المسار التاريخي لتأليه المسيح: قراءة في كتاب بارت إيرمان كيف أصبح يسوع إلها How Jesus Became God

ياسين اليحياوي[1]

كيف أصبح يسوع (عيسى) إلها، تمجيد واعظ يهودي من الجليل[2]، How Jesus Became God: The Exaltation of a Jewish Preacher from Galilee هو عنوان الكتاب الأخير للباحث الأمريكي بارت إيرمان Bart D. Ehrman، المُتخصص في الدراسات حول تاريخ المسيحية المبكرة والنقد النصي للعهد الجديد، وأستاذ الدراسات الدينية بجامعة تشابل هيل بكارولاينا الشمالية. صدر الكتاب في الخامس والعشرين من مارس 2014، ويقع في 416 صفحة للنسخة الورقية، و307 صفحة للنسخة الإلكترونية[3]. واستطاع دخول لائحة أكثر الكُتب مبيعا لشهر أبريل لمجلة نيويورك تايمز[4]، كما أثار جدلا واسعا داخل أوساط المُحافظين، فاقت الضجة التي صاحبتْ كتاب رضى أسلان[5]  Reza Aslan، ولا أدل على ذلك من إصدار كتاب في الأسبوع نفسه لصدور كتاب بارت إيرمان، يحمل عنوان: “كيف تحول الإله إلى يسوع: الأصول الحقيقة للإيمان بالطبيعة الإلهية ليسوع، ردا على بارت إيرمان”[6]، بالإضافة إلى مجموعة من المُناظرات والمُراجعات المبثوثة على القنوات والمواقع الأمريكية.

تتمحور فكرة الكتاب الرئيسية في التتبع التاريخي لصورة يسوع من القرن الأول إلى القرن الرابع الميلادي وتحديداً سنة 325م وهي السنة التي تم فيها عقد مجمع نيقية لإرساء أسس العقائد المسيحية الرسمية بما فيها صورة وطبيعة المسيح، وكيف استطاع نبي من الجليل ذو خلفية يهودية حُكم عليه بالموت من طرف الامبراطورية الرومانية أن يتحول من إنسان إلى ابن الله مُساو للآب في الجوهر، يستكشف بارت إيرمان المُتخيل الذي رسمته الجماعات المسيحية الأولى عن يسوع بعد حادثة الصلب، وقصصهم عن القيامة من الموت، وهي الروايات التي تم تأويلها لاحقاً إلى أن صارت دليلا على ألوهيته.

