمنياً يتوافق على الأقل في خطوطه العريضة مع بابياس. ))[66]، وبالتالي فليس هناك من معنى لرفض تقليد الكنيسة بهذا الشأن وغيره سوي أن أصل هذا التقليد لم يكن الرسل أو التلاميذ وإنما هو من (اختراع) أحدهم !![67]

أما التقليد المكتوب فهو لا يقل تعقيداً عن التقليد الشفهي فمع غموض أصل ونشأة هذا التقليد سواء من ناحية الجمع والترتيب والنشر[68]، فإن العلماء اليوم لا يقولون فقط أن التقليد المكتوب الحالي يحمل: (( إشارة واضحة على التغييرات الجذرية والتطورات الجديدة ))[69]، وإنما يحمل أيضاً إشارات إلى أن الأحداث والأقوال التي به ليست بالضرورة تاريخية بل هي قصص: (( صيغت في مراحل مختلفة في تاريخ التقليد لتخدم احتياجات المجتمعات المسيحية )).[70]

فإذا وضعنا أعيننا صوب هذه التعقيدات والتي لا تستقيم مع قول الكنيسة اليوم: (( إننا نسمي “دائرة تأويلية” أن يجد الكتاب المقدس أساسه في الكنيسة وأن تجد الكنيسة أساسها في الكتاب المقدس ))[71]، فضلا عن إقرارها أيضاً بانقطاع علاقة ذلك الكتاب المكتوب بالتقليد الشفهي[72]، فإن أي حديث عن أنه: (( عن طريق التقليد فقط نستطيع أن نعرف أسفار الكتاب المقدس الحقيقية وعددها وأسماء كاتبيها وزمان كتابتها وتفاصيل ما جاء فيها. ))[73] ما هو إلا مجرد خدعة زائفة للعامة لأن الحقيقة أن تناقضات التقليد الشفهي وعلاقته المجهولة مع التقليد المكتوب لا تدع مجالاً لأي شك من أن:

(( نظرية التقليد الشفهي الأصلي الذي انتقل من تعاليم يسوع إلى التلاميذ ومن ثم إلى الكنيسة والعهد الجديد هي واحدة من أكثر الأخطاء خطورة في دراسات الكتاب المقدس. فبقبولها كتاريخ لكلمات وأفعال يسوع فإن العديد من الأقوال والقصص عنه تم اختراعها لاحقاً في الكنيسة المبكرة، تلك النظرية تسببت في كمية هائلة من سوء في تفسير الأناجيل القانونية وسوء فهم مأساوي في حياة يسوع وبدايات الكنيسة ))[74]

مقال منشور في العدد الثاني من المجلة 


الهوامش:

[1] برتراند أرثر ويليام راسل: فيلسوف وعالم منطق ورياضي ومؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني حاز على جائزة نوبل للأدب عام 1950م قبل أن يتوفى عام 1970م

[2] الدين والعلم، برتراند راسل، ترجمة رمسيس عوض، ص78-79

[3] نقد النص التوراتي: التأريخ التوراتي المزيف، د. إسماعيل ناصر الصمادي، ص57

[4] هل الكتاب المقدس وحده يكفي؟ كلمات حول التقليد الكنسي، مراجعة وتقديم نيافة الأنبا رافائيل، ص13

[5] ترجمة الفاندايك

[6] يمكن إثبات هذا التقسيم من خلال قول كاتب إنجيل يوحنا نفسه: (( وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ. آمِينَ. )) يوحنا 21/25 او (( وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. )) يوحنا 20/30 ، الأمر الذي يعني أن المكتوب من تعاليم وأفعال يسوع لا يشمل كل التعاليم والأفعال المتناقلة بشكل شفهي ومعروفة لدى المجتمع المسيحي الأول أو على الأقل كاتب الرواية الإنجيلية.

[7] التقليد، القس أنجيلو جرجس، ص27

[8] خلال كتابات القرون الأولى فإن العلماء وجدوا بعض الأقوال المنسوبة ليسوع بكتابات الآباء ولكنهم لم يجدوا لها ما يوازي بالأناجيل القانونية وإن كان لبعضهم وجود بالأناجيل الأبوكريفا، تلك الأقوال تُسمى (Agrapha) وهي أقوال باقية من التقليد غير المكتوب ليسوع تم تناقلها لا شفهياً عبر الكنيسة ولكن كتابياً في كتب الآباء الرسل وقديسي الكنيسة من بعدهم !!، من أشهر هذه الأقوال مقولة (كونوا صيارفة ماهرين) والذي تعددت أوجه اقتباساته حتى تجاوزت الخمسين اقتباساً ما بين نسبتها ليسوع أو بولس وما بين نسبتها للتقليد المكتوب أو التقليد الشفهي. للمزيد يراجع (Hidden Sayings of Jesus, William Morrice, p169-170)

[9] Stephen H. Travis, “Form Criticism”, in “New Testament Interpretation: Essays on Principles and Methods”, p154

[10] Birger Gerhardsson, Memory and Manuscript: Oral Tradition and Written Transmission, p324

[11] Papias of Hierapolis, ET v.117 n.8, p309

[12] (( 3- ولكنني لا أتردد أيضاً عن أن أضع أمامكم مع تفسيري كل ما تعلمته بحرص من المشايخ، وكل ما أتذكره بحرص، ضامناً صحته. لأنني لم ألتذ – كالكثيرين – بمن يتكلمون كثيراً، بل بمن يعلمون الحق. لم ألتذ بمن يقدمون وصايا غريبة، بل بمن يقدمون وصايا الرب للإيمان، الصادر من الحق نفسه. 4- وكلما أتى أحد ممن كان يتبع المشايخ سألته عن أقوالهم، عما قاله أندراوس أو بطرس، عما قاله فيلبس أو توما أو يعقوب أو يوحنا أو متى أو أي واحد آخر من تلاميذ الرب، أو عما قاله أريستيون أو القس يوحنا أو تلاميذ الرب. لأنني لا أعتقد أن ما أتحصل عليه من الكتب يفيدني بقدر ما يصل إلي من الصوت الحي، من الصوت الحي الدائم )) تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، الكتاب الثالث ، الفصل 39 ، الفقرة 3-4 ، تعريب القمص مرقس داود، ص144

[13] تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، الكتاب الثالث ، الفصل 39 ، الفقرة 13 ، تعريب القمص مرقس داود، ص146

[14] تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، الكتاب الثالث ، الفصل 39 ، الفقرة 13 ، تعريب القمص مرقس داود، ص146

[15] أو ربما يمكن القول “وترجمها كل واحد على قدر استطاعته”, David L. Turner, Matthew, p15

[16] إيريناوس أسقف ليون، كتاب ضد الهرطقات، الكتاب الثالث، الفصل الأول

[17] (( مصطلح “السبت مساءً” راجع إلى مترجم الإنجيل، لأن الإنجيلي “متى” نشر إنجيله باللسان العبري، لكن الشخص الذي قدمة باللغة اليونانية غير ذلك. )) Eusebius, Quast. ad Marin. 2, iv

[18] في رسالته إلى سيدة تدعي هيديبيا قام بالرد على سؤالها حول اختلاف نصي إنجيل (متي) 28/1 وإنجيل (يوحنا) 20/1 قائلاً: (( يبدو لى أن نص إنجيل “متى” والذي كتب إنجيله بالعبرانية هو “عندما صار الوقت متأخراً” وليس “مساءً”، حيث قام المترجم والذي لم يكن على علم بالمعنى الحقيقي لتلك الكلمة بترجمتها “مساءً” بدلا من القول ” عندما صار الوقت متأخراً” )) – الرسالة رقم (120) إلى هيديبيا، إجابة السؤال الرابع، رسائل القديس جيروم

[19] Jerome, On Illustrious Men, Chapter III

[20] تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، الكتاب السادس ، الفصل 25 ، الفقرة 4 ، تعريب القمص مرقس داود، ص274

[21] (( إنجيل متى في الحقيقة يعطي الانطباع بأنه غير مترجم بل كتب أصلا في اليونانية، )) دائرة المعارف الكتابية، نخبة من العلماء واللاهوتيين، ج1 ص455

[22] (( وكتب العهد الجديد باللغة اليونانية التي كانت سائدة وقتها – اليونانية القديمة – ما عدا إنجيل متى فهو كتب بالعبرية وترجمه القديس متى لليونانية أيضاً فأصبح العهد الجديد كله يوناني الأصل )) مقدمة عامة عن الكتاب المقدس، القمص بولس عطية بسليوس، ص7

[23] (( يوجد اتفاق عام الآن في أن إنجيل مرقس هو أقدم الأناجيل، وهذا الاتفاق في الوسط العلمي وأيضاً بين الدارسين في الكنيسة القبطية، )) المدخل إلى تفسير العهد الجديد، د. جورج فرج – باحث بالمركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ودكتوراه في علوم اللاهوت من جامعة ستراسبرج، ص112

[24] تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، الكتاب السادس ، الفصل 14 ، الفقرة 5 ، تعريب القمص مرقس داود، ص261

[25] Heard, The Old Gospel Prologues, JThS n.6 1955

[26] Thiessen, Introduction to The New Testament, p144

[27] (( والثاني مرقس مترجم بطرس الرسول وأول أسقف على الإسكندرية الذى نفسه لم ير المخلص ولكنه قص الأمور التي سمع معلمه يعظ بها )) التعليقات على إنجيل متى – مقدمة – القديس جيروم

[28] (( ولا ينكر عالم أن لغة إنجيل مرقس وأسلوبه في الكتابة يظهر أنه كتب قبل الإنجيلين الآخرين )) المدخل إلى العهد الجديد، الدكتور القس مرقس عزيز، ص243

[29] Burkitt, “Was The Gospel Of Mark Written in Latin?” , JTS 29 1927-1928: p375-381

[30] Hoskier, Codex B and its allies. A study and an indictment, p126

[31] (( جميع مؤرخي الأقباط في كافة عصورهم أجمعوا على أن مار مرقس كان من السبعين رسولاً الذين ذكرهم لوقا الإنجيلي (10: 1-12) )) ناظر الإله الإنجيلي: مرقس الرسول، الأنبا شنودة الثالث، ص15

[32] تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، الكتاب الخامس ، الفصل 10 ، الفقرة 3 ، تعريب القمص مرقس داود، ص218

[33] David F. Bacon, Lives of the apostles of Jesus Christ, p369

[34] (( شهادة الآباء مقبولة لأنها تعكس التقليد الرسمي للقرن الثاني )) Schodde, “The Gospel of Matthew”, Inter, Stand. Bible Ency., p2010

[35] داِئرة المعارف الكتابية – نخبة من العلماء واللاهوتيين – الجزء الأول – حرف أ – إنجيل متي

[36] (( أيضاً “متى” يقال بأنه عندما أتى إليه من اليهود من كان يؤمن طلبوا منه أن يترك لهم مكتوباً بتلك الأمور، وبينما كان يتحدث إليهم بالكلام فإنه أيضاً جمع إنجيله فى اللغة العبرانية. “مرقس” أيضاً بـ”مصر” يقال أنه قام بنفس الشيء بناءً على التماس من التلاميذ )) عظات إنجيل متى، يوحنا ذهبي الفم، العظة الأولى – فقرة 7

[37] والذي قال عنه الأب “متى المسكين” أنه: (( لا يستهان بعلمه وتقاريره فكلها يأخذها جميع العلماء أخذ ثقة واحترام )) – تفسير إنجيل متى

[38] (( وفي نفس الكتب أيضاً يقدم اكليمنضس تقليد الآباء الأولين عن ترتيب الأناجيل على هذا الوجه التالي: فيقول أن الإنجيلين المتضمنين نسب المسيح كتبا أولا. )) تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، الكتاب السادس ، الفصل 14 ، الفقرة 5 ، تعريب القمص مرقس داود، ص261

[39] R. T. Simpson, “The Major Agreements of The Matthew and Luke against Mark”, In The Two-Source Hypothesis ,p382

[40] المدخل إلى تفسير العهد الجديد، د. جورج فرج – باحث بالمركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ودكتوراه في علوم اللاهوت من جامعة ستراسبرج، ص113

[41] (( نجد أن التقليد المنسوب للقديس بطرس بدأ ينمو ويُزاد عليه. والكلام يناقض بعضه، فالقول إن القديس مرقس كتب إنجيله فى حياة بطرس يناقض ما جاء فى إيرينيئوس والمقدمة ضد ماركيون )) تفسير إنجيل مرقس – الاب متى المسكين، ص49

[42] Barry W. Henaut, Oral Tradition and The Gospels, p15

[43] التفسير الحديث للكتاب المقدس، العهد الجديد – إنجيل مرقس – ، ص40

[44] أي اختراع تقاليد وأقوال وأعمال ليست لها حقيقة تاريخية.

