الصلاة الربانية والكذب المقدس

أيمن تركي

 

“استعادة نص موحد ليسوع هو أمر مستحيل”

David C. Parker

يحكي لنا العهد القديم بسفر الملوك الأول الإصحاح 13 كيف أن أحد الأنبياء (كذب) على نبي آخر مثله زاعماً أن الرب قد أوحي له بأمر عكس ما كان قد أوحاه نفس الرب سابقاً للنبي المخدوع:

13: 15 فقال له (النبي الكاذب) سر معي إلى البيت وكل خبزاً

13: 16 فقال (النبي المخدوع) لا أقدر أن أرجع معك ولا أدخل معك ولا آكل خبزاً ولا أشرب معك ماءً في هذا الموضع

13: 17 لأنه قيل لي بكلام الرب لا تأكل خبزاً ولا تشرب هناك ماءً ولا ترجع سائراً في الطريق الذي ذهبت فيه

13: 18 فقال له (النبي الكاذب) أنا أيضاً نبي مثلك وقد كلمني ملاك بكلام الرب قائلا ارجع به معك إلى بيتك فيأكل خبزاً ويشرب ماءً كذب عليه

ولأن سمة الأنبياء هي الصدق فيما يخبرونه عن الوحي فلم يشك النبي (المخدوع) للحظة في كلام النبي (الكاذب)، وكانت عاقبته أن قتله الأسد نتيجة لأنه (خالف كلام الرب) بناءً على تعليمات من النبي الكاذب الذى زعم كاذباً ان الرب نفسه هو من أمره بنقل تلك التعليمات !!.

فإذا كان السؤال المستفاد من تلك القصة هو: هل أنبياء الله بالكتاب المقدس قد يكذبون فيما يقولونه عن الله ؟!

فإن إجابة نفس هذا السؤال ليست بالضرورة مقصورة فقط على أنبياء العهد القديم بل هي في الحقيقة منصوص على حقيقتها جملة وتفصيلاً وبدون خلاف –يذكر – بين العلماء على كتبة العهد الجديد أيضاً.

الصلاة الربانية

الصلاة الربانية هي تلك الكلمات التي يذكر إنجيلي (متى) و(لوقا) أن المسيح علمها بنفسه للتلاميذ عندما طلب واحد من تلاميذه ذلك (لوقا 11-1)

وفقاً لترجمة الفاندايك فإن جواب يسوع على هذا الطلب وفقاً لروايتي (متى 6/9-13) و (لوقا 11/2-4) جاء متطابقاً:

  • أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك
  • ليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض
  • خبزنا كفافنا أعطنا اليوم (لوقا: خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم)
  • واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا (لوقا: واغفر لنا خطايانا لأننا نحن أيضاً نغفر لكل من يذنب إلينا)
  • ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير.

على أن رواية (متى) عكس (لوقا) تضيف بنهاية العدد 13 تسبيحة ختامية: (لأن لك الملك، والقوة، والمجد، إلى الأبد. آمين)[1].

للوهلة الأولى فإن القارئ سيلاحظ أن ألفاظ الصلاة متطابقة وواضحة وبالتالي لا أحد يملك أن يقولها بشكل مختلف لأن تلك الألفاظ على حد وصف البابا شنودة الثالث: ((أما الصلاة الربية ، فلا نملك أن نغيرها. لقد علمنا الرب أن نقولها هكذا، باسم الجماعة.[2]))[3]

ولأن البابا شنودة ولا السائل عاصر يسوع وهو يقول تلك الكلمات ولأننا لا نملك أي مصادر أخري غير الأناجيل لألفاظ الصلاة الربانية فإنه لا ضير أن نعيد صياغة المقطع الأخير من الجملة السابقة ليكون ((لقد علمنا الرب أن نقولها هكذا وفقاً لما نقله لنا متى ولوقا من قوله بأنها تنطق باسم الجماعة))

ومع الإيمان المسيحي بالوحى وشهادة العيان لـ (متى) و(لوقا)[4] وتطابق الألفاظ فإن القارئ سيحمل جزم البابا شنودة بكل ثقة.

لكن ماذا لو أن رواية وألفاظ (متى) فعلاً تختلف مع رواية وألفاظ (لوقا) ؟!