إن الإطار النظري الذي ينطلق منه بارت إيرمان في كتابه الأخير، وفي مُجمل أطروحاته، يعتمد بالأساس على مجموعة من الفرضيات الحديثة التي وسمتْ البحث الأكاديمي الغربي حول تاريخ المسيحية المُكبرة، وتحديداً الجدل حول إشكاليتين كبيرتين كان لهما الأثر البالغ في توجيه البحوث الحديثة، وهما: إشكالية ثنائية أرثوذكسية/هرطقة وإشكالية المسيح التاريخي. فبخصوص الأولى كانت نظرية والتر بور Walter Bauer التي عرضها في كتابه الأرثوذكسية والهرطقة في المسيحية المبكرة Orthodoxy and Heresy in Earliest Christianity سنة 1934م، بمثابة نقلة ثورية تم فيها إعادة النظر حول الصورة الرسمية التي روجتها الكنيسة طيلة قرون من الزمن، مُدافعة فيها عن أصالة تعاليمها ومعتقداتها بإرجاعها تاريخيا إلى الرسل أنفسهم الذي عاشوا مع يسوع، وأن عقائد الهراطقة هي زيغ بعض المسيحيين عن التعاليم الصحيحة، غير أن أطروحة والتر بور أثبتتْ العكس؛ مؤكدة أن بعض التعاليم التي وُصفتْ بالهرطقة كانت هي الشكل الأقدم والأكثر أصالة للمسيحية، وفسر بور نجاح الأرثوذكسية بتفوق أتباعها وتمكنهم من الوصول إلى الحُكم بعد المُصالحة التاريخية التي قام بها الإمبراطور الروماني قسطنطين، فأعادت الجماعة المُنتصرة كتابة التاريخ وفرضت آرائهم كتعاليم أصيلة، وهي الأطروحة التي دافع عنها بارت إيرمان في إحدى كُتبه، وناقش فيها منهجية والتر بور[7]. أما إشكالية المسيح التاريخي فقد عرفت ثلاث محطات تاريخية مُهمة ساهمت كل واحدة منها في بلورة النتائج النهائية للأبحاث، انطلقت الأولى مع رايماروس H. S. Reimarus سنة 1778[8]، وأما الثانية فقد تزعمها كل من ألبرت شويتزر A. Schweitzer ورودولف بولتمان R. Bultmann وانتهت باعتبار المسيح مُجرد نتاج للجماعات المسيحية المُبكرة ولا علاقة له بالمسيح التاريخي الذي حاول ألبرت شويتزر رسم معالمه من خلال التعاليم الإسكاتولوجية للمسيح، بل ذهب بولتمان وأتباع مدرسته إلى القول باستحالة إيجاد المسيح التاريخي داخل نصوص العهد الجديد[9]. في ظل هذا النزاع ظهرت المرحلة الثالثة من الأبحاث حول المسيح التاريخي، والتي انطلقت مع مجموعة من العلماء على رأسهم روبرت فنك Robert W. Funk وجون دومينيك كروسان John Dominic Crossan  اللّذين أسسا جمعية تحت اسم “ندوة يسوع” Jesus Seminar سنة 1985، فأعطوا بذلك شحنة جديدة وبُعداً آخر للأبحاث، خصوصاً مع الاكتشافات المُتوالية للعديد من المخطوطات التي تعود للقرون الأولى للمسيحية، فظهرت بذلك مئات المُحاولات لمتخصصين أكاديميين -سواء داخل جمعية ندوة يسوع أو خارجها- لتحديد صورة يسوع التاريخي[10]، وهنا تبرز أعمال بارت إيرمان باعتباره واحداً من أبرز المُدافعين عن صورة يسوع النبي الإسكتولوجي eschatological Prophet أو النبي الرؤيوي Apocalyptic Prophet، الذي تتمثل مُهمته بالدرجة الأولى في تحذير الناس من النهاية القريبة والمُروعة للعالم، وقد عرض هذا التصور في كتاب له بعنوان: Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium[11].

بهذا العرض المُقتضب للإطار النظري، نستطيع الوقوف على السياق العام الذي ناقش من خلاله بارت إرمان أطروحة “المسار التاريخي لتأليه المسيح” في كتابه الحديث، من خلال الإضافة اللاحقة للطبيعة الألوهية على يسوع، والتي تبلورتْ بشكل أكثر نُضجاً منذ أواخر القرن الأول إلى أن استقرت في صورتها النهائية مع بداية القرن الرابع، وأيضا من خلال البحث في تعاليم وأقوال يسوع نفسه، مُدافعاً في ذلك عن الصورة التي رسمها في العديد من أبحاثه عن مهمة يسوع كنبي رؤيوي.

استهل بارت إيرمان كتابته الذي يقع في تسعة فصول، بمقدمة يعرض فيها الدافع الذي جعله يُقدم على تأليف هذا الكتاب، وبعيداً عن طابع تشويق القارئ، فإن الفكرة المحورية للمقدمة -والتي استخدمها أيضا في بعض كتبه[12]– هي محاولة بارت اثبات التعارض بين اللاهوت والتاريخ، بين دراسة المسيحية من مُنطلق لاهوتي، ودراستها من مُنطلق علمي تاريخي، وهنا يضع عنوان كتابه داخل هذا السياق، إذ أن المُهتم باللاهوت يبحث عن الكيفية التي أصبح بها الإله إنساناً، بينما المؤرخ يسأل: كيف أصبح الإنسان إلهاً.