[45] William O. Walker, “The Quest For The Historical Jesus”, in “The Historical Jesus – Critical Concepts”, v1 p401 – المائل مضاف للسياق

[46] إجابة هذا السؤال قد نجدها في مقولة: (( عزو أي من الأناجيل إلى مؤلفين من دائرة الاثني عشر ليس له سند تاريخي ))Markus Bockmuehl – Donald A. Hagner, The Written Gospel, p73

[47] E. Earle Ellis, “The Synoptic Gospels and History”, In “Authenticating The Actvities of Jesus”, p49

[48] التقليد وأهميته في الإيمان المسيحي، الأب متى المسكين، ص62

[49] لعل أبسط الدلائل على هذا هو أن الكنيسة حتى تلك اللحظة لا تتفق على عام موحد لتاريخية كتابة أي من الأناجيل الأربعة.

[50] (( لما كرز بطرس بالكلمة جهاراً في روما … طلب كثيرون من الحاضرين إلى مرقس أن يدون أقواله، … وبعد أن كتب الإنجيل سلمه لمن طلبوه. )) – تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، الكتاب السادس ، الفصل 14 ، الفقرة 6 ، تعريب القمص مرقس داود، ص262

[51] D. G. A. Calvert, “An Examination of The Criteria..”, in “The Historical Jesus – Critical Concepts”, v1 p427

[52] Andreas J. Kostenberger, “The Conclusion of John’s Gospel”, in ” The New Testament in Its First Century Setting”, p74-75

[53] ((قال يسوع هذا وخرج مع تلاميذه إلى عبر وادي قدرون)) يوحنا 18/1

[54] Craig A. Evans, Matthew, p466-467

[55] David C. Parker, The Living Text of The Gospels, p179

[56] David C. Parker, Scripture is Tradition, Theology 1991 94:11 , p15

[57] المدخل إلى الكتاب المقدس – الجزء الرابع -، الخوري بولس الفغالي, ص413-414

[58] Barry W. Henaut, Oral Tradition and The Gospels, p14

[59] أيمن تركي، الصلاة الربانية والكذب المقدس، مجلة الدراسات الدينية، العدد الأول، 2014م.

[60] رومية 16/22

[61] G. Zuntz, The Text Of the Epistles, p278

[62] Ibid, p14

[63] التقليد، القس أنجيلو جرجس، ص32

[64] المرجع السابق، ص40

[65] تفسير إنجيل مرقس، الأب متى المسكين، ص51

[66] التفسير الحديث للكتاب المقدس، العهد الجديد – إنجيل مرقس – ، ص30-31

[67] يلاحظ هنا ان الكنيسة الأولي لم تستطع تمييز التقليد الصحيح من التقليد المزيف

[68] (( نحن لا نمتلك أى دليل قديم يشهد لكيفية جمع الأناجيل ونشرها )) P. Perkins, Introduction to the Synoptic Gospels, p40

[69] Ernst Kasemann, “The Problem of The Historical Jesus”, in “The Historical Jesus – Critical Concepts”, v1 p137

[70] Arland J. Hultgren, Jesus and His Adversaries, p198

[71] مدخل إلى الكتاب المقدس، الأب سليم دكاش، ص35

[72] (( السيد المسيح كان يتحدث الآرامية وليس اليونانية التي كُتبت بها الأناجيل مما يجعلنا نستبعد فكرة التقليد الشفوي في تفسير التشابه اللغوي في الأناجيل المتشابهة. )) المدخل إلى تفسير العهد الجديد، د. جورج فرج، ص107

[73] بحث في التقليد المقدس، شنودة ماهر إسحق، ص35

[74] Howard M. Teeple, The Oral Tradition That Never Existed, JBL v89 n1, p68

ببليوغرافيا لدراسة الآبائيات (الباترولوجي)

هيثم سمير

مقدمة

دراسات الآبائيات هي حقل معرفي يعني بدراسة المسيحية عن طريق آباء الكنيسة، وتسمى بالباترولوجي تعريباً لكلمة Patrology المشتقة من (Pater) في اللاتينية وتعني (أب)، يسعى الدارسون من خلال دراسة نصوص أولئك الآباء إلى تتبع تاريخ المسيحية من حيث النشأة والتطور، وتاريخ العقيدة واللاهوت المسيحيين منذ الكنيسة الأولى مروراً بالعصور الوسطى إلى الحديثة، في مختلف المناطق الجغرافية مثل منطقة الشام وسوريا، وفي مصر القبطية، وفي شمال أفريقيا وفي أوروبا الشرقية والغربية، وأيضاً في آسيا. وتسهم أيضاً دراسة الآباء في دراسة الكتاب المقدس من حيث النص – فاقتباسات الآباء الأوائل من الكتاب المقدس والعهد الجديد خاصة، تعد من أهم مصادر النقد النصي – ومن حيث التفسير وأيضاً في دراسة قانون العهد الجديد. كما تسهم دراسات آباء الكنيسة أيضاً في مجالات معرفية أخرى خارج المسيحية، كتاريخ الفكر بشكل عام وفي دراسة تاريخ العصور القديمة والوسطى وفي دراسة الفلسفة خاصة، أغسطينوس وتوما الأكويني، وفي دراسة عصور النهضة وفي العلوم السياسة نظراً للصراع في العصور الوسطى بين سلطة الكنيسة وسلطة الدولة. ربما تساهم أيضاً نصوص الآباء في الدراسات اللغوية حيث توفر مادة مكتوبة كبيرة ومتنوعة بلغات شرقية وأوروبية عدة مثل القبطية والسيريانية والجورجية واللاتينية واليونانية.

نصوص الآباء في لغاتها الأصلية:

تعد أهم مجموعات نصوص الآباء في لغاتها الأصلية هي مجموعة Acta Sanctorum في 68 مجلداً، يُرتَب فيها القديسون المسيحيون حسب يوم الاحتفال بكل منهم، نُشر أول مجلداتها عام 1943م وآخر مجلد عام 1794م.

أما المجموعة الثانية، وهي تعد أكمل المجموعات بالرغم من احتوائها على كثير من الأخطاء المطبعية، هي مجموعة Patrologiae cursus completes أو (الأعمال الكاملة للآباء)، أشرف عليها جاك بول ماين Jacques-Paul Migne، واستغرق تجميعها 14 عاماً منذ 1841م وحتى 1855م.

تنقسم المجموعة إلى قسمين، الأول: Patrolrogia Latina وبها كتابات الآباء اللاتينية، وتتكون من 221 مجلداً، ويرمز إليها اختصاراً بــــ (PL). والقسم الثاني يحتوي على مجموعة كتابات الآباء اليونانية، ويتكون من 159 جزءاً، ويرمز إليه اختصاراً بــــ (PG).

هناك أيضاً مجموعة مهمة وهي Patrologia Orientalis وتحتوي على عدد كبير من كتابات الآباء الشرقيين بلغات عدة، مثل العربية، السيريانية، السلافية، الجورجية، الأرمينية، والقبطية. حررها ريني جرافان René Graffin وفرنسوا نو François Nau، وخرجت في 49 مجلداً في الفترة بين 1904م و1984م.

أهم الترجمات الإنجليزية لنصوص الآباء:

تعتبر أهم مجموعة لنصوص الآباء باللغة الإنجليزية هي مجموعة: A Select Library of the Nicene and Post-Nicene Fathers of the Christian Church (مكتبة مختارة من كتابات آباء مجمع نيقية وما بعده)، وقد حررتها دار نشر T&T Clarck وأوكلت الإشراف على السلسلة الأولى منها إلى فيليب شاف Philip Schaff، والسلسلة الثانية إلى هنري ويس Henry Wace، كل سلسلة مكونة من 14 مجلداً، نشر أول مجلداتها عام 1886م وآخرها عام 1900م.

ومعها مجموعة آباء ما قبل نيقية، وقد صدرت أولاً باسم Ante-Nicene Christian Library (مكتبة الكتابات المسيحية السابقة لمجمع نيقية)، بتحرير ألكساندر روبرتس Alexander Roberts وجيمس دونالدسون James Donaldson، في الفترة ما بين 1867م و1873م، ثم أعاد الأسقف كليفلاند A. Cleveland Coxe نشر نسخة مراجعة منها عام 1885م، باسم The Ante-Nicene Fathers (آباء ما قبل مجمع نيقية).

من مجموعة الترجمات الإنجليزية المهمة الأخرى نجد مجموعة Library of the Fathers (مكتبة الآباء)، نشرها جون هنري باركر John Henry Parker وحررها إدوارد بوزي Edward Bouverie Pusey، وخرجت في 50 مجلداً في الفترة بين 1838م و1881م، لكن البعض عاب عليها الميول الكاثوليكية للترجمة.

من المجموعات الحديثة مجموعة Ancient Christian Writers (كُتَّاب المسيحية الأوائل) في 65 مجلداً لدار Paulist Press، وتنقسم إلى أربع مجموعات: مجموعة ما قبل نيقية، مجموعة عصر مجمع نيقية، مجموعة ما بعد مجمع نيقية، ومجموعة كتابات القديس أغسطينوس.

نصوص الآباء بالترجمات العربية:

تعتبر أشمل وأهم سلسلة للنصوص الآبائية باللغة العربية هي تلك الصادرة عن المركز الأرثوذوكسي للدراسات الآبائية، التابع لمؤسسة القديس أنطونيوس، نشرت أول أعدادها عام 1961، واستمر المركز في إصدار المزيد من الترجمات لنصوص الآباء حتى اليوم، مصدراً ما مجموعه 191 كتاباً.

هناك أيضاً سلسلة أقدم النصوص المسيحية من منشورات المكتبة البولسية، وخرجت في ستة سلاسل مقسمة تقسيماً موضوعياً: (سلسلة النصوص اللاهوتية: 6 أجزاء، سلسلة النصوص الليتورجية: 7 أجزاء، سلسلة النصوص النسكية: 3 أجزاء، سلسلة النصوص التقيظية: جزء، سلسلة النصوص الدفاعية: جزء، سلسلة نصوص متنوعة: جزء.)