نص الصلاة الربانية

نظرياً فإن أقدم الشواهد لألفاظ الصلاة الربانية تأتينا من كتابات آباء الكنيسة حيث القرن الثاني والثالث والقديس (أوريجانوس) الذي يذكر في كتابه عن الصلاة الربانية اختلاف صيغتي الصلاة بإنجيلي (متى) و (لوقا):[5]

الصلاة وفقاً لرواية متى الصلاة وفقاً لرواية لوقا
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمكليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض

خبزنا كفافنا أعطنا اليوم

واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا

ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير.

الآب، ليتقدس اسمكليأت ملكوتك.

خبزنا اليومي أعطنا كل يوم

وأغفر لنا ذنوبنا لأننا أيضاً نغفر لكل من يُذنب إلينا

ولا تدخلنا في تجربة.

هذا النقل من قبل القديس (أوريجانوس) للصلاة الربانية المعروفة وقتها في كنيسته يعطى لنا صورة مبسطة عن الاختلافات اللفظية لصيغة الصلاة التي علمها يسوع لتلاميذه خلال القرون الأولى. من هذا النقل أيضاً يمكننا أن نرى أن تسبيحة (متى) بنهاية العدد 13 لم تكن معروفة سواء بإنجيل (متى) أو بإنجيل (لوقا) في ذلك الوقت، كذلك فإن رواية (لوقا) تظهر وبشكل ملحوظ أنها أقصر من رواية (متى)، ففي الوقت الذي يفتتح فيه (متى) الصلاة بـ(أبانا) فإن (لوقا) يقرأها فقط (الآب) مع حذفه لـ(الذي في السماوات)، كذلك فإن رواية (لوقا) لا تتضمن طلب (لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض) ، أيضاً فإن (لوقا) يقرأ (كل يوم) خلافاً لـ(متى) الذى يقول (اليوم)، وأخيراً فإن الصلاة الربانية بـ(لوقا) لا تتضمن (لكن نجنا من الشرير) و بالطبع كما أشرنا مسبقاً لا تتضمن التسبيحة (لأن لك الملك، والقوة، والمجد، إلى الأبد. آمين).

أما من الناحية العملية فإنه ينضم إلى شهادة (أوريجانوس) النظرية شهادة أقدم برديات العهد الجديد ألا وهي البردية بودمير 75 والتي يعود بها العلماء بشكل عام إلى ما بين العامين 175م- 225م، تلك البردية والمكتشفة عام 1952 تقدم أقدم صيغة معروفة للصلاة الربانية بالقرن الثاني والثالث بالإضافة للعديد من المخطوطات اليونانية والترجمات المختلفة والآباء الذين يدعمون تلك الرواية، والتي يمكننا بسطها للقارئ من خلال الجدول التالي:[6]

صيغة الصلاة الربانية برواية (لوقا) وفقاً للمخطوطات:
قراءه (الآب) بدلاً من (أبانا) Greek: P75 01 Β 1 22 57 130 372 700 1192* 1210 1342 1582 Version: Lat(aur Vg) Sy(S) Arm

Father: Org MarT Cyr Tert

حذف (الذي في السماوات) Greek: P75 01 Β L 1 22 57 130 372 443* 700 1192* 1210 1342 1582Version: Lat(aur Vg) Sy(S) Arm

Father: Org MarT Cyr Tert

حذف (لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض) Greek: P75 Β L 1 22 130 1192* 1210 1342 1582Version: Lat(g1 30 Vg) Sy(S C Diatessaron) Arm

Father: Org MarT Cyr Tert Aug

قراءة (كل يوم) بدلاً من (اليوم) كل المخطوطات بإنجيل (لوقا) تقرأ (كل يوم) عدا المخطوطات التالية تقرأ (اليوم):Greek: D 2 27 28 71 472 1009 1071 1195* 1242* 1458 2542 2713 L1761

Version: Lat(a aur  b c e d f ff2 g1 i l r1 Vgmss) Sy(Htxt) Cob(b2mss) Aeth

Father: Aug Hil

حذف (لكن نجنا من الشرير) Greek: P75 01*-2 Β L 1 22 57 130 131 226* 237 242 426 372 700 1192*          1210 1342 1582 2193

Version: Lat(g1 Vg) Sy(S) Cob(sa bmss) Arm Geo

Father: Org MarT Cyr Tert Aug

حذف (لأن لك الملك، والقوة، والمجد، إلى الأبد. آمين). كل المخطوطات بإنجيل (لوقا) بلا إستثناء

