أرشيف التصنيف: العدد الثالث

منهج المؤلفين في عرض ظواهر الرسم العثماني

أ. د. إياد سالم السامرائي

الحمدُ للهِ العليمِ الحكيمِ، والصلاةُ والسلامُ على خاتمِ الأنبياءِ والمرسلين، معلمِ الناس الخير والهادي إلى سبيلِ الرشادِ، وعلى آلهِ وصحابتهِ أجمعين أما بعد:

فلقد اقتضت الحكمة الإلهية أن تحيط هذا الكتاب العناية الفائقة من قبل المسلمين وعلى أنماط وصور مختلفة، فكانت هناك عناية تتجه إلى تثبيته في الصدور، (بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِ‍َٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ)[العنكبوت: 49]، وعناية موازية تروم ضبطه في السطور، مبالغة في الضبط والتحري، وزيادة في التوثيق والإتقان، فكان حفظه في السطور مواكبًا لحفظه في الصدور، وبهذه العناية الفائقة ذات الوجهين بقي القرآن في مأمن من الضياع والعبث والتحريف لم ينخرم منه حرف، ولم تشذ عنه حركة، وما زال هذا الكتاب الخالد ينتقل على هذه الحال من العناية والرعاية من جيل إلى جيل ومن أفق إلى أفق بصورة فريدة وحيدة تعتمد المشافهة أولا، ويعززها الحفظ في الصدور، والتدوين في السطور، إلى أن وصل إلينا كاملا غير منقوص، محفوظًا من التبديل والتغيير، وقد بذل العلماء في ذلك جهودًا كبيرة، خلفت لنا مئات الكتب التي تصف لنا ظواهر الرسم في المصاحف العثمانية.

والمتصفح لهذه الكتب يجد أن العلماء  قد تناولوا ظواهر الرسم العثماني وفق مناهج أربعة، وهي:

المنهج الأول – منهج الأصول أو القواعد الكلية: ويقوم هذا المنهج على محاولة جمع ظواهر الرسم العثماني المتشابهة الأمثلة تحت بابٍ أو فصلٍ واحدٍ، فيجمع ظاهرة الحذف في بابٍ أو فصلٍ محددٍ، وظاهرة الزيادة في بابٍ أو فصلٍ آخر وهكذا، ولعلَّ أبرز مثال لهذا المنهج كتاب (هجاء مصاحف الأمصار)([1]) للمهدوي (ت430هـ)، وكتاب (البديع في هجاء المصاحف)([2]) لابن معاذ الجهني (ت في حدود 442هـ)، وكتاب (المقنع)([3]) لأبي عمرو الداني (ت444هـ)، ومنظومة (العقيلة)([4]) للشاطبي (ت590هـ)، ومنظومة (مورد الظمآن في رسم القرآن)([5]) للخراز (ت718هـ)، وغيرها.

ولعلَّ مما يمكن أن ينسب إلى هذا المنهج، ممن صنف في إفراد ظاهرة من ظواهر الرسم، كمن يكتفي بذكر اختلاف المصاحف، أو المقطوع والموصول، ومن أمثلة ذلك كتاب (اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق)، وكتاب (مقطوع القرآن وموصوله) لابن عامر اليحصبي (ت118هـ)، وكتاب (اختلاف مصاحف أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة)، وكتاب (مقطوع القرآن وموصوله) للكسائي (ت189هـ)([6])وغيرها.

المنهج الثاني – منهج فرش ظواهر الرسم العثماني: يقوم هذا المنهج على تتبع ظواهر الرسم العثماني من خلال مواضعها في القرآن الكريم ابتداءً من أوَّل الفاتحة إلى آخر سورة النَّاس، وفي كثير من الأحيان يجمع الأمثلة المتناظرة في جميع القرآن عندما يأتي المثال في الموضع الأول منها، ولعلَّ أبرز كتاب تناول ظواهر الرسم العثماني وفق هذا المنهج هو كتاب (مختصر التبيين لهجاء التنزيل)([7]) لأبي داود سليمان بن نجاح (ت496هـ).

