شيخ الإسلام زكريا الأنصاري وتراثه المهجور

علاء عوض

يُظهِر تراث كل أمة من الأمم تفوقَها العلمي ومدى تطوره عبر تاريخها، خاصةً لو كانت هذه الأمة ذات حضارة عريقة كالأمة الإسلامية. ويعكس مدى محافظتها على هذا التراث اهتمامها بتراثها واستفادتها منه.

وامتاز التراث الإسلامي بالعلماء المصنفين في شتى فنون المعرفة، وبروزِ المصنفين المكثرين من التأليف بحيث جاوزت مؤلفات بعضهم الخمسين مؤلفًا وبعضهم تعداها إلى المئة، فمن هؤلاء: أبوالفرج ابن الجوزي (597هـ)، ابن تيمية (728هـ)، الذهبي (748هـ)، ابن القيم (751هـ)، ابن حجر العسقلاني (852هـ) في آخرين.

وكان من هؤلاء المكثرين: العالم الكبير شيخ الإسلام زكريا بن محمد الأنصاري الشافعي (926هـ)، قاضي القضاة بمصر، والقائم على التدريس بمقام الإمام الشافعي والنظر على أوقافه، اجتهد الشيخ في طلب العلم مذ كان يافعًا، رغم فاقته وشدة حاجته، ولم يمنعه هذا من الجد والتحصيل والأخذ عن علماء عصره([1]).

فقد دَرَس الشيخ على جِلة من الأئمة، أبرزهم: شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني المحدث المشهور (852هـ)، محيي الدين الكافيجي الحنفي إمام العربية في زمانه (879هـ)، جلال الدين المحلي الفقيه الأصولي المشهور صاحب التصانيف (864هـ)، في آخرين يطول ذكرهم.

وأذن للشيخ كثيرٌ من شيوخه بالتدريس والتصدر، فتصدر في حياتهم للإفتاء والتدريس، فتخرّج به أعيان المذهب الشافعي بعده ومَن أصبحوا في حياته علماء أجلاء، فمِمَّن نبغ منهم:

– فقيه مصر ومقدم الشافعية بها: شهاب الدين أحمد الرملي (957هـ).

– شمس الدين محمد بن أحمد بن حمزة، ابن شهاب الدين الرملى المتقدم الذكر، فقيه مصر وإمام الشافعية بها وإليه المرجع في الفتوى على المذهب الشافعي، وقيل: إنه مجدد القرن العاشر.

– الشيخ العلامة الإمام مفتي الحجاز وعالمها، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي الشَّافِعي ( 973 هـ‍ أو 974 هـ)، وإليه مرجع الشافعية في الحجاز واليمن.

وغيرهم كثير ضربنا عنهم الذكر صفحًا؛ كي لايطول بنا المقال، والإشارة تكفي بمثل هؤلاء النُجُب؛ كي يتبين قدر شيخ الإسلام زكريا رحمه الله.

لم يكن ميدان التدريس هو الميدان الوحيد الذي ضرب فيه الشيخ بسهم، بل ضرب أسهمًا أخرى في ميادين عدة، أهمها التأليف، فاشتهر الشيخ زكريا بكثرة المصنفات، وكان مما يمتاز به التنوع في التأليف في الفنون المختلفة، فصنّف في الفقه والحديث والتفسير والقراءات والتجويد وأصول الفقه والمنطق والهندسة وغيرها.

وقد لاحظ العلماء مزية مؤلفاته وجودة سبكه للمعاني، فالسخاوي وهو يترجم له قال: «…ورويّته أحسن من بديهته، وكتابته أمتن من عبارته»([2])، وذكر النجم الغزي  أنه: «أُعطي الحظ في مصنفاته وتلاميذه.. »([3]).

وتفاوتت جودة مؤلفات الشيخ بسبب توسعه في التأليف في العلوم المختلفة التخصصات، فليست كل مؤلفاته على ساق واحدة في الجودة، ولعل هذا ما لاحظه العيدروس حين قال: «ويقرب عندي أنه المجدد على رأس القرن التاسع لشهرة الانتفاع به وبتصانيفه واحتياج غالب الناس إليها، فيما يتعلق بالفقه وتحرير المذهب [أي: الشافعي] بخلاف غيره، فإن مصنفاته وإن كانت كثيرة فليست بهذه المثابة، على أن كثيرًا منها مجرد جمع بلا تحرير حتى كأنه حاطب ليل»([4]).