أيضاً سلسلة آباء الكنيسة، وبها أيضاً كتابات عدد من آباء الكنيسة القبطية، ترجمها وأعدها أنطون جورج فهمي، نشر: كنيسة مار مرقس والبابا بطرس، عام 1992، وبها 35 مجلداً.

هناك أيضاً عددا من الترجمات المتفرقة لبعض كتابات الآباء مثل:

الخلاصة اللاهوتية، 5 أجزاء، بولس عواد، المطبعة الأدبية، 1908.
أوريجانوس الرد على كلسس، مرقص داوود، مكتبة المحبة.

تاريخ الكنيسة، يوسابيوس، مرقص داوود، مكتبة المحبة.

نصوص مختارة من كتابات العلامة ترتليان، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، مكتبة مارجرجرس سبورتنج، 2014.

مقالات القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة، ترجمة: الراهب القمص مرقريوس الأنبا بيشوي، مكتبة النسر، 2008.

مدينة الله للقديس أغسطينوس، 3 مجلدات، نقله إلى العربية: الخور أسقف يوحنا الحلو، دار المشرق، بيروت، 2006.

في اللاهوت غريغوريوس النزينزي، ترجمة: الراهب القمص مرقريوس الأنبا بيشوي، مكتبة النسر، 2008.

تجسد الكلمة للقديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: ريمون يوسف رزق، المركز الثقافي القبطي الأرثوذوكسي.

الآباء الرسوليون:

نظراً للأهمية الخاصة لآباء الكنيسة أفضل عرض ما يخصهم من نصوص ودراسات بشكل منفصل.

مقدمة

يطلق لقب الآباء الرسوليين على مجموعة من الأشخاص يفترض أنهم كانوا على معرفة ما بالرسل لكن لم يكونوا منهم. أصل هذا المصطلح كان ’آباء العصر الرسولي‘، أطلقه للمرة الأولى المؤرخ الفرنسي كوتلييه J. B. Cotelier على أعمال خمسة من الآباء عام 1672. احتوى كتابه على أعمال كل من برناباس، إكليمنضس الروماني، هرماس، إغناطيوس وبوليكاربوس.  أصدر وليام ويك William Wake عام 1693 ترجمة إنجليزية للعديد من الوثائق تحت عنوان: “الرسائل الأصلية للآباء الرسوليين. The Genuine Epistles of the Apostolical Fathers” ثم جرت العادة فيما بعد على إضافة الرسالة إلى ديوجنيتوس مجهولة الكاتب إلى هذه المجموعة، بقايا كتابات بابياس (كان ذلك بعد عام 1883 حين صدرت أول ترجمة كاملة لها) والديداخي المسماة في المخطوطة تعليم الرب للأمم من خلال الرسل الاثني عشر.

مجموعة كتابات الآباء الرسوليين باللغة اليونانية

صدرت، نسخة يونانية نقدية، من ضمن سلسلة Loeb Classical Library، أحد أكمل وأهم مكاتب الكلاسيكيات على الإطلاق، وقد صدرت في مجلدين بعنوان The Apostolic Fathers، حررها العالم الكبير كيرسوب ليك Kirsopp Lake، عام 1912/1913م.

هناك نسخة أيضاً للنص اللاتيني مصحوب بترجمة إنجليزية حررها وترجمها مايكل هولمز Michael Holmes، بعنوان The Apostolic Fathers: Greek Texts and English Translations، عام 2007.

وأيضاً هناك نسخة مميزة للعالم لايتفوت J.B. Lightfoot، بعنوان: Apostolic Fathers in Greek and English، وخرجت في مجلدين، يحتويان على النص اليوناني مصحوباً بترجمة إنجليزية لكتابات الآباء الرسوليين.

مجموعات كتابات الآباء الرسوليين المترجمة إلى الإنجليزية

صدر أيضاً من ضمن سلسلة Loeb Classical Library، نسخة إنجليزية لكتابات الآباء الرسوليين، ترجمها وعلق عليها العالم الشهير بارت إيرمان Bart Ehrman، بعنوان The Apostolic Fathers، في مجلدين عامي 2003 و2005، وهي تعتبر أفضل النسخ الإنجليزية لترجمات الآباء الرسوليين.

مجموعات كتابات الآباء الرسوليين المترجمة إلى العربية

ترجمت كتابات الآباء الرسوليين ضمن سلسلة، الكتابات المسيحية الأصلية في السنوات المائة الأولى بعد العهد الجديد باللغة اليونانية والعربية، في سلسلة خاصة بعنوان: الآباء الرسوليون من 5 أجزاء، صادرة عن دار النشر الأسقفية، في الفترة بين 2011 و2015، وقد أوردت النص اليوناني الذي حرره مايكل هولمز Michael Holmes والذي ذكرناه مسبقاً، أما الترجمة إلى العربية فاعتمدوا على الترجمة الإنجليزية من الكتاب نفسه.

الدراسات الآبائية (الباترولوجي)

المراجع الإنجليزية:

رغم قدمها (1950م) تعد سلسلة Patrology لأستاذ الآبائيات الأبرز يوهان قواستن Johannes Quasten، التي أصدرها في أربعة مجلدات: (أ. من قانون الإيمان الرسولي حتى إيرينيئوس ب. كتابات ما قبل نيقية التالية لإيرينيئوس ج. من مجمع نيقية وحتى مجمع خلقيدونية د. العصر الذهبي للكتابات الآبائية اليونانية من مجمع نيقية وحتى مجمع خلقيدونية ه. العصر الذهبي للكتابات الآبائية اللاتينية من مجمع نيقية وحتى مجمع خلقيدونية) أهم الدراسات الآبائية فقد دشنت عصراً جديداً لتلك الدراسات ولا يخلو أي عمل لاحق من الاعتماد عليها.

أما العمل القديم أيضاً والذي لا يقل أهمية، وهو مرجع أساسي لكل ما كتب عن الآباء في القرن الماضي هو كتاب Patrology: the lives and works of the fathers of the church (الباترولوجي: حياة وأعمال آباء الكنيسة)، لكل من أوتو وشاهان Otto & Shahan، 1908. وفيه تحليل عميق ومفصل لعدد كبير جداً من الآباء، وجميع ما استخدم من مراجع ومصادر متاحة الآن على الشبكة وهو ما يسهل عمل أي باحث يريد التوسع في دراسة أي أب من المذكورين في هذا المجلد القيم.

من ضمن المراجع الشاملة والمهمة أيضاً كتيب الباترولوجي A Hand book of Patrology لـــــ Tixeront، 1923.

من الكتابات الحديثة هناك الدراسة المميزة التي نشرتها دار نشر جامعة كامبريدج، لكل من فرانسيس يونج، لويس أيريس وأندرو لوث، بعنوان: The Cambridge History of Early Christian Literature، عام 2004. وبها دراسات للآباء مصحوبة بشرح للسياقات التاريخية والثقافية لكل منهم.

وأيضاً المقدمة الشاملة The Fathers of the Church: A Comprehensive Introduction، لــــ  Hubertus Drobnerترجمها للإنجليزية Siegfried Schatzmann، وقد وسعها وحدث ببليوغرافياتها كل من William Harmless, SJ, & Hubertus Drobner ، وصدرت عام 2007. وتجد فيها مقدمة لكل أب مع ببليوغرافيا مكثفة.

الدراسات الآبائية العربية
تادرس يعقوب ملطي، نظرة شاملة لعلم الباترولوجي، 2008

مقدمة مختصرة لعلم الباترولوجي مع عرض وجيز جداً لعدد وافر من الآباء يعبر فيه الكاتب بشكل واضح عن أرثوذوكسيته في نظرته للآباء.
عادل فرج عبد المسيح، موسوعة آباء الكنيسة، 3 أجزاء، دار الثقافة

وهي دراسة أشمل وأوسع مدعمة بصور وخرائط وجداول وخالية من الدوغمائية في التعرض للآباء وبالتالي هي أفضل بكثير من مقدمة تادرس يعقوب ملطي.
أسد رستم، آباء الكنيسة، منشورات المكتبة البولسية، 1990

من أفضل ما كتب بالعربية. دراسة شاملة لعدد كبير من الآباء بمنهجية علمية معهودة عن الدكتور أسد رستم، ومزودة بعدد ضخم من المراجع الأجنبية المفيدة بلا شك لأي باحث يريد التوسع في دراساته.
أحد رهبان دير أنبا مقاريوس، دراسات في آباء الكنيسة، دار مجلة مرقص، 1999

دراسة مختصرة لعدد من آباء الكنيسة وبينهم عدد من آباء الكنيسة القبطية
حنا جرجس الخضري، تاريخ الفكر المسيحي، 3 مجلدات

من أهم ما كتب بالعربية في دراسات الفكر المسيحي، فهي دراسة ماتعة للفكر المسيحي يناقش فيها مواضيع وجوانب متعددة من الفكر المسيحي والفكر الآبائي.
كيرلس سليم بسطرس (مطران)، حنا الفاخوري (أب)، جوزيف العبسي البولسي (أب)، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، منشورات المكتبة البولسية، 2001

دراسة قيمة واسعة تقدم دراسة لكل أب من آباء الكنيسة مع مختارات من كتاباته ومعتمدة على عدد كبير من المراجع الأجبنية.
د. نصحي عبد الشهيد (باترولوجيا Patrologia)، مدخل إلى علم الآباء، مؤسسة القديس أنطونيوس، 2000.

تحتوي على مقدمة لعلم الآباء، وسرد لأهم الكتابات الآبائية وأهم الترجمات الإنجليزية والفرنسية، مع عرض لبعض كتابات الآباء.

الآباء والعهد الجديد

الآباء ونص العهد الجديد

بجانب المخطوطات اليونانية واللاتينية والمخطوطات باللغات الشرقية للعهد الجديد، تعد كتابات الآباء من أهم مصادر دراسة نص العهد الجديد وانتقاله وقانونيته.

أهم الأعمال التي تناولت دراسة علاقة الآباء بنص العهد الجديد هو الكتاب الصادر عن جمعية أوكسفورد للتاريخ اللاهوتي، بعنوان The New Testament in the Apostolic Fathers (الكتاب المقدس عند الآباء الرسوليين)، عام 1905. في ذلك المجلد الذي أعده لجنة من أبرز علماء الدراسات الكتابية، تجد كل فقرة من كتابات الآباء الرسوليين تشير أو يُعتقد أنها تشير إلى أي من نصوص العهد الجديد، مصحوبة بنصها اليوناني، مع تحليل لكل فقرة وعرض لمعرفة كل أب بالعهد الجديد بشكل عام. وتقيم كل إشارة إلى نصوص العهد الجديد برمز (A, B, C,D)، فالرمز A يعني أن الفقرة الآبائية مقتبسة من العهد الجديد بلا أدنى شك؛ بينما D يعني أن النص لا يمكن اعتباره اقتباساً من العهد الجديد لشدة عدم وضوح الصلة بينهم.

بعد مائة عام من إصدار هذا العمل (2005) أصدرت أوكسفورد مجلداً آخر، بعنوان: The reception Of the New Testament in Apostolic Fathers (استقبال العهد الجديد عند آباء الكنيسة)، وشارك فيه عدد كبير من علماء الكتاب المقدس، قدموا دراسات وتحليلات عميقة للعلاقة بين نص العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين، مستفيدين من كل التطورات التي طرأت على علم الدراسات الكتابية في تلك السنوات المائة.