المنهج الثالث – منهج الجمع بين الأصول أو القواعد الكلية وفرش ظواهر الرسم: يقوم هذا المنهج على تجزئة ظواهر الرسم العثماني على قسمين، قسم الأصول أو القواعد الكلية، وقسم فرش الرسوم، يجمع في القسم الأول الظواهر المتشابهة في أبوابٍ أو فصولٍ أو قواعدَ كليةٍ، ثم يستعرض في القسم الثاني ظواهر الرسم مرتبة على سور المصحف، ولعلَّ أبرز مثال على ذلك كتاب (المختصر في مرسوم المصحف الكريم)([8]) للعقيلي (ت623هـ)، وكتاب (الجامع لما يحتاج إليه من رسم المصحف)([9]) لابن وثيق الأندلسي (ت654هـ)، وكتاب (جامع الكلام في رسم مصحف الإمام)([10]) للفلكآبادي (ت799هـ) وغيرها.

المنهج الرابع – المنهجُ المعجميُّ: ويقوم هذا المنهج على جمع ظواهر الرسم العثماني من خلال جذر الكلمة المعجمي ترتيبًا هجائيًّا على طريقة المعاجم اللغوية، ولعلَّ أبرز من انتهج هذا المنهج الدكتور بشير الحميري في معجمه (معجم الرسم العثماني)([11]).

مقال منشور في العدد الثالث من المجلة 


الهوامش:

([1]) حققه الدكتور محيي الدين رمضان في مجلة معهد المخطوطات العربية، ثم أعاد تحقيقه الدكتور حاتم صالح الضامن وطبع في دار ابن الجوزي في الرياض سنة ( 1430هـ).

([2]) حققه الدكتور غانم قدوري الحمد ونشر في مجلة المورد سنة (1407هـ)، ثم طبع في دار عمَّار في عَمَّان سنة (1421هـ).

([3]) صدر بأكثر من طبعة وتحقيق، ولعل أفضلها إلى الآن بتحقيق الدكتور حاتم صالح الضامن وطبع في دار البشائر في لبنان سنة (1432هـ).

([4]) صدر بأكثر من طبعة وتحقيق، ولعل أفضلها إلى الآن بتحقيق الدكتور أيمن رشدي سويد، وطبع بدار نور المكتبات في جدة سنة (1422هـ).

([5]) صدر بأكثر من طبعة وتحقيق، ولعل أفضلها إلى الآن بتحقيق الدكتور أشرف محمد فؤاد طلعت، وطبع في مكتبة الإمام البخاري في مصر سنة (1427هـ).

([6]) وهذه الكتب ماتزال مفقودة، ذكرها النديم في الفهرست 38-39.

([7]) حققه الدكتور أحمد شرشال، وطبع بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة سنة (1423هـ).

([8]) وهو مختصر لكتاب (المقنع) للداني، وطبع بتحقيق الدكتور غانم قدوري الحمد في دار عمَّار في عَمَّان سنة (1429ه )، ثم طبع بتحقيق محمد الجنايني تحت عنوان (مرسوم خط المصحف) في دار طيبة الخضراء – وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية سنة (1430هـ).

([9]) طبع بتحقيق الدكتور غانم قدوري الحمد، في دار عمَّار في عَمَّان سنة (1429هـ).

([10]) وأعمل على تحقيق الكتاب منذ زمن.

([11]) صدر من مركز تفسير للدراسات القرآنية في الرياض سنة (1436هـ).