ويلحظ المتتبع لتراث الشيخ زكريا: أنه كان ينتقي من كل علم مصنفًا يُعدُ عند أهله هو الجامع لمسائله، ثم يعكف عليه إما بالاختصار أو بالشرح أوالتحشية، أو الجمع بين اختصاره ثم شرحه أو التحشية على ذلك المختصر، ولذلك أمثلة منها:

– منهاج الطالبين للنووي، وهو المرجع الأساس عند متأخري الشافعية، وقد قام الشيخ باختصاره في (منهج الطلاب)، ثم قام بشرحه في (فتح الوهاب).

– جمع الجوامع للسبكي في أصول الفقه، وهذا الكتاب عكف عليه المتأخرون من مختلف المذاهب بحيث كثرت عليه الشروح والحواشي، وقد قام الشيخ بالتحشية على شرح المحلي للكتاب، ثم قام باختصار الكتاب نفسه وسماه (لب الأصول)، ثم شرح هذا المختصر في (غاية الوصول إلى شرح لب الأصول).

– ألفية الحافظ العراقي في الحديث، وهي من هي في علم مصطلح الحديث، شرحها الشيخ شرحًا متوسطًا، وأسمى الشرح (فتح الباقي بشرح ألفية العراقي).

– ألفية ابن مالك في النحو، وهي عمدة في دراسة النحو، كتب الشيخ زكريا حاشية على شرح ابن الناظم للألفية المعروف بـ(الدرة المضية).

– متن الجزرية، له عليها شرح لطيف، وهي من أمهات كتب التجويد وللمتأخرين بها عناية فائقة.

رغم كل هذا الإنتاج العلمي الغزير للشيخ إلا أنه لم يحظَ في عصرنا بالعناية اللائقة به([5])، إذ أن جُلَّ مصنفات الشيخ لم تحقق تحقيقًا علميًا، بل الغالب خروجها في صورة مطبوعة مصححة مليئة بالتصحيف والتحريف والسقط، وكتبه طارت نسخها الخطية في الآفاق، خاصة مكتبات مصر والعراق والشام وتركيا، فتعج مكتبات هذه الدول – خاصة مصر – بنسخ عديدة من مصنفات الشيخ رحمه الله، فقد تبلغ نسخ الكتاب الواحد مئة نسخة وأكثر! وهذا يدل على أهمية كتبه وكثرت تداولها بعد عصره، ونشير بعد ما سبق إلى بعض مؤلفات الشيخ التي لم تحقق تحقيقًا علميًا؛ فمن أهمها([6]):

1- أسنى المطالب في شرح روض الطالب، وهو شرح على روض الطالب في الفقه الشافعي لابن أبي بكر المقري اليمني، والذي هو مختصر لروضة الطالبين، وقد ختم شيخ الإسلام تحقيقه بين يدي مؤلف المتن الشيخ المقري وذلك في سنة 892هـ، وهو شرح حافل نفيس، واعتنى العلماء به أيما عناية واشتغلوا به إقراءً وتدريسًا في الأزهر وغيره من معاهد العلم زمانًا مديدًا، وكتبوا عليه الحواشي والتحريرات، ومن أجلها حاشية العلامة شهاب الدين أحمد الرملي التي جردها الشيخ شمس الدين الشوبري، طبع بالمطبعة الميمنية بالقاهرة سنة 1313ه، ولهذا الشرح نسخ خطية عديدة أهمها:

  • نسخة مكتبة (أحمد الثالث)، رقم (1/740) و (3/740)، بتاريخ 900هـ.
  • نسخة مكتبة الأوقاف العامة ببغداد، رقم (3560)، بتاريخ 942هـ.
  • نسخة مكتبة (Chester Beatty)، رقم (5405) و (5406)، بتاريخ 900هـ، ونسخة أخرى رقم (5410) بتاريخ 930هـ، ونسخ هذا الكتب كثيرة اقتصرنا على أهمها.