من أهم المواقع الإلكترونية النافعة في معرفة الاقتباسات الآبائية من العهد الجديد:

نجد سلسلة e-catena، التي تحتوي على تجميع لكل الإشارات إلى العهد الجديد في كتابات آباء ما قبل نيقية: http://www.earlychristianwritings.com/e-catena/

أما الموقع الأهم فهو موقع فهرس الكتاب المقدس، أو Biblia Patristica (الكتاب المقدس الآبائي) http://www.biblindex.mom.fr/ ، فيمكن بعد التسجيل في الموقع، اختيار أي نص من الكتاب المقدس، ثم يخرج لك الموقع كل الاقتباسات الآبائية لهذا النص، يمكن تحديد نطاق البحث حسب التاريخ أو اللغة، أو غيره.

الآباء وتفسير العهد الجديد

 من الدراسات المهمة نجد كتيب التفسيرات الآبائية Handbook of Patristic Exegesis، لتشارلز Kannengiesser, Charles، 2004. وفيه إشارة لكل التفسيرات الآبائية للكتاب المقدس.

من أهم مصادر التفاسير الآبائية هي سلسلة Ancient Christian Commentary on Scripture (التفسير المسيحي القديم للكتاب المقدس)، استخدمت التكنولوجيا الحديثة في جمع كل تفاسير الآباء لنصوص الكتاب المقدس، ثم تم تحريرها وجمعها وإضافة المقدمات والحواشي وخرجت في 29 مجلداً.

صدرت نسخة عربية موازية لتلك السلسلة وإن كانت ترجمت مباشرة من اللغات الأصلية وليس من الإنجليزية، أشرف على تحريرها الأب ميشال نجم، منشورات جامعة البلمند، 2004. للجزء الخاص بأناجيل، متى ولوقا ومرقس، وخرجت بعنوان: التفسير المسيحي القديم.

يعتمد أيضاً تفسير العهد القديم من الكتاب المقدس من تفسير وتأملات الآباء الأولين، لتادرس يعقوب ملطي، على عدد كبير من التفسيرات الآبائية وإن كان يضمها داخل التفسير بدون إشارة إلى مواضعها.

مقال منشور في العدد الثاني من المجلة       

الخطيئة الأصلية في فكر أوغسطين

ياسين اليحياوي 

1.   عقيدة الخطيئة الأصلية عند أوغسطين

يُعتبر «أوغسطين» (354-430م) أول من استخدم مُصطلح “الخطيئة الأصلية”[1] مُقدّماً تفسيراً مُتكاملاً لجوانبها العقدية، من خلال الاعتماد على رسائل بولس[2]. ورغم وجود مجموعة من التفسيرات المسيحية في بدايات القرون الأولى، كما هو الشأن بالنسبة لـ”إيريناوس” (130-200م) أسقف ليون[3]، إلا أن القبول وأخذ الشرعية من طرف الكنيسة كانا من نصيب «أوغسطين».

اعتمد «أوغسطين» كركيزة في تبني هذه العقيدة، على ما كتبه بولس في رسالته إلى أهل رومية[4]، وتحديداً نص الإصحاح الخامس:

“مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” [رومية 5: 12]

ويظهر هذا المفهوم في كتابات «أوغسطين» عند مُحاولته تفسير عدل الله مع وجود الشر في العالم، فقد أدت مُجادلاته ونزاعه مع التيار الغنوصي إلى رفض منه لأي تفسير للإصحاح الثالث من سفر التكوين يزعم أن الشر أتى من العالم المادي[5]، وسبب هذا الرفض يكمن بالأساس في تحول «أوغسطين» من مذهب المانوية «Manichéisme»[6] إلى الدين المسيحي[7]. فالمذهب المانوي يؤمن بأزلية الخير والشر كأصلين للوجود، وهو ما يصطدم مع كمال الله، مما دفع بـ«أوغسطين» إلى الاعتراض على القول بأزلية الشر، والاعتراض على أن يكون أصله من العالم[8]، ولم يجد لوجود الشر تفسيراً إلا القول بدخوله إلى العالم بسبب خطيئة آدم، فقد اعتقد بأن الخَلْق أمر جيد، أما الشر فهو نتيجة لما فعله آدم بسبب حُريته[9]. فاضطر بالتالي إلى تبني عقيدة الخطيئة الأصلية لإزالة التعارض الذي تصوره بين عدل الله ووجود الشر.

في مُحاولته للتأصيل لهذا المُعتقد وتفسيره تفسيراً وافياً صاغ «أوغسطين» مجموعة من المقدمات، أُجملها في النقاط التالية:

  • التهويل من خطيئة آدم، كبداية للتمهيد إلى العقوبة القاسية التي ألحقت به وبذريته، وهو ما جعل «أوغسطين» يعتبرها أصل كل الشرور، إذ يقول: “خطيئة آدم كانت كبراً، لأنه اختار أن يعيش محكوماً بسلطته بدل أن يعيش تحت سلطة الحكم الإلهي، وكانت كفراً لأنه لم يؤمن بالله، وكانت قتلاً، لأنها تسبّبت في دخول الموت إليه، وكانت زنىً معنوياً، لأن روح آدم النقية قد أنصتت للتملق المُغري للحية، وكانت سرقة، لأنه مس الطعام الذي مُنع من تناوله، وكانت طمعاً، لأنه طمع في أكثر مما كان يكفيه، مهما أمعنا في حقيقة أي خطيئة فسنجد لها حضوراً في الخطيئة الأولى”[10].
  • ترتب عن الخطيئة أثران أولهما الموتالدائم، وثانيهما سُلب من الإنسانالإرادة على إتيان الخير وصار حُراً في إتيان الشر[11]، يقول «أوغسطين» في هذا الصدد: “فلا يحظى بالحرية نحو عمل المعروف، حتى يتحرر من المُنكر”[12]، فبعد أن ورثت ذُرية آدم الخطيئة الأصلية، حُرموا أيضاً الحرية في إتيان الخير حرمان أبويهما، “فتلوث هذا الإنسان بالذنب، حتى أثقل بالإضافة إلى الخطيئة الأصلية بحمل خطايا أخرى أتاها بنفسه بفعل الخطيئة الأصلية”[13].
  • جميع ذرية آدم تلوثت بالخطيئة الأصلية، ويشرح «أوغسطين» هذا الانتقال بشهوة الجسد[14]، فبالنسبة إليه كل مولود هو حامل للخطيئة الأصلية لأنه نتج عن لقاء جنسي[15]، وهو ما شرحه «أوغسطين» قائلاً: “جميع البشر، الذين ولدوا من آدم وامرأته التي أوقعته في الخطيئة، والتي شاركته في نيل العقاب، جميعهم تلوثوا بالخطيئة الأصلية”[16]، ويقول أيضاً: “جميع الناس الذين وُلدوا من آدم مُذنبون”[17].
  • إشكالية العدل والرحمة كان لها أثر كبير في بلورة عقيدة الخطيئة الأصلية في فكر أوغسطين، فلا يُمكن للإله أن يرحم بني آدم لأنه عادل ولا يغير قوانينه المُحكمة، وقد سبق أن قدّر عقوبة الموتعلى الخطيئة الأصلية، فلو غفر الإلهبدون أن يوقع العقوبة لكان ذلك متنافياً مع عدله. ومع اتصاف الإله بالعدل فهو أيضاً يتصف بالرحمة، فاتخذ حيلة تتم بها رحمته ولا تتنافى مع عدله، بأن يتحمل ذنوب جميع البشر شخص معصوم من الخطيئة الأصلية، يُعاقب بالموت ثُم يُبعث، لتكون العقوبة كفّارة عن الجميع، فاختار الإله “ابنه” ليُخلص البشر ويُكفر عنهم خطيئتهم الأصلية، يقول «أوغسطين» في ذلك: “محبة الله لا تُطفئ نار المعصية، ومحبته تأتي عن طريق يسوع المسيح الذي هو وسيط وشفيع بين الله والإنسان، والذي أفنى نفسه ليمنحنا الحياة الأبدية”[18].
  • لا ينال الخلاصمن الخطيئة الأصليةإلا الذين يؤمنون بالمسيح، وعلامة هذا الإيمان تتجلى في أداء طقس المعمودية، والذي يتعمد تُغفر خطيئته الأصلية ويُمنح حرية الإرادة من جديد[19]، وتُغفر كل خطاياه السالفة قبل التعميد[20]، ليستقبل حياته، فإن أخطأ عُوقِب على أخطائه يوم الحساب[21]، ودعا «أوغسطين» إلى تعميد الأطفال منذ ولادتهم، ومن مات منهم ولم يُعمد فلن يتمتع برؤية ملكوت الإله[22].

وبهذه المقدمات يضع أوغسطين أسس عقيدة الخطيئة الأصلية وأساس الإيمان المسيحي، لتسير الكنيسة بعد ذلك خلف آرائه وتفسيراته، وسيتم الاقتصار على تمثلات كل من الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت لعقيدة الخطيئة الأصلية كما أصَّل لها أوغسطين.

2.   عقيدة الخطيئة الأصلية عند الفرق المسيحية

2.1. عند الكاثوليك

وضعتْ الكنيسة الكاثوليكية مذهبها في الخطيئة الأصلية وفقاً لما أقره «أوغسطين». فقد جاء في كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: “فَقَدَ آدم القداسة والعدالة التي مُنحتْ له من الله بسبب خطيئته، وشمل ذلك جميع ذريته، فبالخطيئة الأولى نقل آدم وحواء الطبيعة الآثمة إلى ذريتهما، فحُرم نسلهم أيضاً من القداسة والعدالة، ويُسمى هذا الحرمان الخطيئة الأصلية”[23]. وفي النتائج المُترتبة على الخطيئة يقول الكتاب: “ونتيجة للخطيئة الأصلية ضَعُفت الطبيعة البشرية، وصارت رهينة للجهل والمُعاناة وهيمنة الموت والميل إلى الخطيئة، التي تنتقل عن طريق الشهوة”[24].

