السير إسحاق نيوتن: نظراتٌ في فكره الديني

هيثم سمير ([1])

إسحاق نيوتن (25 ديسمبر 1642 – 20 مارس 1727)، عالم الرياضيات والفيزياء الغني عن التعريف، فهو أحد أهم العلماء على مر التاريخ. ولد في مقاطعة لينكونشير في إنجلترا. التحق بالمدرسة الملكية ودرس فيها الرياضيات والكلاسيكيات والكتاب المقدس. وبالرغم من أنه كان الأول بين أقرانه من الطلاب، إلا أن مدرسه كان يعتقد إنه مصاب بنوع من التوحد. التحق بعد ذلك بكلية الثالوث بجامعة كامبريدج عام 1661. درس فيها أفلاطون وأرسطو، والعلوم الكلاسيكية مثل المنطق والأدب والتاريخ. لكنه أبدى اهتماما كبيرا بعلوم الميكانيكا الحديثة، فاهتم بدراسة كوبرنيكوس، جاليليو، ديكارت وروبرت بويل. أكمل دراساته العليا في كامبريدج، وأثناء دراساته، اخترع حساب التفاضل والتكامل (Calculus)، اكتشف الطبيعة غير المتجانسة للضوء (the heterogeneous nature of light) والميكانيكا السماوية. نشر نتائج أبحاثه في كتابه الشهير المبادئ (Principia) عام 1687م، وكتاب البصريات (Opticks) عام 1704م.

بعد هذه المقدمة التعريفية الصغيرة، ننتقل إلى الجانب المجهول عند الغالبية العظمى، من حياة نيوتن.

يقول دافيد بروستر: «إذا لم يشتهر السير إسحق نيوتن كعالم رياضيات وفيلسوف طبيعي، كان سوف يشتهر كلاهوتي مرموق»([2]).

لعلك تتعجب من ذلك الجزم الغريب باعتبار نيوتن لاهوتي، بل لاهوتي مرموق أيضا، فمن أين أتى بروستر بهذا الرأي؟

في 22 فبراير 2003 نشرت جريدة التليجراف اليومية (Daily Telegraph) الشهيرة، في صفحتها الأولى، نبوءة لإسحاق نيوتن، يتوقع فيها نهاية العالم بحلول عام 2060 أو بالأحرى نهاية مرحلة من الحياة على الأرض وبداية مرحلة الحكم الألفي (العيش في سلام ونعيم على الأرض تحت حكم السيد المسيح). وكما يقول الدكتور (Stephen D. Snobelen) – المتخصص في تراث نيوتن – كانت هذه هي المرة الأولى التي يتعرف قطاع واسع من الجماهير على آراء نيوتن التنبؤية، فآراء نيوتن الدينية ظلت طوال الفترة السابقة لهذا الخبر مقصورة على بعض النخبة من المؤرخين والعلماء المهتمين بنيوتن. لكن منذ ذلك الحين تسارعت وكالات الأنباء في نقل هذا الخبر فترجم في جميع أنحاء العالم، وحينها فقط بدأ قطاع أوسع من العامة التعرف على نيوتن بشكل جديد، وتكوين صورة مركبة وأكثر تعقيدا عن شخصيته، فبالإضافة إلى التصور السابق عنه كعالم طبيعي، أصبح ينظر إليه كمفسر للكتاب المقدس، وكلاهوتي. مثلَّ هذا الخبر صدمة للعامة، فوسائل الإعلام التي لعبت دائما دورا في تشكيل لا وعي عند الجماهير، يؤكد على تعارض العلم مع الدين، يأتي الآن ليخبرها بأن نيوتن ذلك العالم الفذ أحد أعظم علماء التاريخ، كان مؤمنا بالله، بل ومؤمن بالكتاب المقدس وأنه كلام الله الموحى به إلى أنبيائه.

كان نيوتن مؤمنا بالله إيمانا راسخا وبالكتاب المقدس والمسيحية، إلا أنه كان رافضا للكنيسة وللالتحاق بها، حتى أنه ترك زمالة كلية الثالوث بكامبريدج، لأن القانون وقتها كان يجبره على الخدمة الكنسية وتقلد منصبا فيها، حتى توسط له أحد الدكاترة ليستثنيه من ذلك الشرط الذي ألغي فيما بعد.