2- الغرر البهية في شرح البهجة الوردية، وهو شرحه الكبير على النظم المسمى: بهجة الحاوي، والمشهور بـ(البهجة الوردية) لابن الوردي (747هـ)، الذي نظم فيه الحاوي الصغير لنجم الدين القزويني، وهو كتاب حافل نفيس، اعتنى به العلماء إقراءً وتدريسًا وكتبوا عليه الحواشي والتقارير فمنها: حاشية شهاب الدين أحمد بن قاسم العبادي، وحاشية العلامة الشيخ عبد الرحمن الشربيني وتقريره أيضًا على الحاشية، وقد طبع الكتاب مع تلكما الحاشيتين وذلك التقرير في خمسة مجلدات كبار بالمطبعة الميمنية بالقاهرة سنة 1318ه، وهذا الكتاب من الكتب التي اهتم الشيخ بتحريرها حتى أنه «قرئ عليه شرحه على البهجة سبعًا وخمسين مرة حتى حرّره أتم تحرير»([7])، ولذا كثرت نسخ هذا الكتاب ومن أهمها:

  • نسخة مكتبة (Chester Beatty)، رقم (3432) بخط مؤلفها الشيخ زكريا رحمه الله، كما في فهرس المكتبة.
  • نسخة مكتبة (Chester Beatty)، رقم (3421)، بتاريخ 901-902ه.
  • نسخة المكتبة السليمانية بتركيا، قسم البابنيان رقم (8/57) و (8/58)، بتاريخ 904هـ و 920هـ على التوالي.

3- خلاصة الفوائد المحوية في شرح البهجة الوردية، وهو مختصر من الشرح السابق ويعرف بالشرح الصغير للبهجة، ونسخه بالمكتبة الأزهرية، وبالموصل نسخة بعد وفاة المؤلف بمئة سنة تقريبًا.

4- تحرير تنقيح اللباب، وهو مختصر تنقيح اللباب لابن العراقي (826هـ) الذي اختصره من اللباب للإمام المحاملي (415هـ).

5- تحفة الطلاب شرح تحرير تنقيح اللباب، وهو شرح على المختصر السابق، ونسخه الخطية كثيرة جدًا، من أهمها:

  • نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق، رقم (8964)، بتاريخ 969هـ.
  • نسخة مكتبة جامعة الرياض، رقم (719)، بتاريخ 996هـ.
  • نسخة (آية الله نجفي) بإيران، رقم (2243)، بتاريخ 971هـ، ولهذا الكتاب نسخ خطية كثيرة بمكتبة (الأزهر) و (دار الكتب المصرية) تفوق الحصر.

6- فتح الوهاب شرح منهج الطلاب، وهو شرحه على مختصره من كتاب منهاج الطالبين للنووي، وقد اعتنى العلماء بهذا الشرح وقُرر على الطلبة في الأزهر ودُرّس لسنين، وكثرة نسخه الخطية منبئة على شدة العناية به، ففي المكتبة الأزهرية قرابة المئة نسخة لهذا الكتاب الجليل، ومن أهم نسخه:

  • نسخة المكتبة الأزهرية، رقم (20591)، بتاريخ 974هـ.
  • نسخة المكتبة الأزهرية، رقم (5575)، بتاريخ 960هـ.
  • نسخة المكتبة الأزهرية، رقم (6105)، بتاريخ 966هـ.
  • نسخة المكتبة الأزهرية، رقم (3393)، بتاريخ 961هـ.
  • نسخة مكتبة جامعة الرياض، رقم (823)، بتاريخ 936هـ.
  • نسخة مكتبة (آية الله نجفي) بإيران، رقم (2180)، بتاريخ 967هـ.

7- حاشية على شرح جمع الجوامع في أصول الفقه، من نسخه:

  • نسخة جامعة الكويت، رقم (1291)، بتاريخ 911هـ، ونسخة أخرى بها، رقم (1288)، بتاريخ 911هـ.
  • نسخة (مدرسة الحاج زكريا) بالموصل، رقم (3/6)، بتاريخ 913هـ.