ويعتقد الكاثوليك أن الخلاص لا يشمل جميع الذنوب[25]، إنما يشمل الخطيئة الأصلية، وهو نفس ما ذهب إليه «أوغسطين»، فمُهمة المسيح هي تخليص الإنسان من ثقل الخطيئة الأصلية فقط، فإذا ما أتى الإنسان ذنباً بعد التعميد ناله العقاب الذي تقتضيه نوعية الإثم، قد يصل إلى استحقاق العذاب الدائم إذا أتى بذنب يُخرج من الإيمان[26]. أما إن كان الذنب صغيراً، يدخل مُقترفه لوقت محدد في ذلك الجزء من جهنم الذي أُعِدَّ لتطهير المؤمنين من الذنوب ويُسمُّونه بالمُطهر (Purgatory) ، وبعد تطهرهم يدخلون الجنة[27]. جاء في التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية في حديثها عن المُطهر: “المُطهر هو حالة أولئك الذين يموتون في النعمة، ولكن لم يتم التأكد من خلاصهم الأبدي، إذ لا يزالون في حاجة إلى تطهير من أجل الحصول على نعيم الجنة”[28]، وفي الموسوعة الكاثوليكية الجديدة: “المُطهر وِفقاً لتعليم الكنيسة هو حالة أو مكان في العالم الآخر يستمر إلى يوم القيامة، توجد فيه أرواح أولئك الذين يموتون في حالة نعمة، ولكن لا يخلون من العيب والنقص (…) فيتم تنقيتها قبل الدخول للجنة”[29]، ودليلهم في تقرير هذا المُعتقد ما جاء في إنجيل مرقص:

“لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُمَلَّحُ بِنَارٍ وَكُلَّ ذَبِيحَةٍ تُمَلَّحُ بِمِلْحٍ” [مرقص 9: 49]

أما فيما يخص الأطفال، تذهب الكنيسة إلى ضرورة تعميدهم، حتى ولو لم يرتكبوا خطيئة شخصية[30]، فهم بموجب توارث الذنب، يحملون خطيئة أبيهم، ومن مات منهم ولم يُعمد فإنه لن يتمتع برؤية ملكوت الرب[31]، وتراجعت الكنيسة الكاثوليكية في القرون الماضية عن موقفها تُجاه من مات من الأطفال ولم يُعمد، وأرجأت أمرهم إلى رحمة الله، فقد ذكر رأس الكنيسة الكاثوليكية «بندكت السادس عشر» حال الأطفال الذين ماتوا من غير تعميد: “أما بالنسبة للأطفال الذي ماتوا من غير تعميد، فإن الكنيسة في طقسها الديني تعهد بهم إلى رحمة الله”[32]. أما مُهمة المسيح فتكمن في تخليص البشرية من شوائب الخطيئة الأصلية، ولا ينجو أحد بما في ذلك الأطفال، من عقاب الخطيئة الأصلية إلا بالتعميد.

2.2. عند الأرثوذكس

لا تختلف الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية  في تعريفها لعقيدة الخطيئة الأصلية عن الكنيسة الغربية الكاثوليكية إلا في بعض النقاط البسيطة، التي لا تؤثر على لازم العقيدة. ففيما تذهب الكنيسة الكاثوليكية إلى أن كل الجنس البشري مسؤول عن الخطيئة الأصلية، فإن الكنيسة الأرثوذكسية تقصر المسؤولية على آدم وحواء فقط، وعوض القول بأن كل البشرية تتحمل خطيئة آدم كما بيناه عند «أوغسطين»، فإن الأرثوذكس يذهبون إلى أن الإنسان لا يولد مذنباً. ويبقى ما ورثه الإنسان من خطأ آدم وحواء: فقدان القداسة[33] ودخول الموت إلى طبيعته[34]، عُمدتُهم في ذلك ما ذكره بولس في رسالته الأولى لكورنثوس إذ قال:

“فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ بِإِنْسَانٍ أَيْضاً قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ” [رسالة كورنثوس الأولى 15: 21]

وهكذا بدأ التحضير لتجسد ابن الإله -المسيح-[35] من أجل تصحيح الخطأ وتدمير عدو الإله وعدو الإنسان كما جاء في تتمة رسالة بولس:

“آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ” [رسالة كورنثوس الأولى 15: 21]

يوضح العالم الأرثوذكسي  «Meyendorff»العلاقة بين آدم والمسيح، بأنها لا ترتبط فقط بالخطيئة التي أتى بها آدم والمغفرة التي جاء بها المسيح، وإنما بالموت والحياة/ فحيث أن الموت دخل للبشر عن طريق آدم، فإن الحياة تُمنح لهم عن طريق المسيح[36]، كما جاء في الترنيمة الأرثوذكسية الشهيرة: “المسيح قام من الموت، وطئ الموت بالموت، والذين في القبور أنعم عليهم بالحياة”[37]، وكما يقول الأسقف الأرثوذكسي «Lossky»: “بنزوله إلى الجحيم وبقيامته، دمر الموت، الذي هو أجرة الخطيئة”[38].

وفيما يخص التعميد، تذهب الكنيسة الشرقية إلى أن الطقس بالنسبة للراشدين يُزيل كل الخطايا قبله[39]، واختلفت مع الكنيسة الكاثوليكية في معمودية الأطفال، إذ تعتقد أنهم يولدون بدون خطيئة، ولا تكمن مُهمة التعميد إلا في إعطائهم حياة أبدية جديدة مع آبائهم[40].

2.3. عند البروتستانت

وافق البروتستانت «protestants» على التفسير الذي أعطاه «أوغسطين» للخطيئة الأصلية، فقد جاء في كتاب “أصول التعليم المسيحي” لـ”مارثن لوثر” – مؤسس حركة الإصلاح البروتستانتي- أن الخطيئة الأصلية دخلت إلى البشر عن طريق آدم[41]، فأدت إلى الفساد الكلي للطبيعة البشرية[42]، وعند الحديث عن طبيعة الإنسان يقول: “إن الإنسان بطبيعته لا يخاف الله، ولا يحبه ولا يثق به، فهو ليس باراً بل يميل لعمل الشر”[43]، وهو نفس ما أشار إليه جون كالفين «Jean Calvin»، الذي أكد على الطبيعة الفاسدة للإنسان وحمله الخطيئة الأصلية منذ لحظة الولادة: “الخطيئة الأصلية انحراف وراثي وفساد لطبيعتنا انتشر في جميع أجزاء الروح، الأمر الذي يجعلنا عرضة لسخط الإله”[44]، وجاء في كتاب “اعترافات الكنيسة الإنجيلية اللوثرية”: “منذ سقوط آدم جميع الناس وُلدوا بالخطيئة، إذ أن جميعهم مُلئوا في أرحام أمهاتهم بالشر والميل إلى الشهوة، ولا يستطيعون بطبيعتهم الفاسدة أن يُحصِّلوا الخوف من الإله والإيمان به”[45]. من خلال هذه الاقتباسات يتبين أن العقيدة البروتستانتية تتوافق مع ما ذهب إليه «أوغسطين» من توارث للخطيئة وفقدان للكمال والقداسة، وعدم قدرة إرادة الإنسان على فعل الخير.

أما عن التعميد، فيستأنف الكتاب – اعترافات الكنيسة الإنجيلية اللوثرية – حديثه عن الخطيئة الأصلية مُشيراً إلى ضرورة التعميد، وأنه المُخلص من غضب الله الأزلي، إذ جاء فيه: “وعلاوة على ذلك فإن هذا المرض الوراثي والخطيئة الفطرية تؤديان إلى غضب الله الأزلي لجميع أولئك الذين لم يولدوا من جديد من خلال المعمودية والروح القدس”[46].

وفيما يتعلق بوسيلة الخلاص من الخطيئة فإن الكنيسة البروتستانتية تتوافق مع الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية في أن الخلاص لا يتحقق إلا بعد الإيمان بالمسيح والاعتراف بموته من أجل البشر، غير أن البروتستانت يجعلون الخلاص أشمل، إذ لا يقتصر فقط على الخطيئة الأصلية إنما يتعداه إلى سائر الخطايا الأخرى.

فإن كان مذهب «أوغسطين» ينص على أن التعميد والإيمان بالمسيح مُخلصاً يَجُبُّ الخطيئة الأصلية، ليستقبل المرء بعدها حياته مُتمتعاً بإرادته، مدفوعاً بضرورة العمل الصالح، فإذا أخطأ نال العقاب الذي تقتضيه نوعية الإثم، فإن البروتستانت ينصون على أن الخلاص لا يحصل إلا بالإيمان وحده[47]، يقول «J. Lindhardt»: “يكمن الخلاف بين لوثر والكنيسة الكاثوليكية في أن المذهب الروماني الكاثوليكي يرى أنَّ المرء يجب عليه أن يعمل الصالحات من أجل النجاة، في حين يكتفي لوثر بالإيمان فقط”[48]، وعُمدةُ البروتستانت في ذلك ما جاء في رسالة بولس إلى أهل أفسس:

“لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ”[49] [أفسس 2: 8-9]

وفي رسالته إلى رومية:

“إِذاً نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ” [رومية 3: 28]

فالعمل بالنسبة للوثر وأتباع كنيسته لا يُحقق الخلاص، ذلك أن “ذرية آدم لا تستطيع أن تخلص أمام الله بتقواها وورعها وأعمالها، إنما تُحقق الخلاص بالمسيح عندما تؤمن أنها تلقَّت الصلاح ومغفرة الخطايا بفضل المسيح، الذي بموته ارتحنا من خطايانا”[50].

فبعد هذا العرض لعقيدة الخطيئة الأصلية حسب الفرق المسيحية الثلاث، يتضح لنا وجود العديد من نقاط الاتفاق والاختلاف بينهم، ومن أجل الوقوف عليها بشكل أسهل، ضمَّنْتُها الجدول التالي:

الأرثوذكس الكاثوليك البروتستانت
الخطيئة الأصلية معصية آدم وحواء معصية آدم وحواء معصية آدم وحواء
ما ترتب على الخطيئة الأصلية الموت (فقط) الموتفساد الطبيعةعدم القدرة على فعل الخيرالميل إلى الشر الموتفساد الطبيعةعدم القدرة على فعل الخيرالميل إلى الشر
طريقة انتقال الخطيئة شهوة الجسد شهوة الجسد
الطريقة التي دبرها الإله من أجل التوفيق بين رحمته وعدله تجسد الابن تجسد الابن تجسد الابن
الإيمان بالمسيح شرط للخلاص شرط للخلاص شرط للخلاص
المعمودية دليل على قبول الخلاص دليل على قبول الخلاص دليل على قبول الخلاص
الإيمان والعمل ضروريان ضروريان الإيمان وحده يكفي لتحقيق الخلاص

3.    سبب الخلاف بين الفرق المسيحية

3.1.  بين الكاثوليك والأرثوذكس

العامل الأساس في الاختلاف بين الكاثوليك والأرثوذكس هو اختلاف تأويلهم للإصحاح الخامس من رسالة بولس لرومية، وتحديداً النص التالي:

“مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” [رومية 5: 12]

فقد ظهرت ترجمات مُختلفة للجزء الأخير من النص “إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ”. يشرح John Meyendorff»[51» كيف أن الكنيسة الغربية ذهبت إلى اعتماد الترجمة التي تُفيد وقوع الجميع في الخطأ، وهو نفس ما اعتمد عليه «أوغسطين» في تأصيله لعقيدة الخطيئة الأصلية وانتقال الخطيئة من آدم إلى ذريته، غير أن تلك الترجمة لا تُفيد المعنى الموجود في النص الأصلي، فالكلمات اليونانية الأخيرة من رومية 5: 12 «eph ho pantes hemarton» تُرجمت إلى اللاتينية بـ «in quo omnes peccaverunt» التي تُفيد انتقال الخطيئة إلى الجميع بسبب آدم، وتم اعتماد هذه الترجمة في الغرب مُستدلين بها على توارث الخطيئة من آدم إلى ذريته، غير أن هذا المعنى لا يُمكن استخلاصه من الأصل اليوناني، “فالتركيب «eph ho» الذي هو تغيير لـ «epi» عند اتصالها بالضمير «ho»، لا يُمكن ترجمته بما يُفيد أن الجميع أخطأ في آدم، وهذا تتفق عليه جل المدارس الحديثة بشتى خلفياتها”[52].