يرى دافيد بروستر، أن رفض نيوتن للالتحاق بالكنيسة، بالرغم من إلحاح الكثير من كبار رجالاتها عليه، كان سببا في أن يحصل على علوم الكتاب المقدس، وكلام الرسل والأنبياء والتعرف على حقيقتهم المجردة، بدون تأثير أو تضليل من أحد، وأن يُكوّن بما حصَّل من العلوم النقية، عقيدته الأوسع والأكثر تسامحا([3]).

من الشائع في الثقافة العامة، أن فيزياء نيوتن تجعل الإله لا داعٍ له، بمعنى أنه لا داعٍ لتدخله في الكون بعد الخلق، حيث يُعتقد أن كتاب المبادئ (Principia)، الذي وضع قوانين الحركة الثلاثة، جعل الإله كصانع الساعة، الذي صنعها ونظم الحركة بين تروسها وعقاربها، ثم تركها بعد ذلك لتعمل وحدها وفق ذلك النظام. تلك النظرة لفكر نيوتن مجحفة ومختزلة، فالآن أصبحنا نعرف أن نيوتن ألّف العشرات من الكتابات الدينية واللاهوتية، نعرف من خلالها كما يقول سنوبيلين([4])، أن الكون عند نيوتن ليس فقط، أنه لم يكن كونا ميكانيكيا، بل كان أيضا ضد هذه الفكرة ويرفضها تماما. بل الأكثر من ذلك فإن نيوتن سعى من خلال كتاب المبادئ أن يخدم اللاهوت الطبيعي، فنجد أن ريتشارد بينتلي (Richard Bentley) أثناء مراجعة بعض أبحاث بويل، من أجل نشر كتابه اللاهوتي الطبيعي الدفاعي([5])، أراد الاستعانة بكتاب المبادئ، فأرسل إلى نيوتن ليأخذ برأيه ويطلب مساعدته، فكان رد نيوتن عليه كالآتي:

«حين كتبت مقالتي عن نظامنا، كان من ضمن أهدافي أن تكون تلك المبادئ مفيدة لأولئك الذين يؤمنون بالله، ولا يوجد شيء يسعدني أكثر من أن أجد نفعها في ذلك الغرض»([6]). وكان يرى أن الإله هو تفسير سببي لعظمة الكون ودقة نظامه الذين، لا يوجد لهم، في رأيه، تفسيرا طبيعيا، فيقول:

«إذا فإن صنع النظام بكل حركته، يتطلب سببا أدرك وقارن بين الكميات المختلفة للمادة في الشمس والكواكب وقوة الجاذبية المترتبة على ذلك […] وإن مقارنة وضبط كل تلك الأجسام المختلفة، يدعو للقول بأن هذا السبب ليس أعمى وليس تصادفيا، لكنه متمكن بشدة من الهندسة والميكانيكا»([7]).

كانت تلك لمحة عن إيمانه بوجود إله خالق مدبر وضابط لنظام هذا الكون ويتدخل بعنايته وعمله في حركته. أما عن ديانته، فكما ذكرنا أنه كان مسيحيا مؤمنا بالكتاب المقدس، نشأ في أسرة بروتستانتية ودرس الكتاب المقدس بالمدرسة الملكية، في مرحلة مبكرة من حياته ساهمت بشكل كبير في تشكيل وعيه، فاستمر شغفه بالدين وإيمانه بالكتاب المقدس، لكن كما كان صاحب رؤية خاصة للكون وللإله فكانت له رؤيته الخاصة في الدين.

 كما يقول بروستر، فإن عقلية فيلسوف مثل نيوتن ترك أثرا في مختلف المجالات، بل فتح بابا جديدا لرؤية حقيقة هذا الكون، تكون لها من الأهمية والخصوصية مكان([8]).