Advertisements

شاهد على التحريف: دياتسرون تاتيان

أيمن تركي

«الدياتسرون يشهد للإنجيل بأوجهه الأربعة باعتباره الإنجيل الواحد»

– عبد المسيح بسيط أبو الخير

أشوري تلميذ الفلسفة البربرية، هكذا وصف نفسه تاتيان في كتابه “مقالة إلى اليونانيين”([1])، وهو المؤلَّف الذي يُظهر فيه تاتيان صفاته بأنه شخص (قوي الإرادة) كما يصفه بذلك العالم ويليام بيترسين([2]). لا يخبرنا التقليد المسيحي الكثير عن حياة تاتيان إلا من بعض الشذرات المذكورة عند آباء الكنيسة الأوائل من باب التحريض ضد فكره الهرطوقي، فقد ولد تاتيان لأبوين وثنيين([3]) وكان كثير الترحال ومطالعة الشعائر الدينية المختلفة([4])، ووفقاً لشهادة ايريناوس فإن تاتيان غادر بلاده إلى روما ليستمع من يوستينوس الشهيد ويتتلمذ على يده([5]) بينما يخبرنا إبيفانيوس بأنه بعد مغادرته روما توجه إلى الشرق حيث بدت تعاليمه تلقى الاهتمام الشديد([6]). وبحسب وصف يوسابيوس القيصري فقد كان تاتيان غزير الكتابة([7]).

هرطقة تاتيان كانت ولا تزال محل مجادلات الكثير من علماء المسيحية بسبب تناقضاتها التاريخية، فوفقاً لشهادة ايريناوس السابق ذكرها فإن تاتيان لم يُظهر أي ميول هرطوقية مخالفة لتعاليم الكنيسة إلا بعد استشهاد يوستينوس([8])، مبيناً أنه، أي تاتيان، نادى بعدم خلاص آدم – عليه السلام – وأن الزواج هو نوع من الفساد والزنى مؤسساً بذلك طائفة تدعى الإنكراتيين (Encratites) تنتمي إلى مجموعة الغنوسيين المسيحيين([9])، بينما يخبرنا جيروم بأنه رفض كذلك اللحم والخمر([10]) وعلى غرار الهرطوقي ماركيون فإنه رفض قانونية بعض رسائل بولس([11])، لكن يوسابيوس لم يقصر فعل تاتيان على الإنكار فقط وإنما نقل مقولة البعض من أنه: «تجاسر على تحليل بعض كلمات للرسول لتحسين أسلوبها»([12])، إلا أنه ومع طبيعة معظم التقاليد المسيحية القديمة فإن هناك على الدوام صورة أخرى قد تبدو مناقضة لتلك الأقوال عن تاتيان([13])، فعلى سبيل المثال ينقل لنا المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري كيف أن رودو، وهو أحد تلاميذ تاتيان، كتب دفاعاً ضد هرطقة ماركيون([14])، وبشكل مختلف تماماً فإن يوسابيوس نفسه يخبرنا أن تاتيان هو “أخ” له مؤلفات ضد أعداء الكنيسة: «وهناك كتابات لبعض الإخوة أسبق عهداً من فيكتور، كتبوها دفاعاً عن الحق، وضد الوثنيين، وضد الهرطقات التي كانت في أيامها …»([15]). إضافة إلى ذلك، فإن الأغلبية الآن من علماء المسيحية يرون أن الإشارة التعبيرية بلفظة أشوري كواحد من معلمي إكلمندس السكندري بمقدمة كتابه المُسمى “ستروماتا” هي في الحقيقة تعود إلى تاتيان([16])، وفي الوقت الذي يشير اكليمندس السكندري إلى أن تاتيان رغب في إلغاء شريعة العهد القديم كما لو كانت من إله آخر([17]) فإن ما يظهر من كلام تاتيان نفسه عن أثر كتابات العهد القديم في تحوله إلى المسيحية يناقض هذا القول تماماً حيث يقول في كتابه”مقالة إلى اليونانيين” ما نصه: «وقعت في يدي كتابات قديمة جداً مقارنة بآراء اليونانيين، وإلهية جداً على أن تقارن بضلالهم، وقد قادني عدم تكلف هذه الكتابات، وشخصية كُتابها غير المصطنعة، ومعرفتها المُسبقة بأحداث المُستقبل، ونوعية وصاياها الممتازة، وإعلانها عن أن مقاليد الأمور في الكون تتمركز في يد كائن واحد، إلى أن أؤمن بها»([18]).