فنتج بالتالي عن سوء ترجمة النص المؤسِس؛ خلاف بين الكاثوليك والأرثوذكس عن النتائج التي ترتبت عنها الخطيئة الأصلية، إذ ذهب الكاثوليك بموجب الترجمة الخاطئة إلى أن ذرية آدم ورثت الخطيئة وفساد الطبيعة، أما الأرثوذكس ذهبت إلى كون الإنسان ورث الموت بسبب خطيئة آدم.

3.2.  بين الكاثوليك والبروتستانت

يرجع سبب الخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت إلى مجموعة من النصوص المُتعلقة بالإيمان والعمل[53]، ففيما يذهب الكاثوليك إلى ضرورة الإيمان والعمل من أجل نيل الخلاص، نجد أن البروتستانت يكتفون بالإيمان، مُهملين أثر أعمال البر في نيل الخلاص. ويصعب التوفيق بين النصوص التي يستدل بها الكاثوليك مع نظيرتها التي يستدل بها البروتستانت، إذا أن كل مجموعة من النصوص تذهب لوضع تصور خاص حول طريقة نيل الخلاص.

فنقرأ مثلا في رسالة يعقوب كدليل على ضرورة الإيمان والعمل:

“تَرَوْنَ إِذاً أَنَّهُ بِالأَعْمَالِ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ، لاَ بِالإِيمَانِ وَحْدَهُ” [يعقوب 2: 24]

أما الرأي الآخر الذي يذهب إلى أن الخلاص يُنال بالإيمان من غير عمل فيستدلون بما جاء في رسالة بولس لأفسس:

“لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ” [أفسس 2: 8-9]

فهذا الاختلاف بين النصوص -وغيرها كثير- انعكس على الفرق المسيحية، مما انعكس على نوع الخطيئة التي غُفرت بعد صلب المسيح، فجعلتها الكنيسة الكاثوليكية الخطيئة الأصلية وكل خطيئة فعلية قبل التعميد، بينما جعلها البروتستانت كل الخطايا ماضياً ومُستقبلا.

4.   خلاصة

بعد هذا العرض لمفهوم الخطيئة الأصلية عند أوغسطين وتمثلات الفرق المسيحية له، يُمكن وضع مجموعة من النتائج والاستنتاجات، يتجلى أهمها في الدور البارز الذي قام به» أوغسطين« في شرح الخطيئة الأًصلية كما تصورها بولس في رسائله. ورغم تأخره عن القرون الأولى للمسيحية، إلا أنه تفوق على أبرز علماء اللاهوت، كإيرناوس وغيره، مُجليَاً كل الغموض الذي اكتنف التفسيرات السابقة، ليُصبح ما ذهب إليه» أوغسطين« مُعتمَداً في اللاهوت المسيحي، ومُشكلا المذهب الرسمي للكنيسة الغربية، ومنه انتقل إلى الكنيسة الشرقية وإلى البروتستانت مع بعد الفروق الطفيفة. ورغم وجود بعض الاختلافات بين الفرق المسيحية حول نظرتها لعقيدة الخطيئة الأصلية، إلا أنهم مُتفقون على أن للخطيئة نتائج وخيمة انتقلت إلى البشر بسبب معصية آدم. ومن هذا المُشترك يبدأ التمهيد لعقيدة الخلاص وموت ابن الإله كتكفير عن الخطيئة الأصلية، حيث اعتبرت الكنيسة أن معصية آدم خطيئة مُوجهة لذات الله الغير محدود، فهي تتطلب جزاء غير محدود، وليس بإمكان آدم أو ذريته ولو ماتوا كلهم[54] أن يُعوضوا عن الإهانة التي ألحقتها الخطيئة بالله[55]، ولا يستطيع أي ابن آدم ما دام مُلطخاً بالخطيئة أن يُكفر عن الخطيئة. فكان بذلك أن كل بني آدم وبمقتضى عدل الله، مُستحقون للعقاب[56]. غير أن الكنيسة تعتقد أن الإله بالإضافة إلى اتصافه بالعدل، فهو أيضا مُتصف بالرحمة. وبمقتضى صفة الرحمة كان على الآب أن يغفر سيئات البشر، ولم تتوفر أي طريق للجمع بين صفتي العدل والرحمة إلا بتقديم كفّارة بين بني آدم والإله، كفّارة تتميز بالقداسة والكمال التي تُخول له محْوَ الخطيئة المُتوارثة اللامحدودة. وليس يوجد كائن بهذه الصفات إلا الإله نفسه، وهكذا أتم الإله مُخططه فأنزل ابنه من السماء ليُسفك دمه ويموت على الصليب من أجل خطايا الناس، لأنه الوحيد القادر على القيام بهذا العمل[57]، فكانت مُهمة المسيح، التي اتفق عليها الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس، أنه جاء ليَمْحُو الخطيئة الأصلية عن عاتق البشر ويُحرِّرَهم من آثارها، وبهذه التأويل تم فهم طبيعة المسيح ومهمته.

 مقال منشور في العدد الثاني من مجلة الدراسات الدينية


الهوامش: 

[1]– ويذهب محمد تقي العثماني إلى أن أوغسطين هو الوحيد الذي استوعب خلفيات الكفارة بصورة أوضح، يُنظر: محمد تقي العثماني، ما هي النصرانية؟، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، 1982، ص.77.

[2]– Peter Byrne, James Leslie Houlden, Companion encyclopedia of theology, Routledge, London , 2003, p.63; Britannica Concise Encyclopedia, p.1417.

[3]

[4]– Daniel L. Akin, A Theology for the Church, B&H Publishing Group, USA, 2007, p.435.

[5]– Thomas Dalzell, Towards a Psychoanalytic Theology of Original Sin, Irish Theological Quarterly, vol.71, February 2006, pp. 89–112, p.90.

[6]– المانوية «Manichéisme» ديانة غنوصية تُنسب إلى مؤسسها “ماني” الذي عاش في القرن 3 ميلادي، وهي ديانة تأثرت بالمسيحية واليهودية والزرادشتية والبوذية. وكما في كل الحركات الغنوصية، تعتقد المانوية أن المعرفة هي التي تقود إلى الخلاص، ويتحقق ذلك من خلال انتصار النور الخيِّر على الظلام الخبيث، وهي دين مُتشبع بالنظرة التشاؤمية التي تُظهر العالم تحت سيطرة قوى الشر. (يُنظر: Gherardo gnoli, J. G. Daves، ماني والمانوية، تحرير: فراس السواح، موسوعة تاريخ الأديان، دار علاء الدين، دمشق، ط.1، 2005، ج.5، ص ص.59-66). وأطلقت المانوية فيما بعد على كل تصور فلسفي يقول بمبدئين كونيين أزليين، مبدأ الخير ومبدأ الشر. (يُنظر: أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، ص.764). ثُم عُوض هذا المُصطلح في الدراسات الحديثة بمُصطلح الثنوية «Dualisme»، وأول ظهور لمصطلح الثنوية كان على يد “توماس هيد”، استعمله للدلالة على العقيدة الدينية التي تؤمن إلى جانب إله الخير، بإله الشر المُلازم له أزلياًّ. وظل هذا المُصطلح سائداً في مجال الدراسات الدينية، للإشارة إلى المُعتقدات والأساطير التي ترى للكون أصلين للوجود، الخير والشر، الذكر والأنثى، النور والظلام، إلى غيرها من الثنائيات.

[7]– علي زيعور، أوغسطينوس مع مقدمات في العقيدة المسيحية والفلسفة الوسيطية، دار إقرأ، بيروت، ط.1، 1983، ص.125.

[8]– نفسه، ص.175.

[9]– Thomas Dalzel, op. cit, p.90.

[10]– Saint Augustine, The Enchiridion on Faith, Hope and Love, Regnery Gateway, USA, 1996, p.55.

[11]– Thomas Dalzell, op. cit., p.90

[12]– نقلا عن: محمد تقي العثماني، ماهي النصرانية؟، ص.80.

[13]– المرجع السابق، ص.83.

[14]– مجموعة من اللاهوتيين، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، ط.1، 2001، ص.749.

[15]– Marc Girard, Les symboles dans la Bible: essai de théologie biblique enracinée dans l’expérience humaine universelle, Les Editions Fides, paris, 1991, p.600.

[16]– Saint Augustine, op. cit., p.32.

[17]– Ibid, p.60.

[18]– نقلا عن: ساجد مير، المسيحية النصرانية دراسة وتحليل، دار السلام، الرياض، ط.1، 2002.ص.139.

[19]– Saint Augustine, op. cit., p.60.

[20]– Ibid, p.61.

[21]– Ibid, p.77.

[22]– K. Flinn, J. Gordon, Encyclopedia of Catholicism, Infobase Publishing, New York, 2007, p.75.

[23]– Burns & Oates, Catechism of the Catholic Church, Continuum International Publishing Group, London, 2000, p.93.

[24]– Ibid, p.93.

[25]– وكوسيلة للخلاص من عذاب المطهر ظهرت عند الكاثوليك بدعة صكوك الغفران التي أقرت في المجمع الثاني عشر المنعقد في روما سنة 1215م ، وقرر فيه المجتمعون أن الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء.

[26]– نقلا عن: محمد تقي العثماني، ما هي النصرانية؟، ص.85.

[27]– المرجع السابق، ص.86.

[28]– Jean Honoré, pape Benoît XVI, Catéchisme de l’Eglise catholique: abrégé, Editions Saint-Augustin, Paris, 2005, p.94.

[29]– Catholic University of America, New Catholic Encyclopedia, Thomson/Gale, Washington, ed.2, 2003, V.11, p. 824.

[30]– Burns & Oates, Catechism of the Catholic Church, p.91.

[31]– نقلا عن: محمد تقي العثماني، ما هي النصرانية؟، ص.86.

[32]– Jean Honoré, pape Benoît XVI, Catéchisme de l’Eglise catholique: abrégé, p.118.

[33]– S. Boulgakov, Le dogme eucharistique, Rédacteur : C. Androuikof, La Pensée Orthodoxe, L’AGE D’HOMME, 1987, p.81.

[34]– Macaire, Théologie dogmatique orthodox, J. Cherbuliez, Parie, 1860, V.2, p.624.

[35]– يُنظر رسالة كورنثوس الأولى 15/22: “لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ هَكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ”

[36]– John Meyendorff, Byzantine theology: historical trends and doctrinal themes, Fordham Univ Press, USA, 1987, p.146

[37]– Carl S. Tyneh, Orthodox Christianity, Nova Publishers, New York, 2003, p.129.

[38]– Nicolas Lossky, Lancelot Andrewes théologien anglican, Rédacteur : C. Androuikof, La Pensée Orthodoxe, p.81.

[39]– Macaire, Théologie dogmatique orthodox, V.2, p.303.

[40]– John Meyendorff, Byzantine theology: historical trends and doctrinal themes, p.146

[41]– مارتن لوثر، أصول التعليم المسيحي، المركز اللوثري للخدمات الدينية في الشرق الأوسط، بيروت، 1983، ص.82.

[42]– نفسه، ص.83.

[43]– نفسه، ص.83.

[44]– Jean Calvin, Institutes of the Christian religion, Westminster John Knox Press, USA, 1973, V.1, p.251.

[45]– T. Gerhardt Tappert, The Book of Concord: the confessions of the Evangelical Lutheran Church, Fortress Press, USA, 1959, p.29.

[46]– T. Gerhardt Tappert, The Book of Concord: the confessions of the Evangelical Lutheran Church, p.29.