وفي الفصلين الأول والثاني وعنوانهما: الإنسان المقدس في اليونان القديمة وروما والإنسان المقدس في اليهودية القديمة، يُحاول بارت إيرمان عرض الإطار التاريخي والسوسيولوجي الذي نشأت فيه المسيحية، من خلال البحث في مفهوم الألوهية عند الشعوب القديمة، فسواء بالنسبة للمسيحية المبكرة وأيضا اليهودية والوثنيين في الإمبراطورية الرومانية، لم يكن لديهم في منظومة الأفكار الدينية، حد فاصل بين العالم المقدس (مملكة السماء: عالم الإله، أو عالم الآلهة) وبين عالم البشر، فهُناك العديد من نقاط التماس بين العالمين وتواصل دائم بينهما، يمكن من هذا المُنطلق الحديث عن الإنسان المقدس أو المؤله من خلال منظورين، الأول: عن طريق الاختيار، وذلك بأن يختار الإله أحد البشر (ملك، كاهن، مُحارب) ليضمه إلى صفوف الآلهة، الثاني: عن طريق التجسيد، بأن يتجسد كائن مقدس (أحد الآلهة، مَلَك) في صفة إنسان، وهذا ما نجده حاضراً في نصوص العهد الجديد، فإنجيل مرقص يعتمد الطريقة الأولى ويروي لنا قصة المسيح الإنسان الذي تحول إلى إله، بينما يعتمد إنجيل يوحنا الطريقة الثانية مُصوراً المسيح كإله منذ البدء وقبل خلق العالم ثم نزل إلى الأرض وتجسد في إنسان، وبالتالي نُلاحظ أن كلا من مرقص ويوحنا يصل في الأخير إلى رفع يسوع إلى مرتبة الألوهية لكن من منطلقات مُختلفة.

وبالرجوع إلى الأفكار الدينية عند اليونان والرومان، فإن التداخل بين عالم الآلهة وعالم البشر يبدو أكثر جلاء لكل مُطلع على الأساطير القديمة، سواء في نزول أحد الآلهة إلى عالم البشر، أو في صعود أحد البشر إلى عالم الآلهة. لم يكن هذا التحول والانتقال بين العالمين فجائيا، إذ يُحدده بارت إيرمان باعتماد نموذج هرمي يتم فيه الانتقال بين العالمين بشكل تدريجي[13]، فعلى قمة الهرم يوجد دائما إله قوي، الخالق والمُتحكم في كل شيء، ثم نجد طبقات أخرى من الآلهة أقل قوة ومكانة. أما بخصوص الحديث عن الديني اليهودي الذي يؤمن بإله واحد مطلق، فإن التداخل بين مملكة السماء وعالم البشر يبدو أصعب تحديداً، لكن مع ذلك يرصد بارت إيرمان نقاط تواصل عديدة، مشيراً إلى أن الفكر اليهودي استبدل الآلهة بكائنات مقدسة، كالملائكة والكيروبيمات والسفنكوسات[14]، ففي القرن الأول ميلادي آمن اليهود بإمكانية الانتقال بين العالمين كأن يتحول أحد البشر إلى ملاك، وبالتالي فإن إعطاء صفة القدسية وأحيانا الألوهية لأحد الشخصيات الهامة في الفكر اليهودي يندرج داخل هذا السياق. وهذا كان التصور السائد في العصور القديمة وأيضا في الفترة التي شهدت ميلاد المسيحية، غير أن القرن الرابع الميلادي شهد تغيراً لافتاً، ففي خضم انتقال العالم الروماني من الوثنية إلى المسيحية، عبَّر العديد من الفلاسفة الوثنيين عن وجود فج عميق بين العالم المقدس وعالم البشر، إذ لا وجود إلا لإله  واحد قوي، وتم بذلك الابتعاد عن الإيمان بوجود هرم الآلهة الذي يربط العالمين[15]، وبالرجوع إلى نشأة المسيحية فإن يسوع أيضا تم إدخاله حسب المُتخيل الشعبي في القرن الأول من الميلاد إلى هرم الآلهة، واختلفتْ مرتبته في هذا الهرم وارتقاؤه فيه حسب معتقد كل جماعة، لكن زوال مفهوم الهرمية في الفكر الروماني الوثني في مُستهل القرن الرابع الميلادي وتزامنه مع وضع أول قانون للإيمان المسيحي، أدى إلى تحول يسوع من عُضو داخل هرم الآلهة، إلى الإله نفسه المُساو له في الطبيعة، وفي هذا السياق يعرض بارت إيرمان نقطة جوهرية تتمحور حول أن البحث في ألوهية يسوع يجب أن لا ينطلق من الصورة التي رُسمتْ له في القرن الرابع الميلادي التي تميزت بكسر هرم الآلهة ورسم تصور كوسمولوجي جديد يتكون من إله مطلق وبشر عاديين، فيسوع أصبح إلها في القرن الرابع الميلادي حسب التصور الأرثوذكسي، وهذا المفهوم يختلف تماما عن نظيره في القرن الأول، وبالتالي عندما نحاول البحث عن الكيفية التي أصبح بها يسوع إلها يجب إعادة صياغة سؤال البحث كالتالي[16]: داخل أي منظور آمنت الجماعات المسيحية المبكرة بأن يسوع إله، إذا كانت مملكة السماء تتكون من هرم الآلهة.