الجدير بالذكر أن “مقالة إلى اليونانيين” قد اختلف العلماء كثيراً في تقرير وقت كتابتها ما بين 150 و178م وذلك نظراً لتقليد ايريناوس المذكور سابقاً من أن تاتيان لم يُظهر الميول الهرطوقية إلا بعد استشهاد يوستينوس والذي يقدره العلماء بالفترة ما بين 160 و166م وهذا معناه أن أي إقرار لتأريخ هذا العمل قبل هذا التاريخ يُعتبر طعنة في موثوقية تقليد ايريناوس([19])، خصوصاً وأن العلماء يرون أن آباء الكنيسة اللاحقين عليه قد اعتمدوا بشكل أساسي في رؤيتهم لتاتيان على شهادته لدرجة أن يوسابيوس نقل رؤيته عن هرطقة تاتيان بشكل شبه كامل عن تقليد ايريناوس([20]).

كتاب الدياتسرون

على الرغم من وجود تقاليد بكتابات الآباء تُظهر أن لتاتيان الكثير من الكتابات([21]) إلا أن التاريخ لم يحفظ لنا من تلك الكتابات سوي كتابين فقط وهما “مقالة إلى اليونانيين” و”الدياتسرون”. المثير للاستغراب هو أن يوسابيوس قد أشار إلى كتاب تاتيان الأول على أنه الأشهر والأكثر استعمالاً بين أشخاص كثيرين بل هو «أفضل كتبه وأنفعها»([22](، على الرغم من ذلك فإن هذا الكتاب لم يرد في أي مخطوط أقدم من المخطوط (Arethas) والذي يعود للعام 912-913م فضلاً عن أنه لم يرد إلينا في أي من كتابات الآباء القدامى عدا يوسابيوس واكلمندس السكندري فقط([23]). بالمقابل فإن العالم بيترسين يخبرنا أن قراءات الدياتسرون توجد بما لا يقل عن 170 مخطوط أو عمل آبائي([24]). فضلاً عن أنه على النقيض تماماً من العمل الأول والذي لم يتواجد سوى في أصله اليوناني فقط، فإن الدياتسرون قد تواجد في لغات كثيرة للدرجة التي وضعت علماء المسيحية أنفسهم في موضع اختلاف حول اللغة الأصلية للدياتسرون([25]) بين اليونانية([26]) أو اللاتينية([27]) أوالسريانية([28]).

الدياتسرون كلمة يونانية تعني (خلال أو عبر الأربعة أناجيل) كمضمون للإنجيل التوافقي الذي قام به تاتيان([29])، لكن بعض العلماء يرى أن هذا التعبير ليس بالضرورة معبراً عن واقع الحال لأن الأبحاث أظهرت أن إنجيل تاتيان يحتوي على قراءات لا توجد اليوم في أي من الأناجيل القانونية الأمر الذي يعني أن الإنجيل التوافقي لتاتيان لم يعتمد على أربعة مصادر فقط وإنما تعداه إلى مصادر أخرى متعددة كإنجيل توما([30]) وإنجيل العبرانيين وإنجيل الإبيونيين وغيرهم([31])، علاوة على ذلك فإن عمل تاتيان كان عنوانه في الشرق الإنجيل المختلط([32]) حتى أن المترجم السرياني لتاريخ يوسابيوس قام متعمداً بتحريف كلام يوسابيوس([33]) لأن كلمة دياتسرون  اليونانية كانت تتطلب تفسيراً الأمر الذي يعني أنها لم تكن مألوفة لهذا المترجم وأن عنوان الإنجيل التوافقي لتاتيان كان في الحقيقة هو الإنجيل المختلط([34]).  الأمر ذاته عند الأسقف فيكتور من كابوا والذي وجد مخطوطاً يحوي نصاً توافقياً للإنجيل بدون عنوان أو اسم مؤلف وبعد بحث ذهب فيكتور إلى نتيجة أن هذا الإنجيل هو إنجيل تاتيان التوافقي على أنه قد سماه Diapenta اى “خلال الخمسة أناجيل” وليسDiatessaron  يضاف إلى ذلك الصمت الغريب من قبل آباء الكنيسة أمثال ايريناوس وترتليان وأوريجانوس واكلمندس السكندري عن الإشارة إلى هذا العمل خصوصاً وأن الأخير كان يُعد من تلاميذ تاتيان([35]).