[47]– مارتن لوثر، أصول التعليم المسيحي، ص.7؛ فايز فارس، أضواء على الإصلاح الإنجيلي، دار الثقافة المسيحية، القاهرة، 1984، ص.29؛

Keith Ward, Re-thinking Christianity, Oneworld Publications, London, 2007, p.107.

[48]– Jan Lindhardt, Martin Luther: knowledge and mediation in the renaissance, Edwin Mellen Press, New York, 1986, p.114.

[49]– أفسس 2: 8-9

[50]– T. Gerhardt Tappert, The Book of Concord: the confessions of the Evangelical Lutheran Church, p.30.

[51]– John Meyendorff, Byzantine theology: historical trends and doctrinal themes, p.144.

[52]– Ibid, p.144.

[53]– Jan Lindhardt, Martin Luther: knowledge and mediation in the renaissance, p.114.

[54]– يقول بولس في رسالته إلى العبرانيين: “وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيباً يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ” [رسالة العبرانيين 9: 22]

[55]– باعتبار الحياة أقصى ما يستطيع المرء تقديمه من أجل التكفير عن خطيئته، يُضاف إلى ذلك أن الموت هو العقاب الذي استحقه آدم وذريته بعد الخطيئة الأولى، فلا يقبل الفكر المسيحي أن يكون العقاب سبباً في الخلاص.

[56]– “لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ” [رومية 6: 22-23]

[57]– Burns & Oates, Catechism of the Catholic Church, Continuum International Publishing Group, London, 2000, p.136.

المراجع:

Burns & Oates, Catechism of the Catholic Church, Continuum International Publishing Group, London, 2000.

Carl S. Tyneh, Orthodox Christianity, Nova Publishers, New York, 2003.

Catholic University of America, New Catholic Encyclopedia, Thomson/Gale, Washington, ed.2, 2003.

Daniel L. Akin, A Theology for the Church, B&H Publishing Group, USA, 2007.

Jan Lindhardt, Martin Luther: knowledge and mediation in the renaissance, Edwin Mellen Press, New York, 1986.

Jean Calvin, Institutes of the Christian religion, Westminster John Knox Press, USA, 1973.

Jean Honoré, pape Benoît XVI, Catéchisme de l’Eglise catholique: abrégé, Editions Saint-Augustin, Paris, 2005.

John Meyendorff, Byzantine theology: historical trends and doctrinal themes, Fordham Univ Press, USA, 1987.

  1. Flinn, J. Gordon, Encyclopedia of Catholicism, Infobase Publishing, New York, 2007.

Keith Ward, Re-thinking Christianity, Oneworld Publications, London, 2007.

Macaire, Théologie dogmatique orthodox, J. Cherbuliez, Parie, 1860.

Marc Girard, Les symboles dans la Bible: essai de théologie biblique enracinée dans l’expérience humaine universelle, Les Editions Fides, paris, 1991.

Peter Byrne, James Leslie Houlden, Companion encyclopedia of theology, Routledge, London , 2003.

  1. Androuikof, La Pensée Orthodoxe, L’AGE D’HOMME, 1987.

Saint Augustine, The Enchiridion on Faith, Hope and Love, Regnery Gateway, USA, 1996.

  1. Gerhardt Tappert, The Book of Concord: the confessions of the Evangelical Lutheran Church, Fortress Press, USA, 1959.

Thomas Dalzell, Towards a Psychoanalytic Theology of Original Sin, Irish Theological Quarterly, vol.71, February 2006.

زيعور علي، أوغسطينوس مع مقدمات في العقيدة المسيحية والفلسفة الوسيطية، دار إقرأ، بيروت، ط.1، 1983.

فارس فايز، أضواء على الإصلاح الإنجيلي، دار الثقافة المسيحية، القاهرة، 1984.

لوثر مارتن، أصول التعليم المسيحي، المركز اللوثري للخدمات الدينية في الشرق الأوسط، بيروت، 1983.

مجموعة من اللاهوتيين، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، ط.1، 2001.

مير ساجد، المسيحية النصرانية دراسة وتحليل، دار السلام، الرياض، ط.1، 2002.

جوناثان براون Jonathan AC Brown

 

اعداد: هبة حداد 

نبذة عن عمله الأكاديميي:

جوناثان أي. سي. براون، حاصل على الدكتواره من جامعة شيكاغو بولاية إلينوز في تخصص “الفكر الإسلامي” بقسم لغات الشرق الأوسط وحضاراته، وحاصل على البكالوريوس في تاريخ التقارب الإسلامي – المسيحي من جامعة جورج تاون بالعاصمة الأمريكية واشنطن. كما درس اللغة العربية لعام كامل من الفترة يونيو 2000 إلى يونيو 2001 بالقاهرة في مركز دراسة اللغة العربية لغير الناطقين بالعربية (CASA)،  ويعمل حالياً كأستاذ مساعد للدراسات الإسلامية بمركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم المسيحي-الإسلامي بجامعة جورج تاون بالولايات المتحدة الأمريكية. كما شغل مناصب عدة ،  كرئيس تحرير “موسوعة القانون الإسلامي” التابعة لجامعة أكسفورد،  و محرر استشاري بـ “مرجعية الدراسات الإسلامية على شبكة المعلومات” التابعة لجامعة أكسفورد،  ومحرر استشاري “لموسوعة العالم الإسلامي ” التابعة لجامعة أكسفورد.

مؤلفاته وإسهاماته في علوم الحديث الشريف:

وله عدة مؤلفات من أهمها وأحدثها كتاب ” النقل الخاطئ عن محمد: تحديات و خيارات تفسير التراث النبوي” والذي صدر عن دار نشر  Oneworld عام 2014. وصدر له عن جامعة أكسفورد كتاب “محمد: مقدمة قصيرة جداً” عام 2011.  كما له كتاب “الحديث : تراث محمد خلال العصور الوسطى و الحديثة” والذي صدر أيضاً عن جامعة أكسفورد عام 2009. وأخيراً أول كتبه الصادر عن ليدن-بريل عام 2007 “التشريع بالحديث النبوي وفقًا للبخاري و مسلم“.

كما نُشر له عدة أوراق بحثية مهمة مثل “تشريع ابن ماجة: الموثوقية مقابل الاستفادة من السنة المشرفة” ،  مجلة ” كتابة التاريخ والتشريع في العالم الإسلامي في القرون الأولى للإسلام”،  2011. وبحث “هل الشيطان يكمن في التفاصيل؟ النزاع بين شمولية التشريع و بساطته“،  مجلة “القيم الدينية”،  2011،  وكذلك بحث “هل قالها الرسول أم لم يقُلْها؟ الحقيقة الحرفية والتاريخية والأكيدة بالأحاديث النبوية الشريفة“،  مجلة الجمعية الأمريكية الشرقية،  2009. كما نشر بمجلة العالم الإسلامي عام 2006 ورقته البحثية الماتعة “الأيام الأخيرة من حياة الإمام الغزالي و الشعبة الثلاثية بالعالم الصوفي: رسالة أبو حامد الغزالي إلى الوزير السلجوقي و التعليق عليها” وبحث “انتقادات التشريع بالنصوص الأولية للحديث الشريف: تعديلات الدارقطني لصحيحي البخاري و مسلم” ،  بمجلة جامعة أكسفورد للدراسات الإسلامية ، 2004.

فلسفته و آراؤه السياسية والاجتماعية:

وفي حديث أجراه لموقع “آخر الرسل The Last Prophetتكلم البروفيسور براون عن نشأته الأولى حيث ذكر تربيته وفقاً لتعاليم الكنيسة الأنجليكانية ( كنيسة إنجلترا في أمريكا) ،  إلا أن عائلته لم تكن متدينة ولذلك فلم ينشأ ملتزماً بأي من التعاليم المسيحية.

و أردف “لقد آمنت دوماً بوجود الرب،  فحينما كنت بالجامعة وأثناء سنتي الأولى بجامعة جورج تاون،  درست صفاً عن الإسلام و كان المحُاضر وقتها سيدة،  ولقد أثر في ما كانت تشرحه لنا بشكل كبير،  وأدركت أن ما تقوم بتدريسه تلك المُحاضرة ما هو إلا أمورٌ قد آمنت بها طيلة حياتي،  عن الله ،  وفلسفة سببية الكون ،  وفكرة أن العقل والدين من المفترض أن يكونا متوافقين. فالدين من شأنه أن يعزز حياتك لا أن يجعلها أكثر شقاءً”. و أضاف ” وبعد ذلك الفصل الدراسي قضيت وقتاً طويلا في صيف 1997 بقراءة الكتب عن الإسلام كما جُبْتُ أرجاء مختلفة من أوروبا والمغرب،  وعندما عدت للسنة الدراسية التالية أعلنت إسلامي”.

وعن أكثر شيء تأثر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال دراسته للدين الإسلامي والأحاديث النبوية الشريفة على وجه الخصوص ،  أجاب بروفيسور براون “على الأرجح لأنه كان رجلا فاضلا في كل مواقفه،  وهو أمر ملهم للغاية” ،  وأضاف ” فمفهوم القدوة الدينية التي لدينا بأمريكا كان دوماً على منوال محدد ،  على سبيل المثال نجد بالنصوص المسيحية “يسوع” دائماً ما يكون لطيفاً ومتسامحاً،  لكن هناك بعض المواقف التي لا تتطلب منك أن تكون متسامحاً طوال الوقت،  فبعض المواقف تتطلب منك أن تكون ليناً  وأخرى تتطلب منك أن تكون حازماً،  أو صبوراً ،  أو التصرف على وجه السرعة ،  فلا توجد وتيرة واحدة تخبرك كيف تتعامل مع كل المواقف التي تقابلها في حياتك،  ولقد كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ملهماً في كل مواقفه المختلفة وهنا تكمن أهميته كقدوة لأصحابه والتابعين”.

وعن رأيه عن السبب الذي يجعل من شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم مستهدفة للنقد اللاذع من قبل بعض الناس بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية،  أجاب بروفيسور بروان ” أولا وقبل كل شيء بسبب الجهل. فمعظم الناس لا يعرفون شيئاً عن الإسلام أو النبي ،  ويسمعون أن المسلمين إرهابيون وأن الإسلام دين عنيف، بالتالي فشخصية النبي لديهم تمثل مصدراً أو رمزاً لذلك العنف،  وهذا هو السبب الرئيسي. وهناك أيضاً الكثير من الأسباب السياسية،  فالصراع الدائر بين المسلمين والدول الغربية بسبب أن الأخيرة اعتادت أن تغزو وتحتل بلاد المسلمين ،  مما خلف الكثير من التعقيدات النفسية والأيدولوجية بين الطرفين. فالغرب يصف المسلمين بالعنف لأنهم يقاومون هجمات غزوات الغرب على بلادهم! مما خلف تاريخاً طويلا من الصراع بين الدول الغربية والدول الإسلامية، ولكن هذا النوع من تصوير النبي اليوم، والذي  يبرز تلك الكراهية والحقد بشكل جلي، لا يمكن تفسيرها إلا على أنها نتاج للصراع السياسي حيث تقوم بعض الأطراف بتزكيته بشكل مدروس”.