بعد عرض مفهوم الألوهية والالتقاء بين العالمين في الموروث الديني اليهودي والروماني، ينتقل بارت إيرمان في الفصل الثالث المُعنون بـ: هل اعتقد يسوع بأنه إله؟، إلى الحديث عن يسوع التاريخي، مؤكدا من خلال سياق أقواله وأعماله أنه نبي رؤيوي حذر الشعب اليهودي من نهاية العالم، لكن هل من بين تعاليمه نستطيع الوقوف على جانب من الكشف عن الطبيعة الإلهية ليسوع؟ يُجيب بارت من خلال مُناقشة مجموعة من النصوص في إنجيل يوحنا[17] إلى أن يسوع ليس هو الآب، مع أنه وضع نفسه على قدم المُساواة معه، غير أن جميع هذه الأقوال المنسوبة إلى يسوع في إنجيل يوحنا لا تصمد أمام أي معيار من معايير النقد التاريخي، فيصعب بالتالي الجزم أنها أقوال أصيلة، خصوصا وأنها دُونتْ فقط عند يوحنا، فالعديد من المصادر الأقدم تاريخيا من هذا الإنجيل كرسائل بولس وإنجيل مرقص والمصدر Q وإنجيل متى ولوقا لم تتحدث عن يسوع بهذه الصورة. ما يؤكد أن هذا التقليد حول ألوهية يسوع يرجع إلى لاهوت جماعة يوحنا وليس إلى يسوع نفسه[18]، وقد استعرض بارت إيرمان في هذا السياق مجموعة من النماذج في التاريخ اليهودي لأناس تم تقديسهم والرفع من مكانتهم في مرحلة سابقة عن الزمن الذي عاشوا فيه، وهذا بخلاف ما كان سائدا عند الحضارات المُجاورة، ففي مصر كان الفرعون يُعلن نفسه إلها، وكذلك الشأن بالنسبة للإسكندر المقدوني وأغسطس وآخرين، أما بالنسبة لليهودية فإن تمجيد الأنبياء والملوك كان من عمل الأتباع الذين جاؤوا بعدهم.