نظراً لأن الطابع الأغلب لدى النساخ- بشكل عام[7]– وبهذه الحالة- بشكل خاص- هو إحداث التوازن والتناغم بين نصوص الأناجيل المختلفة أو ما يعرفه علماء النقد النصي باسم ((Harmonization، حتى أن العالم (جوردون في) يعترف بأنه لا يوجد أي مخطوط أو تقليد مخطوطي خالي من إحداث تلك التوازنات[8]، فإن قرار علماء النقد النصي كان مبنياً على أن قراءة (الفاندايك) والموجودة بأغلب المخطوطات اليونانية وغير اليونانية هي (تحريف أو فساد) تم بداعي إحداث توازن بين الصيغتين بإنجيلي (متى) و(لوقا)، أقر بذلك (بروس متزجر)[9] و(كورت ألاند)[10] و(فيليب كمفورت)[11] و(إيرمان بارت)[12] و(كليتون هاروب)[13] و(وليام وارين)[14] و(تشارلز وليام)[15] و(هارولد جرينلى)[16] و(ويلاند ويلكر)[17] و(واين كاندي)[18] و(فريدريك وايز)[19] و(ديفيد باركر)[20] و(اندرو بندسترا[21]( و(فينست تايلور)[22] و(روجر أومانسون)[23] والكثير والكثير غيرهم.

ولهذا فلا غرابة أن نجد أن الأغلبية الساحقة من الترجمات المختلفة والنسخ اليونانية النقدية تقرأ الصلاة الربانية بإنجيل (لوقا) بالصيغة القصيرة.

فمن الترجمات الإنجليزية: RSV. NRSV. ESV. NASB. NIV. TNIV. NEB. REB. NJB. NAB. NLT. HCSB. TEV. NET.

ومن الترجمات العربية: اليسوعية والمشتركة والبولسية والآباء الدومنيكان وبين قوسين بترجمة الحياة

ومن النسخ اليونانية النقدية: (جريسباخ) و(تريجليز) و(تشندورف) و(الفورد) و(ويستكوت وهورت) و(نستل ألاند) و(UBS) و(تاسكر) و(ألكسندر سوتير) و(جوزيف بوفر) و(فون سودن) و(هاينريك جوزيف فوجليز) و(أوغسطينوس ميرك) و(ماري جوزيف لاجرانج) و(برنارد وايس) و(هاينريك جريفين) و(مايكل هولمز) و(جورج كيلباتريك) وغيرهم. الأمر الذي لم يجد معه العالم الإنجليزي (ديفيد باركر) سوى التأكيد على أنه: ((اليوم فإن الجميع -عدا داعمي نص الأغلبية- يوافقون على أن القراءة الأقصر بـ (لوقا) هي الأفضل))[24]