وعن سؤاله عن موقف وسائل الإعلام من المسلمين بالولايات المتحدة الأمريكية على ضوء ما يواجهه المسلمون من صعوبات بأوروبا،  أجاب بروفيسور براونإن حقوق الحرية الدينية في الولايات المتحدة قوية للغاية،  إذ يقوم الدستور الأمريكي بحماية الممارسات الدينية على اختلافها. فمن السهل جداً للمسلمين ترك أعمالهم للصلاة. ويسمح لك دستورياً بالقيام بذلك. إذا رغبت سيدة في ارتداء الحجاب ولم يرق لصاحب العمل ذلك، فيمكنها رفع دعوى عليه لذلك. ومع ذلك، بسبب المخاوف من الإرهاب تعرض المسلمون لكثير من التوقيفات والتحقيقات من قبل الحكومة من دون سبب حقيقي،  وافتراض أنه لمجرد كون المرء مسلماً فهو يمثل خطراً على الأمن القومي ويوصف بالراديكالية نظراً لعدم اتفاقه مع السياسة الخارجية الأمريكية،  بالرغم من كونه حقاً يكفله الدستور الأمريكي،  فكثير من الأمريكيين لا يوافقون على السياسة الخارجية. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تم التصديق على قانون الأمن الوطني الذي يخول للحكومة حرية أكبر في مقاضاة الناس على أساس الأمن القومي والتنصت دون إذن أو أمر من وزارة العدل،  واعتقال العديد من القيادات المسلمة وتعذيبهم كما يحدث بمعتقل خليج غوانتانامو.

وعن رأيه عن جدوى قيام الخلافة الإسلامية،  أجاب البروفيسور براونهذا يبدو منطقياً،  إذ يتقاسم المسلمون قضايا سياسية تهمهم جميعاً على اختلاف بلدانهم،  وكذلك أنماط حياتهم،  لذا يتوجب عليهم أن يشكلوا قوة ضاغطة،  فعلى سبيل المثال حينما تقوم بلد مثل فرنسا بمنع النساء من ارتداء حجابهن في المصالح العامة فعلى المسلمين أن يتوحدوا للمقاطعة أو الإدلاء ببيان تنديدي. فأنا كأمريكي لا يمكنني الموافقة على منع أحدهم من ممارسة طقوسه الدينية،  كما لا أعتقد أن أي أمريكي قد يوافق على ذلك،  إذ ينبغي السماح للجميع بممارسة شعائرهم الدينية بحرية. لذلك فتوحد المسلمين سيجعل لهم تأثيراً سياسياً أكثر قوة في مجال السياسة الخارجية،  فعلى سبيل المثال إذا أرادت إحدى القوى الغربية احتلال أحد بلاد المسلمين لن تجد بلداً مسلماً يدعم قرارها و لن يُسمح لها باستخدام مجاليها الجوي أو البري.

مناقشة كتابه “النقل الخاطئ عن محمد”

ويعتبر كتابه ” النقل الخاطئ عن محمد: تحديات و خيارات تفسير التراث النبوي” على رأس قائمة الكتب الدينية لعام 2014 كما صنفته جريدة “الإندبيندينت” البريطانية. فالكتاب يأخذ القارئ للأيام الأولى من الحضارة الإسلامية ويكشف له كيف ولِمَ نشأ كل هذا الجدل حول الأحاديث النبوية، موفراً وجهة نظر عن كثب عن آليات ذلك الجدل الدائر بأحد أهم فروع التشريع بالإسلام.

Jonathan A. C. Brown, Misquoting Muhammad. source: http://www.washingtonpost.com

فمن أحداث الربيع العربي عروجاً على مكانة اسطنبول من الإمبراطورية العثمانية،  وجدران مساجد دلهي المكسوة بالحُمرة المذهبة مروراً بطرق التجارة بالعالم الإسلامي القديم عبر المحيط الهندي ،  حدد كتاب “”النقل الخاطئ عن محمد : تحديات وخيارات تفسير التراث النبوي” كيف وازن علماء المسلمين الأوائل بين العقل والوحي،  وإعلاء شأن العلم والدين،  والجدال حول الحقائق الأصيلة بالكتاب المقدس وسط عوالم تموج بالتحولات القيمية.

ففي المقال الذي نشرته لمناقشة ذلك الكتاب للبروفيسور براون،  ذكرت صحيفة ” الإندبيندينت”  أنه ربما يكون الكتاب الديني الوحيد الذي يجمع بين ذكر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والمخرج الإيطالي-الأمريكي مارتن سكورسيز سوياً. إذ يدور كتاب براون حول سرد التاريخ والتأويلات المتعددة،  وجعل الموروثات مفهومة،  حيث يعتقد براون وجود قواسم مشتركة بين التقاليد الدينية وأفلام هوليود ،  فكلاهما يريدان أن ينقلا قصصاً معينة إلى الجمهور،  وإقناعهم بحقائق غيبية.

ويبدو من النظرة الأولى أن براون قد استلهم فكرة كتابه من الكتاب ذائع الصيت “النقل الخاطئ عن المسيح” لأستاذ العهد الجديد والمسيحية المبكرة “بارت إيرمان”، إلا أن براون نفى ذلك في فاتحة كتابه قائلاً أنه على الرغم من قراءته واستفادته من كتب إيرمان السابقة إلا أنه – في الحقيقة – لم يطلع على هذا الكتاب بالذات، وأن الناشر هو من اقترح هذا العنوان. بالنسبة لبراون، العنوان الأصلي للكتاب هو العنوان الفرعي: “تحديات و خيارات تفسير التراث النبوي” . ويوضح براون تركيزه في هذا الكتاب بشكل مكثف على التحديات التي واجهت تفسير الحديث النبوي الشريف عوضاً عن الكشف عن أية أصول إسلامية للنص الشريف،  فيستكشف التاريخ التفسيري الغني في الإسلام بالرغم من محاولات الطعن في صحته.

فقد يتعجب قارئ هذا الكتاب حين يرى أنه على غرار الشريعة التوراتية المتغيرة،  فأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم والتي تمثل تراثاً تشريعياً لطالما كانت محل التدقيق والجدل،  بينما ظل النص القرآني الكريم . ومرجع هذا يعود جزئياً لنسبة العديد من آراء صحابته صلى الله عليه وسلم إليه إما عمداً أو عن طريق الخطأ.  وبالرغم من قدسية النص الشريف وحرص أجيال علماء المسلمين على تناقله،  إلا أن وجود اختلافات بنصوص مختلفة من الحديث الشريف جعل بعضها يُصنَّف بالأحاديث “الضعيفة” و”الموضوعة” من قبل علماء المسلمين أنفسهم. لذا فالمهتمون بالأحاديث النبوية الشريفة الذين طالما استوقفتهم تلك الإسقاطات التاريخية بصحتها بشكل مجحف،  قد يجدون في تحليل براون لتلك الأحاديث ما يثير اهتمامهم.

وحيث يخوض براون في كتابه بالقارئ ذهاباً وإياباً مع مجموعة كبيرة من المراجع الإسلامية استطاع إثبات كيفية تمكن علماء الحديث الشريف من الموازنة بين صحة الأحاديث المشرفة مع واقع حياة الناس. فقدرته على إدراج عناوين قوية لفصول ذلك الكتاب مثل “متى لا يكون النص الشريف صحيحاً” ،  أو “الكذب على رسول الله“،  لمناقشة تلك الأحاديث النبوية المتواترة وما اتبع من أسلوب مثير لتحليل مواضيع شائكة مثل العلاقة بين “القرآن والعنف الأسري” ،  أو “من يقرر المراد من كلمات الله تعالى” نقلت كتابه “النقل الخاطئ عن محمد” إلى مستوى آخر مختلف عن ماهو متعارف كلاسيكياً عن تفسيرات الأحاديث النبوية الشريفة.  وربما أكثر العناوين التي تناولها براون في كتابه إثارةً للجدل هي “مضاجعة القاصرات” ،  مشيراً بذلك إلى زواج الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في سن الخمسين من السيدة عائشة وهي في سن العاشرة. كما تناول أيضاً مواضيع الظلم بين الجنسين مثل جرائم الشرف، والآية المفسرة لضرب الزوجة حال النشوز ومختلف مواقف السلطة الدينية الرسمية تجاه حرية المرأة بالوقت الحاضر.

وفي سؤال وجه إليه خلال مقابلة أجراها لحساب موقع “جدلية- Jadaliyya”  عن رؤيته الخاصة حيال تأثير كتابه “النقل الخاطئ عن محمد” على المناقشات الراهنة بين جمهور الإسلاميين،  أعرب عن أمله أن يجد القراء المهتمين بالتاريخ الفكري الإسلامي أثناء قراءتهم كتابه دراسة موضوعية للحديث الشريف وتفسيراً أكثر عمقاً،  فالكتاب مثالي لأولئك الذين يتصفحون المناقشات العلمية ويريدون الغوص عميقاً في ماهية هذا الجدل الدائر حول دقة وأصالة الأحاديث النبوية الشريفة. كما أضاف “للكتاب أهمية لأولئك المهتمين بدراسة اللاهوت و التوراة،  لأنه يضع التفسيرات الكلاسيكية للنصوص الإسلامية قيد المقارنة”.

وأخيراً،  فكتاب “النقل الخاطئ عن محمد” لـ جوناثان براون يعتبر من أحد أهم الإسهامات في الدراسات الإسلامية التي صدرت مؤخراً،  لاحتوائه على بحث جهيد في كل من النصوص الأصلية للأحاديث النبوية الشريفة،  والقانون الإسلامية و الصوفية واعتماده على مخطوطات نادرة ومصادر ذات أهمية بالغة في الفكر الإسلامي.

مقال منشور في العدد الثاني من المجلة

صدور العدد الثاني من “مجلة الدراسات الدينية” لشهر جمادى الآخرة 1436هـ / أبريل 2015

غلاف العدد الثاني من مجلة الدراسات الدينية جمادى الآخرة 1436 / أبريل 2015م

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بعد جهد يزيد عن ثلاثة أشهر من الإعداد والمراجعة، يسرنا أن نقدم للقراء الأفاضل العدد الثاني من مجلة الدراسات الدينية لشهر أبريل 2015م /جمادى الآخرة 1436هـ.

في هذا العدد: 

  • افتتاحية العدد – المشرف العام
  •  شخصية العدد: د. جوناثان براون
  •  الخطيئة الأصلية في فكر أوغسطين وتمثُلاتها عند الفرق المسيحية (الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت) – ياسين اليحياوي
  •  التقليد وتاريخ النص المقدس: نظرة نقدية – أيمن تركي
  •  ببليوغرافيا لدراسة الآبائيات (الباترولوجي) – هيثم سمير
  •  طقس الهيلولة في الممارسة الدينية اليهودية: يهود المغرب إنموذجا – عبد المنعم ايت المسعود
  •  المرأة اليهودية في التوراة والتلمود – جمال صوالحين
  •  عقود آثرية لاتفاق ما قبل الزواج في التلمود – هبة حداد
  •  لقاء مجلة الدراسات الدينية مع أ. د. إياد سالم السامرائي

لتحميل العدد بجودة عالية: اضغط هنا 

لتحميل العدد بجودة منخفضة: أضغط هنا

نتمنى لكم قراءة ممتعة ومفيدة. 


لإرسال مشاركاتكم وتعليقاتكم يُرجى التواصل على البريد الإلكتروني:  jrs_mag@yahoo.com 

موقع المجلة: www.religmag.wordpress

صفحة فيس بوك: www.facebook.com/jrsmag

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 35 متابعون آخرين