أما الفصل الرابع: قيامة يسوع: ما لا يُمكننا معرفته، والفصل الخامس: قيامة يسوع: ما يُمكننا معرفته، فقد خصصهما بارت إيرمان للحديث عن قصة القيامة، فإيمان المسيحيين الأوائل بأن يسوع قام من بين الأموات شكل الحدث الرئيسي الذي ساهم في رسم المعالم الأولى لألوهية المسيح، ويبدو واضحاً أن الأناجيل الأربعة اتفقت على سرد هذا الحدث، وكانت الإشارة إلى القبر الفارغ دليلا على أن القيامة لم تكن بالروح فقط بل أيضا بالجسد. ومع توالي الأحداث والظهورات ليسوع بين العديد من الأتباع انتشرت التأويلات المُتفرقة، فيسوع في آمالهم هو ملك إسرائيل ابن الله[19]، وهو أيضا المُخلص المتألم، وهو السيد في نظر الأتباع الأوائل، فارقهم بعد أحداث الصلب ليجلس عن يمين الآب، فكل هذه الألقاب في المُتخيل الشعبي تم ربطها بنصوص العهد القديم، فمثلا في سفر المزامير نقرأ: “يقول الأزلي لسيدي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ”[20]، فمن سيكون السيد في هذا النص غير يسوع، وها قد صدق وعد الإله بأن جعله ملكاً ليس على إسرائيل فقط بل في مملكة السماء، فتحقق بذلك أن كان يسوع هو ابن الله الحقيقي، وهكذا بدأت عمليات التأليه داخل هذا السياق، وهو تأليه لا يزال في مراحله الأولى ولم يبلغ بعدُ طوره النهائي[21]، واللافت للانتباه من خلال النصوص الكرستولوجية الأولى أن يسوع لم يكن مُساويا للآب في الجوهر والطبيعة، فهو فقط الشخص الذي أعطاه الآب مكانة قدسية أعلى من مكانة البشر.

لا ترجع النصوص الأولى للمسيحية إلى أي من أتباع يسوع المقربين، فلم يكن رواة الأناجيل شهود عيان ولم يتم تدوين أولى الشهادات إلا بعد سنوات عديدة. لماذا إذن لم يدون الأتباع الأوائل قصتهم مع يسوع؟ يُجيب بارت إيرمان على هذا التساؤل في الفصل السادس: بداية الكريستولوجيا: المسيح المُمجد في السماء، من خلال الإشارة إلى أن أغلب هؤلاء الأتباع كانوا ينتمون من الناحية الاجتماعية إلى طبقة الفقراء والفلاحين والجليليين القادمين من الأرياف، فكان بالتالي احتمالية إتقانهم للقراءة ضعيفة جداً ناهيك عن الكتابة، بالإضافة إلى التأكيد على أن الهاجس الإسكتولوجي ظل مُصاحباً للرسل الاثني عشر ولباقي الأتباع الأوائل، فلم يهتموا بتدوين تعاليم يسوع أو كتابة حياته ليقينهم بالاقتراب الوشيك لنهاية العالم. وكانت المُشافهة هي الطريقة الوحيدة لنقل قصة يسوع للمؤمنين الجُدد، وظل هذا التراث الشفهي ينتقل من شخص لآخر ومن ثقافة لأخرى إلى أن تم تدوينه بعد سنين عديدة في أولى نسخ الإنجيل، وفي هذا المعرض يطرح بارت إيرمان فرضية جدلية عن الشكل الذي سيكون عليه إنجيل كتبه شاهد عيان أو أحد أتباع يسوع المقربين فإنه حتما سيكون مُختلفا بشكل جذري على الأناجيل التي لدينا وعن التصور الرسمي للكنيسة حول طبيعة المسيح. هذا الإنجيل الافتراضي سيحتوي على التعاليم الأخلاقية ليسوع، كما سيحتوي أيضا على رحلاته من قرية إلى أخرى يُحذر فيها الناس من اقتراب نهاية العالم ويحثهم على التمسك بالوصايا.