يعتقد البعض أن نيوتن طور عقيدته بنفسه بتأمله الشخصي في الكتاب المقدس، لكن هناك بعض الأدلة تشير إلى أنه بجانب دراسته الذاتية للكتاب ولتاريخ الكنيسة وأقوال الآباء، تأثر أو على الأقل درس بعض الكتابات السوسينيانية وأيضا الآريوسية، أو بشكل أعم الكتابات المضادة للثالوث التي كانت منتشرة في القرن السابع عشر، فيذكر أنه كان يملك ثمانية كتب سوسينيانية منها كتاب “عقيدة الله الواحد” (The Faith of the One God)، وأن صديقه جون لوك، الذي كان يتناقش معه دائما في اللاهوت، كان يملك واحدة من أكبر المكتبات السوسيانية في انجلترا. ولذا، فالبرغم من كونه ليس سوسينيانياً، فقد كان يشاركهم العديد من المعتقدات التي تعتبر هرطوقية في نظر الكنيسة الانجليزية، فمن ضمن العقائد الهرطوقية المشتركة بينه وبين السوسينيانيين، أنهم كانوا يعتقدون أن المسيحية الأولى كانت بسيطة وكانت مستمدة من القراءة الصحيحة للكتاب المقدس، وأن العقيدة الصحيحة تم تحريفها بإقحام الفلسفة اليونانية والميتافيزيقا والتقليد. وبالتالي كانوا ينظرون بعين الريبة إلى كل العقائد غير الكتابية خاصة الفلسفية منها. كل من نيوتن والسوسيانيين كانوا يسعون إلى إيجاد المسيحية المجردة، وكانا يعتبران أن التحريفات اللغوية والمصطلحات المبتدعة هي سبب انقسامات الكنيسة. من ضمن المعتقدات المشتركة أيضا، أن مصطلح الهوموؤسيوس([9]هو آفة شريرة أصابت المسيحية. بالرغم من ذلك فكانوا يعتقدون أن المسيحية الحقة حُفظت فيما بقي خاليا من التحريف لكن لا يمكن أن يصل إليها، فقط إلا نخبة من الباحثين.

في إطار سعيه للوصول إلى المسيحية المجردة، اهتم نيوتن أيضا بالنقد النصي، لنصوص الثالوث، وهو ما ظهر في رسالته (تحريفان مهمان) وهو أيضا اهتمام مشترك بينه وبين السوسينيانيين، حيث أنهم كانوا يريدون محو التحريفات التثليثية المزعومة. كان يؤمن أيضا مثلهم بفناء الروح. كل هذه الاتفاقات العقدية وغيرها لا تعني أن نيوتن كان سوسينيانياً، فعلى خلاف السوسيانيين كان يعتقد بوجود المسيح سابقا للخلق أو (أول المخلوقات)، وهو اعتقاد آريوسي([10]) وليس سوسينياني. وبالتالي يمكن استخلاص أن عقيدة نيوتن كانت مزيج بين السوسيانية والآريوسية، وأنها بشكل عام كانت رافضة للثالوث. وكان ينكر التجسد حيث قال، كما نقل عنه صديقه هوبتن هاينز (Hopton Haynes): »سوف يأتي يوم تصبح فيه عقيدة التجسد ضربا من السخف مثلها مثل عقيدة الحلول.«

من ضمن آرائه الدينية المهمة أيضا كانت نظرته لنبوءات الكتاب المقدس، فكان يقرأ التاريخ جنبا إلى جنب مع نبوءات دانيال وسفر الرؤية، وكان يعتقد “أن الله ليس مقيدا بحدود الزمن، مثل البشر، وهو ما يسمح له برؤية النهاية منذ البدء. ولذا فكان يعتقد أن النبوات المقدسة ليست إلا تاريخ الأحداث القادمة.” ولذلك قام بوضع قواعد تفسير النبوات المقدسة في كتاب لم ينشره عنوانه “Rules for interpreting the words & language in Scripture”

كان هذا بعضٌ يسير من آراء وكتابات نيوتن الدينية، وجدير بالذكر أن مجموع ما كتب في اللاهوت والدين يقارب المليون ونصف كلمة، وهو ما يتخطى كتاباته العلمية. ربما يثير ذلك التساؤل، لماذا لا يعرف أحد هذه الكتابات أو لماذا لم تنتشر أفكار نيوتن الدينية، برغم غزارتها وجدليتها الشديدة، مثلما انتشرت أفكاره وآراؤه العلمية.