وحي أم كذب

خلال القرون الأولى للفكر المسيحي فإن مفهوم الوحي لم يكن متبلوراً بالشكل الذي نعرفه الآن[25]، فمرجعية الوحي كانت تطلق على كل رأي أو فكرة يمكن أن تفيد في إيمان الكنيسة، فمثلاً نجد أن القديس اكليمنضس الروماني (القرن الأول) يعتبر نصيحته مدعومة من الروح القدس نظراً لأنها حازت على القبول والتطبيق من قبل سامعيها، فيقول في رسالته الأولي إلي كورنثوس 63/2 ما نصه: ((إنكم تبعثون فينا الفرح والسعادة، إذا أطعتم نصيحتنا التي نكتبها لكم بالروح القدس))[26]، الأمر ذاته نجده عند القديس أغناطيوس الأنطاكي (القرن الأول) في رسالته إلي فيلادلفيا :((فأنى أشهد لله أن اللحم لم يكشف لي ذلك، أن الروح يقول لا تفعلوا شيئاً بدون الأسقف واحتفظوا بأجسادكم كهياكل الله))[27]، لكن الأمر لم يكن متوقفاً على الآباء الرسل فقط بل أنه يمكن أن نجد آثاره أيضاً عند نساخ الكتاب المقدس أنفسهم، فيقول العالم (كورت ألاند) واصفاً فكر النساخ المسيحيين في القرون الأولى قائلاً: ((حتى بالنسبة للنساخ المتأخرين، فعلى سبيل المثال الفقرات الإزائية بالأناجيل كانت مألوفة لديهم فعمدوا إلى تكييف كل نص مع الآخر. كذلك فإنهم رأوا أنفسهم أحراراً في عمل تصحيحات بالنص، تحسينه من خلال معايير خاصة للتصحيح، سواء نحوية أو أسلوبية أو بشكل أكثر جوهرية. كل هذا كان حقيقة أيضاً خلال الفترة المبكرة، عندما لم يكن النص يتمتع بالشكل القانوني، خصوصاً وأن تلك الفترة الأكثر قدماً كان المسيحيون يعدون أنفسهم ممتلئين بالروح القدس))[28]، ورغم اختلافه مع نتيجة ذلك إلا أن العالم (آرثر باتزيا) يقر بنفس الحقيقة قائلاً: ((يجب علينا أن ندرك أن نص العهد الجديد كان (نصاً حياً) في عملية تطوير حرة، خصوصاً خلال القرنين الأول والثاني))[29]، إن هذه الفوضى من الوحي المقدس (الكاذب) خلال القرون الأولى لانتقال العهد الجديد تجعلنا نتساءل بشكل جدي عن حقيقة الوحي لدى كتبة الأناجيل أنفسهم !! فمع أخذ عمل (تاتيان) والمسمى (الدياطسرون) في الاعتبار والذي حاول فيه إخراج الإنجيل برواية واحدة فإن التاريخ المسيحي لا يخبرنا الكثير عن تعامل آباء القرن الأول والثاني مع اختلافات الروايات الإزائية بالأناجيل المختلفة اللهم إلا في شهادة لـ (أوريجانوس) القائلة:

((أنا لا ألومهم إذا كانوا في بعض الأحيان تعاملوا بحرية مع أشياء هي في نظر التاريخ حدثت بشكل مختلف، وقاموا بتغييرها لتأييد أهداف باطنة في رؤيتهم، كما لو كانوا يتكلمون عن شيء حصل في مكان ما وكأنه حصل في مكان آخر، وعن أمر حدث في زمن ما وكما لو أنه حدث في وقت آخر، ويدخلون بعض التغيرات من أنفسهم بطريقة ما فيما قيل فعلاً. كان قصدهم قول الحقيقة حيثما كان هذا ممكناً بشكل مادي وروحي، وفي حال استحالة ذلك كانوا يفضلون قول الوجه الروحي عن المادي. الحقيقة الروحية كانت غالباً تنقل بما يمكن للمرء أن يسميه الكذب المادي))[30]، تلك الشهادة الصادمة يجب أن نفهم واقعها بنفس واقع فهم النساخ للنص المنحدر من قبل هؤلاء الإنجيليين، أو كما يقول العالم (هولمت كوستر):

((حتى وعندما صارت المادة بشأن يسوع متاحة في الشكل النصي فإنهم كانوا أحراراً في التعديل والتغيير وفقاً للاحتياجات الحالية))[31]، ما يجب أن نفهمه إذاً أنه خلال تلك الحقبة الزمنية من عملية الانتقال النصي للعهد الجديد: هو أن أقوال يسوع مرت بعدة مراحل من الـ(الإفساد) المركب خلال عبورها من مرحلة الانتقال الشفهي وحتى تقنينها لتكون مكتوبة فكل القصص والأقوال عن يسوع: ((سردت واعيد سردها العديد من المرات قبل ان تصل مرقس أو أي من الإنجيلين من خلال المبشرين والمعلمين والمعوذين وصانعي المعجزات كل فرد من هؤلاء قد ترك علامة في قالب التقليد))[32]، فإذا كان من المعلوم لدي علماء المسيحية كافة قيام النساخ بعمليات (تحريف) من حذف وإضافة وتغيير لتلك الأقوال فإن كتبة العهد الجديد أنفسهم قد قاموا بنفس العمليات في مرحلة استخدامهم للمصادر الشفهية والمكتوبة عن يسوع، يمكننا تبسيط تلك الفترة بالشكل التالي:

فمع إقرار معظم علماء المسيحية أن (مرقس) كان مصدراً من مصادر الإنجيل لدى كلاً من (متى) و (لوقا)[33]، فإنه يجب علينا أن نتخيل قول العالم (ماثيو واليامز): ((على الرغم من اختلاف وسائل النساخ وكتبة الأناجيل، فإنه من المفترض هنا أن العديد من أنواع التغييرات التي تمت من قبل النساخ ربما تمت أيضاً من قبل (متى) إذا كان قد استخدم (مرقس) كمصدر عندما كان يؤلف إنجيله، أو من قبل (مرقس) لو كان استخدام نص (متي) كمصدر.))[34]، كذلك قيامهما: ((متي ولوقا سمحا لأنفسهما بحرية كبيرة في تعديل ملاحظات مرقس الزمنية والمكانية المتصلة بالقصص معاً))[35]، أو كما يقول العالم: (تشارلز وليام): ((تماماً كما قام (متى) و(لوقا) بتنقيح يونانية (مرقس) من خلال تلطيف الكلمات الخشنة أو الكلمات والمقاطع غير المألوفة، كذلك فإن النساخ عملوا في الأناجيل نفس الشيء)) [36]، وهو الأمر الذى شدد على خطورته العالم (جودون في) عندما نبه على أنه: ((يجب أن يكون المرء حذراً في عدم الافتراض التلقائي لما فعله الكتبة والنساخ))، نظراً لأن الكتبة -يقصد الإنجيليين- : ((في أغلب المواضع،.. يميلون إلى إعادة كتابة (مصادرهم) بدرجة متفاوتة من الدقة))[37]، في حين أن الميل الأعظم للنساخ هو: ((جعل الفقرات متناسقة من بعضها))[38]، وذلك لأن عمل الكتبة قد اكتسب الصيغة القانونية والروحية بالكنيسة في حين أن مرحلة عمل النساخ بعد هذا التقنين لعمل الكتبة هو التغلب على معوقات فهم البعض للفظ (الوحي) في ضوء الاختلاف الواقع بتلك الصيغ القانونية من خلال (التنسيق) بين فقراتها.[39]

فإذا كانت الصلاة الربانية بألفاظها الحقيقية أو حتى (المحرفة) جزءاً من التقليد الشفهي أو التقليد المكتوب في مصادر ضائعة (Q)[40]، ومع رفض أغلب العلماء لنظرية المواقف المختلفة[41]، فإن تفسير رواية (لوقا) القصيرة يعد أمراً صعباً للغاية[42]، لأنه بإثبات اختلاف صيغة (لوقا) عن صيغة (متى) كما بينا من قبل، فإن هذا يعنى أن أحدهما قد أعاد كتابة صيغة الصلاة التي بين يديه أو أن هذا الأمر قد تم من قبل (كليهما) وذلك لأغراض وأهداف معينه[43]، ومن ثم بعدما أخذت الكتابات الإنجيلية مكانتها بالقرن الثاني بدء النساخ في عملية (التنسيق) بين تلك الصيغ المختلفة ظهرت حينها صيغة (لوقا) الطويلة لتتناسب مع صيغة (متى) وذلك لحل مشكلة الاختلاف بينهما، بل وفى بعض المواضع بـ (لوقا) تمت عملية (التنسيق) مع الصيغة المستخدمة شفهياً عند البعض كما هو الحال في إضافة قراءة (ليحل الروح القدس علينا ويطهرنا) ببعض المخطوطات والآباء[44]، أو حتى بإضافة صيغة التعميد بنهاية صيغة (متى).[45]

الخلاصة

مما سبق نستنتج أنه إذا كان واقع الإنجيليين في التعامل مع مصادرهم هو كما يقول يقول العالم (دانيال والاس):

((الحقيقة أن الإنجيلين ليسوا كالنساخ. كل واحد فيهم لديه شيئاً من منظروه الخاص يساهم به في القصة وبالتأكيد لم يعدوا أنفسهم كنساخ لإنجيل (مرقس). (متى) له أسلوبه في الكتابة بالإضافة إلى دوافع معينة، والتي تختلف عن التي لدي (لوقا). كل إنجيلي يُظهر نمطاً واضحاً في تقديمهم للأناجيل.))[46]

فإنه لن يكون صادماً للبعض التفكير في كل المواضع الأخرى التي قام الإنجيليين بإدخال فكرهم وأسلوبهم في كلمات يسوع نفسها:

فعلى سبيل المثال عندما علم يسوع بوجود أمه وإخوته ماذا كان رده:

هل قال وفقاً لرواية (مرقس): لأن من يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي

أم أنه قال وفقاً لرواية (متي): لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي

أم أنه أجاب بشكل أبسط وفقاً لراوية (لوقا): أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها

وبالمثل ماذا كانت رؤية (بطرس) حرفياً ليسوع:

هل هي كما قال (مرقس): أنت المسيح

أم أن الأمر كان أكثر توسعاً كما هو في رواية (متى): أنت هو المسيح ابن الله الحي

أم أن الوصف ببساطة كما هي عادة (لوقا): مسيح الله

لماذا كان كل هذا الاهتمام لدى الإنجيليين بتعديل كلمات أصحاب القصص بأناجيلهم ؟!، للحد الذي جعل الكثير من العلماء يقرون بأنه: ((عندما قام كتبة العهد الجديد باستخدام أقوال يسوع لم تكن هناك حاجه الى كلمات يسوع حرفياً، بدون شك كلمات يسوع الحرفية موجودة بالعهد الجديد لكنها ليست بالضرورة في كل المواضع))[47]، مشددين على أنه: ((لا توجد جملة واحدة يمكننا ان نؤكد انها تتضمن كلمات يسوع الحرفية …))[48]، وذلك لأنه: ((الاختلافات في سرد نفس الأقوال بالأناجيل المختلفة تكفي بمفردها لتأكيد ذلك))[49]، بل أن بعضهم أقر بأن من يطلب الحرفية في تلك الروايات يضع عصمة الأناجيل نفسها على المحك نظراً لأنهم يطالبون بدقة تفصيلية أكثر مما يمكن للإنجيليين أنفسهم ان يعطوها !![50]، الأمر إذاً قد لا يكون بتلك البساطة فإذا كنا في الأمثلة السابقة رأينا القصة من منظور ثلاثي فإنه ببعض المواضع قد يكون الأمر من منظور ثنائي فقط -فبالإضافة إلى مثالنا عن الصلاة الربانية- فإنه يمكننا أن نتساءل أيضاً عن كلمات يسوع، هل هي كما قال (متى):

10: 32 فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضاً به قدام أبي الذي في السماوات

10: 33 ولكن من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضاً قدام أبي الذي في السماوات

أم أن ما نطق به يسوع هو كما قال (لوقا):

12: 8 وأقول لكم كل من اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الانسان قدام ملائكة الله

12: 9 ومن أنكرني قدام الناس ينكر قدام ملائكة الله

كذلك فإنه علينا ان نتدبر جيداً في وصف يسوع لإيمان تلاميذه عندما خافوا من الهلاك هل هو وفقاً لرواية (متي):

8: 26 فقال لهم: ما بالكم خائفين يا قليلي الإيمان؟

أم انه وصفهم كما نقل عنه (مرقس): 4: 40 وقال لهم: ما بالكم خائفين هكذا؟ كيف لا إيمان لكم

وبشكل أكثر تعقيداً فإنه ينبغي علينا أن نفتح مجال إدراكنا لصورة أكبر وأكثر عمقاً وتعقيداً، وأعني هنا مع استدعاء فكر الوحي (الزائف) وهاجس المسيحيين الأوائل- بما فيهم الإنجيليين أنفسهم- بالإضافة والحذف والتعديل في أقوال يسوع وفقاً لحاجتهم الاجتماعية او اللاهوتية، النظر كذلك إلى الأقوال ذات المنظور الواحد، لنتساءل هل قالها يسوع حرفياً أم أن الإنجيلي كعادته وكما فعل في معظم الأماكن قام بتعديل كلماته وربما أضاف عليها او حذف منها ؟![51]، وبالتالي فإن المرحلة الحالية ليست مرحلة النص الأصلي فحسب ولكنها مرحلة توثيق ما قبل هذا النص المكتوب الذى يمكننا الوصول إليه أم كما يقول العالم (إيرمان بارت): ((حتى لو استطاع العلماء النجاح في إعادة تكوين العهد الجديد، فإن هذا في حد ذاته ليس شهادة لحقيقة رسالته))[52]، الأمر إذاً ليس نوعاً من أقوال المشككين السفسطائية كما يزعم العالم (والاس)[53]، لكنه أمر نابع من نظريات عملية لعلماء مسيحيين والذين يقرون بحقيقة أن: ((كتبه الإنجيل لا يقدمون معلومات عن تعاليم يسوع التاريخي وإنما يوفرون معلومات مباشرة عن لاهوت الكنيسة الأولي))[54]!!، الأمر الذي سيبدو صادماً لمحبي البابا شنودة عندما يقرءون ما نقله العالم (أندرو بندسترا) عن أن معظم علماء المسيحية يقرون اليوم بأننا:

((نمتلك صوت (أو إحساس) يسوع في الصلاة الربانية لكنه من الصعوبة إن لم يكن من المستحيل استعادة كلمات يسوع حرفياً)) [55]

[مقال منشور في العدد الاول من مجلة الدراسات الدينية، ديسمبر 2014م – صفر 1436هـ]


[1] الأغلبية العظمي من علماء النقد النصي لا يقرون بصحة تلك التسبيحة (يراجع تعليقات متزجر النصية ص13-14)

[2] جاء هذا كرداً على سؤال من أحدهم للبابا حول إمكانية ان يقرأ صيغة الصلاة الربانية بصفة المفرد كأن يقول مثلاً (أبي الذى في السموات) بدلاً من (أبانا الذى ….).

[3] سنوات مع أسئلة الناس ج 8 ص88

[4] وذلك عند من يؤمن بأنه من الرسل السبعين وأنه شاهد يسوع وعاصر أقواله وأفعاله

[5] Origen, On Prayer 18.2

[6] يراجع: IGNTP Projects (Luke) & Swanson Projects (Luke & Matthew) & NA27-28 & UBS4th & Souter 1947 & Huck-Greeven13th

[7] The Implications of Textual Criticism for Understanding the ‘Original  Text’, Tommy Wasserman, p90

[8] Studies in the Theory and Method Of New Testament Criticism, Eldon J. Epp & Gordon D. Fee, p175

[9] The Text of The New Testament 4th, Bruce M. Metzger , p262

[10] The Text of The New Testament, Aland and Aland, p309

[11] New Testament Text & Translation Commentary, Philip W. Comfort, p203

[12] Misquoting Jesus, Bart D. Ehrman, p97

[13] History of The New Testament in Plain Language, Clayton Harrop, p59

[14] The Reliability of The New Testament, Robert B. Stewart, p118

[15] Alterations to the Text of the Synoptic Gospels and Acts, C. S. C. Williams, p2

[16] A Student’s Guide to New Testament Textual Criticism, Harold Greenlee, p75

[17] A Textual Commentary on The Greek Gospels (Luke), Wieland Willker, p301-305

[18] Apologetic Discourse and the Scribal Tradition, Wayne C. Kannaday, p212

[19] The Gospel Traditions in The Second Century, William L. Petersen, p48-49

[20] The Living Text of the Gospels, D. C. Parker, p49-74

[21] The Original Form Of The Lord’s Prayer, Andrew J. Bandstra, CalvTJ 16 (1981), p15-37

[22] The Text of the New Testament – A short Intriduction, Vincent Taylor, p64

[23] A Textual Guide to the Greek New Testament, Roger L. Omanson, p130-131,

[24] The Living Text of the Gospels, D. C. Parker, p53

[25] يراجع مقال الكاتب: النقد النصي وأثره في تعريف الوحي والعصمة –الجريدة النقدية– العدد الأول ص59-80

[26] لعل هذا ما جعل اكليمنضس السكندري يعدها من الكتاب المقدس!!! (Strom iv.17)

[27] رسالة فيلادلفيا الفصل السابع الفقرات 2،1

[28] The Text of The New Testament, Aland and Aland, p69

[29] The making of the New Testament, Patzia, A. G., p135

[30] Origen, Commentary on John, 10:4

JBL v.113 N.2 p295 [31]  Written Gospels or Oral Tradition?, Helmut Koester,

[32] An Introduction To The Study Of The New Testament, A H McNeile, 2nd Rev, C S C Williams, p48

[33] لمزيد من الاستفاضة يراجع:

تكوين الأناجيل – الأب سيداروس اليسوعي – دار المشرق بيروت ص33

The Bible Knowledge Background Commentary, Craig A. Evans ,p18

[34] Two Gospels from One, Matthew C. Williams, p44

[35] An Introduction To The Study Of The New Testament, A H McNeile, 2nd Rev, C S C Williams, p47

[36] Alterations to the Text of the Synoptic Gospels and Acts, C. S. C. Williams, p3

[37] كلمة (مصادرهم) مضافة لتوضيح السياق

[38] Studies in the Theory and Method Of New Testament Criticism, Eldon J. Epp & Gordon D. Fee, p175