أدلة نص الدياتسرون([36]):

أثار الانتشار القوي للدياتسرون بالكنيسة السريانية في منتصف القرن الخامس الميلادي([37]) مخاوف ثيودورت أسقف قورش([38]) من تأثير هرطقة تاتيان على إيمان تلك الكنائس([39]) فقام بجمع ما يزيد عن 200 نسخة مما سماه إنجيل الدياتسرون من الكنائس المحيطة ودمرها مستبدلاً بها الأناجيل الأربعة المنفردة([40])، هذا الفعل زامنه إصدار ربُّولا الرهاويّ أسقف أديسا لعدة قوانين منها إلزام الكهنة والشمامسة بالمحافظة على وجود الأناجيل الأربعة المنفردة بالكنيسة وقراءتها([41])، هذا الاتجاه العدائي تجاه كتاب الدياتسرون من قبل آباء الكنيسة بالقرن الخامس كان كافياً لدى العلماء للتأكيد على أنه كان سبباً مباشراً اليوم في ضياع النص الأصلي للدياتسرون([42]).

ولأنه وكما هو الحال في العهد الجديد فإن الدياتسرون: «لا تتفق واحدة من مخطوطاته مع أخرى بشكل كامل لا ترتيباً ولا نصاً. هي ليست ترجمات مختلفة إذا جاز التعبير عن الدياتسرون. إنما الوصف المناسب هو أنها نسخ أو طبعات منقحة»([43]).

ومع تنوع المصادر لنص الدياتسرون المفقود فإن العلماء يرون أن الطريقة المثلى لتصنيف تلك المصادر هو التصنيف الجغرافي:

أولاً: المصادر الشرقية

– أحد المصادر الأساسية في محاولتنا استعادة النص المفقود هو تفسير أفرام السرياني المكتوب بالقرن الرابع، هذا العمل يتوافر اليوم عبر مصدرين: الأرمينية من خلال مخطوطتين تعودان لعام 1195م([44])، السريانية وفقاً لمخطوط واحد يعود إلى نهاية القرن الخامس أو بداية القرن السادس([45]). وفقاً لمحرر تلك المخطوطات Leloir فإن النص الأرميني يقدم شهادة أفضل من النص السرياني لتفسير أفرام([46])، المشكلة الرئيسية التي تواجه العلماء في تحليل وفصل نص الدياتسرون هو أن طبيعة المصدر نفسه عبارة عن “تفسير” الأمر الذي يجد معه العلماء صعوبة بالغة في تحديد وفصل قراءة الدياتسرون عن تعليقات أفرام نفسه([47])، علاوة على ذلك فإن أفرام نفسه متهم من قبل بعض العلماء بتحريف نص الدياتسرون الذي كان بين يديه، حيث يقول العالم ماثيو بلاك: «مثل معاصريه فإن أفرام يظهر حراً في اقتباساته مع إضافات وحذف وتعديل وعدد قليل من الاقتباسات توسعت»([48]) وهو نفس تأكيد عالم دراسات الدياتسرون الشهير Baarda حيث يقول: «ثانياً يجب أن نأخذ في الاعتبار إمكانية أنه لسبب ما فإن مار أفرام نفسه صحح قراءة الدياتسرون القديمة بينما كان يكتب تفسيره»([49])، كما يجب أن يؤخذ في الاعتبار أنه على الرغم من عادة أفرام في الاقتباس من الدياتسرون([50]) فإن هناك من الدلائل والإشارات ما يفيد بأن أفرام كان على أقل تقدير لديه نسخة يستخدمها من الأناجيل الأربعة المنفردة([51])، على أي حال فإن تفسير أفرام يستمد أهميته كشاهد رئيسي للدياتسرون من عدة نقاط أساسية من أهمها:

  • تشابه الترتيب النصي مع ما هو معروف عن ترتيب النص بالدياتسرون([52]).
  • قرب زمنه من التاريخ الأصلي لجمع الدياتسرون.
  • بالإضافة إلى أن لغته الأصلية السريانية هي نفس لغة الدياتسرون وفقاً لرؤية الأغلبية العظمى من العلماء اليوم([53]).

– المصدر الرئيسي الثاني لنص إنجيل تاتيان هو الدياتسرون العربي، ينحدر الدياتسرون العربي عبر ما يزيد عن 7 مخطوطات و شذرات مختلفة تتراوح أعمارها الزمنية بين القرن الـ12 والـ19 الميلادي. أقدم تلك المخطوطات هو المخطوط الفاتيكاني رقم 14 ويرمز له بحرف A والمخطوط الفاتيكاني 250 والذي يعود للقرن 14ميلادي أو للقرن 16 ميلادي كما يري العالم Kahle([54]( ويرمز له بالحرف B، وفقاً لأبحاث العلماء فإن هذه المخطوطات تصنف داخلياً إلى عائلتين: الأولى وهي المخطوط A ومعها بعض الوريقات من مخطوط بيروتي يعود لعام 1332م، والثانية المخطوط B ومعه مخطوط E من المكتبة البطريركية الأرثوذكسية القبطية في القاهرة ويعود لعام 1795م ومخطوط O من مكتبة جامعة اوكسفورد ويعود لعام 1806م ومعهم مخطوطات Sbath بأرقام 1020 و1280 وتعودان لعام 1797م والقرن الثامن على الترتيب. مع الإشارة إلى أن مخطوطات العائلة الثانية أفضل نصياً من مخطوطات العائلة الأولى([55](، ومع وجود بعض الاختلافات الواضحة بين تلك المخطوطات (كاختلافهم في إدراج سلسلة نسب يسوع([56]( كجزء من النص أو كملحق بعد انتهاء النص)( ([57]فإن مهمة استعادة النص الأصلي للنموذج السرياني المستخدم في إنتاج تلك الترجمة أمر صعب للغاية([58]( خصوصاً وأن الترجمة نفسها قد عانت كثيراً من التلوث النصي عن طريق إحلال القراءة الأصلية لإنجيل تاتيان بنص الترجمة السريانية البسيطة([59](، وهو الأمر الذي انحدر بقيمة ذلك الشاهد في عملية استعادة نص الدياتسرون كما يقول العالم Lake: «فاسد للغاية وقيمته ضئيلة جداً في استعادة النص الأصلي للدياتسرون»([60](، رغم ذلك فإن الترجمة العربية لا تزال تتضمن الكثير من قراءات الدياتسرون الهامة خصوصاً تلك التي تخالف نص الترجمة البسيطة أو التي تتفق فيها مع السريانية القديمة واللاتينية القديمة مثل قراءة نص إنجيل مرقس الإصحاح الثامن العدد 32 حيث يقول النص الحالي: “ويقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم. وقال القول علانية” إلا أنه وفقاً للدياتسرون العربي-  بالإضافة إلى اتفاق المخطوط السرياني القديم S مع ممثل اللاتينية الأفريقية القديمة المخطوط K – فإن النص يقول: “ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم ويقول الكلمة علانية” تلك النبوة المثيرة لم ولن تجد طريقها إلى أي نص مطبوع نظراً لفكرها اللاهوتي المخالف لما عليه الكنيسة الأن من أن يسوع بعد قيامته لم يظهر متحدثاً بشكل علني للناس. رغم ذلك فإن هناك من العلماء من يرى صحة القراءة مثل العالم Burkitt([61](، خصوصاً وأن هذا الاتفاق المخطوطي الجغرافي يعارض أن الأمر مجرد مصادفة عابرة ويقوي فكرة أنها قراءة تاتيان([62](.