يُعالج بارت إيرمان في الفصل السابع: يسوع كإله في الأرض: كرستولوجيا التجسد المبكرة، بداية تشكل الكريستولوجيا المسيحية في النصوص الدينية الأولى للعهد الجديد، حيث كان الإيمان الشعبي يُنزل يسوع منزلة أرفع من باقي البشر، وحتى لو تم اعتباره ذو طبيعة إلهية، فهي تندرج داخل سياق الآلهة الأقل مكانة من الإله المُطلق، يُمكن تلخيص هذا الإيمان بالصيغة التالية: “يسوع إله لكنه ليس الآب”، ومع ذلك حافظت المسيحية على مكانتها كدين توحيدي يؤمن بإله واحد. لقد شهدت هذه الفترة سجالات عديدة حاولت إعطاء حلول لهذه المعضلة، وظهرت العديد من الأفكار والتعاليم لجماعات مسيحية مُختلفة، لكن في الأخير لم يستطع سوى فريق واحد أن ينتصر في هذه المعركة، ويجعل من آرائه الدين الرسمي للمسيحية، واصفاً آراء الآخرين بالبدعة والهرطقة والخروج عن تعاليم يسوع الصحيحة.

في الفصل الثامن وعنوان: بعد العهد الجديد: الطريق المسدود للكرستولوجيا في القرن الثاني والثالث ميلادي، ينتقل بارت إيرمان إلى الحديث عن ثنائية أرثوذكسية/هرطقة، فوصف تعاليم جماعة مُعينة بأنها هرطقة أو بدعة يقتضي أمرين، الأول: وجود الوجه المقابل للهرطقة وهو التعليم الصحيح أو الأرثوذكسي، والثاني: أسبقية التعليم الصحيح عن التعليم الخاطئ الهرطوقي. إن هذا الاستعمال هو رهين النطاق اللاهوتي، إذ أن الكنيسة الرسيمة التي انتصرت في معركة الآراء والعقائد، وصفتْ آراء كل المُخالفين بأنها هرطقة وبدعة، أما داخل سياق البحث التاريخي فإن الأمر مُختلف تماماً، لقد سبق وأن أشرنا في مقدمة هذه القراءة أن عمل والتر بور أعاد الجدل حول هذه الثنائية إلى سياقه التاريخي، وفي هذا الفصل أكد بارت إيرمان -من خلال مُناقشة العديد من النصوص- على أسبقية العديد من التعاليم التي وُصفت بالهرطقة على التعاليم الأرثوذكسية، وعلى أن كل الجماعات المبتدعة  في القرن الثاني والثالث والرابع ميلادي نشرت معتقداتها ودعتْ إليها إيماناً منها أنها التعاليم الصحيحة والأكثر أصالة. لقد ظهرت تعاليم تُحاول التأكيد على بشرية يسوع، وفي الجهة المُقابلة ظهرت تعاليم تؤكد أن يسوع هو الآب نفسه نزل إلى الأرض، وظهرت آراء أخرى تُحاول الجمع بين القولين باعتبار يسوع ذو طبيعة بشرية وإلهية في نفس الوقت، إلى غيرها من الآراء المُختلفة والمُتناقضة، والتي لم يكن مُحركها الأساسي حب الجدل، بقدر ما كان المحاولة المُستميتة لبلوغ الصورة الحقيقية للعبادة والتدين الصحيحين، فإذا توجب التوجه إلى يسوع بالعبادة، فهل يكون ذلك على أساس أنه الآب؟ أم أنه إله أقل من الآب مكانة؟ أم يتم إفراد الآب فقط بالعبادة؟ والإله الذي يُتوجه له بالعبادة هل هو خالق الكون أم أنه فرع آخر في هرم الآلهة؟ كلها إشكالات حاولت الجماعات المسيحية المبكرة أن تجد لها حلاً.