[39] What is The Best New Testament?, Ernest C. Colwell, p56

[40] Luke, Craig A. Evans, p476 – Matthew, Davies and Allison 1988, p591

[41] النظرية الاعتذارية والمقدمة من قبل (أوريجانوس) والتي تنص على ان يسوع علم الصلاة في مناسبتين مختلفتين وبالتالي فإن كل إنجيلي نقل كلمات كل مناسبة، تلك النظرية مرفوضة من قبل أغلب العلماء حتى ان العالم (رايموند براون) اعتبرها نظرية غير جديرة بالاهتمام وتمثل حلاً مستحيلاً لعلاقة الأناجيل الإزائية فضلاً عن أن تطبيقها يعنى ان التلاميذ قد نسوا تعاليم الصلاة ومن ثم طلبوا تعلمها مرة أخري !! ( The Pater Noster as an Eschatological Prayer, R.E.Brown,p220-n5 )

[42] Luke, Darrel L. Bock, p1045

[43] كثيرون من العلماء يرون ان (لوقا) صيغته أفضل وأقرب للأصل (المصدر الذى ينقل عنه) نظراً لأنه من الصعب تخيل إقدام (لوقا) على حذف أجزاء من الصلاة الربانية بدون أسباب واضحة إذا كانت موجودة أصلاً أمامه، في حين يرى البعض منهم ان صيغة (متى) أفضل لأن (لوقا) من عادته اختصار مصادره، خلافاً لذلك فإن هناك نظرية مغايرة تماماً تقول ان هذا الاختلاف كان في مصدرهما أصلاً وليس من فعل الإنجيلين أنفسهم !! (يراجع New Testament Theology, J. Jeremias, 1971, p195)

[44] من المخطوطات اليونانية: 700, 162 ومن آباء الكنيسة: القديس غريغوريوس النيسى والقديس مكسيموس المعترف والعلامة ترتليان (او ماركيون)

[45] من المخطوطات اليونانية: 2730, 2715, 2693s, 2452*, 1348, 1253, 1228, 1060, 1050, 931, 740, 513, 418, 310, 225

[46] Revisiting The Corruption of The New Testament, Daniel B. Wallace, p50

[47] The Meaning of Inerrancy, Paul Feinberg, p301

[48] An Introduction To The Study Of The New Testament, A H McNeile, 2nd Rev, C S C Williams, p462

[49] Ibid , p463

[50] Historical Criticism and the Evangelical, Grant R. Osborne, JETS42, p203

[51] واحد من أشهر الأمثلة هو نص التثليث الشهير (متى) 28: 19 والذى يستخدمه البعض في إثبات وحدة الثالوث!! هل قاله يسوع حقاً حرفياً أم أن (متى) عدل في كلمات المصدر الذي بين يديه لأهداف معينة؟! (Derickson, TMSJ14 2003, p94) أم ان يسوع لم يقل ذلك أصلاً وإنما قام الإنجيلي بتركيب الصيغة برمتها !! (Petersen, TC List, Jan 2003). ولماذا تلك الصيغة مختفية تماماً في نص (مرقس) الموازي (الذى يعتبره العلماء زائفاً) والذي يقول ان تعبير يسوع لفظه هو: (اذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها)، كذلك إذا كانت تلك الكلمات الهامة قد نقلت حرفياً عند (متي) فلماذا لم ينقلها (لوقا) او (يوحنا)!! يمكننا أيضاً القياس على ذلك قول إنجيل يوحنا (10: 30) على لسان يسوع: (أنا والآب واحد)، متسائلين هل قالها يسوع حرفياً ام ان الإنجيلي نقل ما فهمه البعض من ان يسوع قد قاله ؟!!!

[52] A Historical Introduction to The Early Christian Writings, Bart D. Ehrman, p489

[53] The Case for The Real Jesus, Lee Strobel, p73

[54] What is Redaction Criticism?, N. Perrin, p69

[55] The Original Form Of The Lord’s Prayer, Andrew J. Bandstra, CalvTJ 16 (1981), p31

Advertisements

One thought on “الصلاة الربانية والكذب المقدس”

  1. السلام عليكم ورحمة اللة وبركاتة موضوع رائع ومتميز كالعادة هلا حققتم في وصية المسيح المنسوبة وهي حمل العصا او عدم حملها وشكرا

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s