يرجع الباحثين السبب في عدم المعرفة تلك إلى أسباب مختلفة منها رغبة نيوتن نفسه، في إبقاء عقيدته سرية حتى وصف بالنيقوديموسي([11]). فكان نيوتن في عصر تجرم فيه الهرطقة وتفقد صاحبها المكانة الاجتماعية، فكان الهراطقة في عين المجتمع وضعاء فاسدون أخلاقيا ومعنويا، وكان إعلان نيوتن لمعتقداته سوف يضعه في حرب وربما كان سيجرده من كل الامتيازات التي كان يتمتع بها: من عمله بالجامعة، ومن لقبه الاجتماعي، ومن مكانته. لذلك، فضل نيوتن كإنسان، طبيعي يبحث عن الاستقرار والابتعاد عن المشاكل أن يبقى على هذه المعتقدات في دائرة صغيرة من أصدقائه.

أحد الأسباب الأخرى الهامة، لعدم انتشار أفكار نيوتن الدينية، أن عائلة بورتسموث (Portsmouth)، أبقت هذه المخطوطات بعيدا عن متناول العامة حتى عام 1936، حين اشتراها أبراهام شالوم حزقيال يهودا (Abraham Shalom Ezekiel Yahuda) في لندن، وحين مات عام 1951، ترك تلك المخطوطات كهدية للدولة الوليدة حين ذاك: إسرائيل، لكن لأسباب ما تأخر وصول تلك المخطوطات إلى إسرائيل، حتى وصلت إلى مكتبتها الوطنية عام 1969.([12]) بقت المخطوطات في المكتبة ولم تنتشر خارج حدودها حتى نسخت على ميكروفيلم عام 1991، ومنذ ذلك الحين بدأ العلماء حول العالم في دراسة كتابات نيوتن وفي إعادة قراءة أفكاره وتاريخه، وفي عام 1998 ظهر للنور مشروع نيوتن (Newton Project)([13]) وهو مشروع معني بتفريغ ونشر كل مخطوطات نيوتن ونشرها مجانا للعامة وللباحثين.

مقال منشور في العدد الثالث من المجلة 


الهوامش:

([1]) أصل هذا المقال مقدمة كتبتها للتعريف بفكر نيوتن الديني ضمن الترجمة العربية لكتابه “وصف تاريخي لتحريف نصين مهمين من الكتاب المقدس: التثليث والتجسد” التي صدرت قبل أيام قليلة عن مركز نماء للبحوث والدراسات (الطبعة الأولى: ديسمبر 2015).

([2]) David Brewster، هو صاحب كتاب: مذكرات، كتابات واكتشافات السير إسحق نيوتن (Memoirs of the Life, Writings, and Discoveries of Sir Isaac Newton) وهو المرجع القياسي لتراث نيوتن بحسب الموسوعة البريطانية.

([3]) Brewster, David, Sir. (1885). Memoirs of the life, writings, and discoveries of Sir Isaac Newton: Edinburgh, T. Constable and Co, P. 315

([4]) Snobelen, Stephen D. (2010). The theology of Isaac Newton’s principia mathematica: A preliminary survey. Neue Zeitschrift für Systematische Theologie Und Religionsphilosophie, 52(4), pp.377-378

([5]) Bentley, Richard. (1692). A confutation of atheism from the origin and frame of the world. Part I : a sermon preached at St. Mary-le-Bow, October the 3d, 1692 : being the sixth of the lecture founded by the Honourable Robert Boyle.

([6]) Newton, Isaac, Sir. (10 December 1692). Original letter from Isaac Newton to Richard Bentley.

([7]) ibid.,

([8]) ibid., p. 514

([9]) وعبارة “هوموأوسيون  تو باترى” (اليونانية) الموجودة فى قانون الإيمان النيقاوى القسطنطينى ترجمتها الدقيقة هى: “له نفس ذات جوهر الآب” (بيشوي).

([10])  بيشوي، المجامع المسكونة.

([11]) نيقوديموس هو أحد اليهود الفريسيين المذكورين في انجيل يوحنا [3: 1 -21؛ 7: 45 -51؛ 19: 39 -42]، وكان تلميذاً سريا للمسيح، ولهذا أصبح من يخفي عقيدته الحقيقية ويظهر عقيدة أخرى، نيقوديموسياً.

([12]) رابط لمخطوطات نيوتن بالمكتبة الوطنية الإسرائيلية: http://web.nli.org.il/sites/nli/english/collections/humanities/pages/newton.aspx

([13])رابط لموقع مشروع نيوتن: http://www.newtonproject.sussex.ac.uk/prism.php?id=1

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s