واحدة من هذه الإجابات فقط استطاعتْ أن تُمثل الرأي الرسمي الذي سينتصر ويسود بعد مجمع نيقية المُنعقد سنة 325، وهو ما تطرق إليه بارت إيرمان في الفصل التاسع: مفارقات الأرثوذكسية في الطريقة إلى نيقية من خلال بيان سياق انعقاد المجمع وطريقة الحسم في قانون الإيمان الأول، الذي تم فيه الانتهاء من رسم صورة يسوع الإله المُساوي للآب في الجوهر الأزلي والذي سيأتي في نهاية العالم ليُحاكم الأحياء والأموات، ويبدو جليا أن مسيح الإيمان كما هو مكتوب في قانون نيقية يُخالف تماماً بل ويتناقض مع صورة يسوع التاريخي.

ختاماً، كيف نستطيع تقييم حصيلة الفصول التسعة لكتاب بارت إيرمان داخل السياق الغربي؟ نستطيع القول إن الكتاب يكاد يخلو من أي إضافة نوعية فيما يخص جديد الأبحاث حول تأليه يسوع، وإشكالية البحث التي اشتغل عليها بارت إيرمان قد تم التطرق إليها بشكل أكثر دقة مما عرضه، ويُمكن الرجوع في هذا الباب للكتاب الأخير لـ: James D G Dunn[22] الصادر سنة 2010 وأيضا كتاب Larry W. Hurtado[23] الصادر سنة 2003 وكتاب [24]Wilhelm Bousset الصادر بالألمانية سنة 1913 والمُترجم للإنجليزية سنة 1970. غير أن الميزة الحقيقية لكتاب بارت إيرمان تتجلى في قدرته على نقل النقاش حول تاريخ المسيحية المبكر من داخل أسوار الجامعات إلى الرأي العام والمُجتمع بجميع فئاته ومرجعياته الفكرية. إن اللافت للانتباه في تتبع أثر الأبحاث الحديثة حول المسيحية على المجتمع الغربي في أوربا وأمريكا، أنها أبحاث تُخاطب فئات مُعينة لا تخرج عادة عن فئة الباحثين داخل الجامعات والمعاهد الأكاديمية، في حين يبقى التعليم اللاهوتي في معزل عن عرض هذه النتائج على المؤمنين سواء داخل المعاهد المُتخصصة في الدراسات اللاهوتية أو داخل الكنيسة، إلا إذا ما استثنينا بعض المُحاولات النادرة ككتاب الباحث الكاثوليكي ميير جون Meier P. John [25]. وفي هذا الإطار يذهب بارت إيرمان إلى أن حصر النشر في النطاق الأكاديمي يزيد من تعميق الفجوة بين الليبراليين والمحافظين، ويؤكد في أكثر من موضع من كتبه ومقالاته، أن نتائج البحث التاريخي في المسيحية لا تؤدي بالضرورة إلى نبذ الدين وتقويض العقائد المسيحية كما يُروج لذلك المُحافظون، بقدر ما أنها تكشف عن التعليم الأكثر أصالة ليسوع وأتباعه، وهذا التوجه هو ما جعل إيرمان يتوجه إلى إصدار كُتبه الثلاثة الأخيرة في واحدة من أكبر دور النشر في العالم HarperOne  عوض نشرها كما هو الحال بالنسبة لكتبه الأولى في جامعة أوكسفورد، وذلك في مُحاولة للاستفادة من القوة الترويجية الهائلة التي تتمتع بها دور النشر الكبيرة، حتى تتمكن فكرة الكتاب من الوصول إلى أكبر عدد من القُراء[1]، وقد استطاع الكتاب كما سبق وأن أشرنا في المقدمة أن يحتل المراتب الأولى في لائحة نيويورك تايمز لأعلى الكتب مبيعا، غير أن هذا الجانب الإيجابي في توسيع دائرة القراء، يعود أحياناً على المؤلف ببعض السلبيات، كتبسيط لغة الكتاب والتناول السطحي لبعض القضايا الحساسة. ورغم ذلك تبقى فكرة الكتاب مثيرة للاهتمام ومُحفزة للقراءة لكل الباحثين في تاريخ المسيحية المُبكر والمُهتمين بالتطور التاريخي لصورة يسوع في القرون الأولى.