8- حاشية نفيسة على تفسير البيضاوي، ولها نسخ خطية عديدة منها:

  • نسخة مكتبة (فيض الله أفندي)، رقم (116)، بتاريخ 976هـ.
  • نسخة المكتبة القادرية، رقم (76)، بتاريخ 963هـ.
  • نسخة المكتبة الظاهرية، رقم (4473)، بتاريخ 975هـ.
  • نسخة مكتبة أحمد الثالث، رقم (125)، بتاريخ 974هـ.

9- المطلع  في شرح إيساغوجي في علم المنطق، وقد طبع قديمًا، ومن نسخه:

  • نسخة بمكتبة (ملي كتبخانة)، بتاريخ 885هـ.
  • نسخة بمكتبة (عاشر أفندي)، بتاريخ 1080هـ.

10- المناهج الكافية في شرح الشافية في علم الصرف، وهو شرح متوسط، من نسخه:

  • نسخة دار الكتب الوطنية بتونس، رقم (7378)، بتاريخ 1047هـ.
  • نسخة مكتبة (آية الله نجفي)، رقم (2987)، بتاريخ 900هـ.
  • نسخة خزانة المدرسة العليا بالرباط، رقم (516)، بتاريخ 1016هـ.

وهذا نذر يسير من مؤلفات هذا العالم الجليل، الذي طارت مؤلفاته في كل مطار وانتفع بها القاصي والداني.

وكلمة أخيرة: بعد التجوال القصير في مصنفات الشيخ زكريا الأنصاري – رحمه الله – تبين لنا أن تراثه متشعب في شتى الفنون، وإخراج مثل هذا التراث تنوء بحمله الجبال، ولا يستطيعه الأفراد، فحريٌ بالمؤسسات الكبيرة أن تتبنى فكرة إخراج مؤلفاته على وجهٍ لائق؛ كي يرى مثل هذا العمل النور، فهل يا ترى يتحقق هذا الأمل؟… أرجو.

مقال منشور في العدد الثالث من المجلة 


الهوامش:

([1]) لترجمة الشيخ انظر: السخاوي، محمد بن عبدالرحمن، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، دار الجيل، بيروت، 3/234.  الغزي، محمد بن محمد، الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1997م، بيروت،1/198. العيدروس، عبدالقادر بن عبدالله، النور السافر عن أخبار القرن العاشر، دار صادر، الطبعة الأولى، 2001م، بيروت، صـ172.

([2]) الضوء اللامع للسخاوي 3/237، مصدر سابق.

([3]) الكواكب السائرة للغزي 1/203، مصدر سابق.

([4]) النور السافر للعيدروس، صـ177، مصدر سابق.

([5]) غالب مصنفات الشيخ زكريا ينطبق عليها هذا الوصف، إلا أن هناك بعض مؤلفاته التي لاقت بعض العناية، منها:

– ثبت شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، صدر عن دار البشائر عام 1431هـ، بتحقيق: محمد بن إبراهيم الحسين، اعتمد فيه على 6 نسخ خطية، وهو تحقيق حسن.

– غاية الوصول شرح لب الأصول، حقق في رسالة جامعية بجامعة أم القرى، عام 1984م، بتحقيق: عبدالله محمد الصالح، ومستوى التحقيق متوسط، والكتاب في حاجة إلى تحقيق جديد.

([6]) للوقوف على بعض مصنفات الشيخ وأماكن تواجد نسخها انظر: الكواكب السائرة 1/203، وقد ذكر الغزي تعداد مؤلفاته وتعداها إلى الأربعين. بلوط، علي الرضا وآخر، معجم التاريخ التراث الإسلامي في مكتبات العالم، دار العقبة/قيصري، تركيا، صـ 1146، ترجمة (3102). شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، ترجمة منشورة على موقع الأزهر.

([7]) الكواكب السائرة1/203.

Advertisements

رأيان حول “شيخ الإسلام زكريا الأنصاري وتراثه المهجور”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s