مقال منشور في العدد الأول من المجلة 


الهوامش:

[1]– Ehrman, D. Bart. “How Jesus Became God: My Change of Direction.” Weblog post, Christianity in Antiquity: The Bart Ehrman Blog, 4 Apr. 2014. Web, 13 Apr. 2014, <http://ehrmanblog.org/how-jesus-became-god-my-change-of-direction.

[1]– باحث بسلك الدكتوراه، تخصص تاريخ الأديان، كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس-فاس، المملكة المغربية.

[2]– Ehrman, D. Bart. How Jesus Became God: The Exaltation of a Jewish Preacher from Galilee, USA: HarperOne, 2014.

[3]– تحديداً نُسخة Adobe Digital Editions صيغة Epub الصادرة عن دار النشر الرسمية HarperOne وهي النسخة التي تم اعتمادها في هذه القراءة.

[4]– “Best Sellers – Hardcover Nonfiction.” Nytimes.com. The New York Times, 7 Apr. 2014. Web. 13 Apr. 2014.

<http://www.nytimes.com/best-sellers-books/2014-04-07/hardcover-nonfiction/list.html>.

[5]– Aslan, Reza. Zealot: The Life and Times of Jesus of Nazareth, USA: Random House Publishing Group, 2013.

[6]– Bird, Michael F., Craig A. Evans, Simon Gathercole, Charles E. Hill, and Chris Tilling. How God Became Jesus: The Real Origins of Belief in Jesus’ Divine Nature—A Response to Bart Ehrman, USA: Zondervan, 2014.

[7]– Ehrman D. Bart. Lost Christianities: The Battles for Scripture and the Faiths We Never Knew, USA: Oxford University Press, 2005, pp.172-180.

[8]– Mattéi, Paul. Le christianisme antique: De Jésus à Constantin, Franc: Armand Colin, 2011, p.54.

[9]– Ibid, p.55.

[10]– للإطلاع على مُختلف الرؤى التي صاغتها الأبحاث الجديدة حول المسيح التاريخي ينظر:

Giri, Jacques. les nouvelles hypothèses sur les origines du christianisme, France: KARTHALA, Ed.4, p.192.

[11]– Ehrman D. Bart. Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium, USA: Oxford University Press, 1999.

[12]– Ehrman D. Bart. Jesus, Interrupted: Revealing the Hidden Contradictions in the Bible (And Why We Don’t Know About Them), USA: HarperCollins, 2010.

[13]– Ehrman D. Bart. How Jesus Became God: The Exaltation of a Jewish Preacher from Galilee, USA: HarperOne, Adobe Digital Editions version, EPUB file, 2014, p.36.

[14]– Ibid, p.68.

[15]– Ibid, p.39.

[16]– Ibid, p.40.

[17]– يُنظر: يوحنا 10/30، 14/9

[18]– Ehrman, D. Bart. How Jesus Became God, p.96; Ehrman, D. Bart. Jesus, Interrupted, p.156-163.

[19]– ابن الله هو اللقب الذي كان يُطلق على ملوك إسرائيل

[20]– المزامير 110/1

[21]– Ehrman, D. Bart. How Jesus Became God, p.157.

[22]– Dunn, D. G. James. Did the First Christians Worship Jesus?: The New Testament Evidence, USA: Westminster John Knox Press, 2010.

[23]– Hurtado, W. Larry. Lord Jesus Christ: Devotion to Jesus in Earliest Christianity, USA: Wm. B. Eerdmans Publishing, 2003.

[24]– Bousset, Wilhelm. Kyrios Christos: A History of the Belief in Christ from the Beginnings of Christianity to Irenaeus, 1ST edition, USA: Nashville: Abingdon Press, 1970.

[25]– Meier, P. John. A Marginal Jew, USA: Knopf Doubleday Publishing Group, 2001.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s