– المصدر الثالث للشهود الشرقيين لنص إنجيل تاتيان هو النص الفارسي والذي ينحدر لنا عبر مخطوط واحد فقط يعود لعام 1547م نسخ من مخطوط أقدم يحتمل أنه يعود للقرن الـ13م([63](، أولى الملاحظات الهامة عند تعامل العلماء مع النص الفارسي هو اختلاف الترتيب السردي للنص عن نظيره من شهود الدياتسرون حيث أن النص الفارسي يبدأ بإنجيل مرقس وليس إنجيل يوحنا([64]( الأمر الذي جعل بعض العلماء يتساءل حول ما إذا كان النص الفارسي شاهداً مباشراً لنص الدياتسرون أم أنه مجرد عمل اعتمد على نص الدياتسرون([65](، رغم ذلك فإن العلماء يرون أن النص الفارسي أفضل كثيراً من النص العربي ويحتوي أكثر منه على قراءات يرى العلماء أنها تعود فعلا إلى إنجيل تاتيان([66](، الملاحظ أيضاً أنه وفقاً للعالم Messina والذي قام بتحرير النص الفارسي فإن النص يحمل العديد من الإشارات التي تدل على معرفته بإنجيل يعقوب الأبوكريفي([67](، فعلى سبيل المثال وفقاً لنص إنجيل متى الإصحاح الأول العدد 24 فإن النص الحالي يقول: «فعل كما أمره ملاك الرب، وأخذ امرأته» بينما النص الفارسي يقرأ «فعل كما أمره ملاك الرب وحرس مريم»([68](، هذه القراءة فضلاً عن كونها مدعومة من قبل بعض شهود الدياتسرون الآخرين كتفسير أفرام فإنها مدعومة من قبل إنجيل يعقوب الأبوكريفي والذي يرى أن العلاقة بين مريم ويوسف لم تكن علاقة زواج أصلاً وإنما باعتبار يوسف وصياً وحارساً عليها ما يتوافق مع رؤية تاتيان تجاه الزواج([69](.

– كذلك فإن هناك بعض المصادر الشرقية الأخرى والتي يمكن استخدامها في محاولة استعادة نص إنجيل تاتيان، والتي تتضمن اقتباسات الكثير من الآباء السريان مثل  أفراهاط و يشوعداد المروزي الذي وضع تفسيراً اعتمد فيه بشكل كبير على نص الدياتسرون([70]( والشاعر صاحب التراتيل رومانوس([71]( وبعض الأعمال الكتابية بالكنيسة السريانية مثل Liber Graduum([72]( والذي كثيراً ما يقتبس النصوص بنفس أسلوب الدياتسرون، بل حتى ربُّولا الرهاويّ أسقف أديسا – والذي شدد على أهمية الأناجيل المنفردة – لم تخلُ كتاباته من قراءات دياتسرون([73](، إلى ذلك فإن العلماء عادة ما يضيفون المخطوطات السريانية المختلفة كالمخطوط السينائي السرياني والمخطوط السرياني القديم C بالإضافة إلى الترجمة السيريانية الفلسطينية Pal([74](. وبعض مخطوطات الإنجيل العربية التي تحتوي العديد من قراءات الدياتسرون([75](. ومن خلال بعض كتابات ماني فإنه بإمكاننا إضافته إلى شهود المصادر الشرقية([76](.

ثانياً: المصادر الغربية

برغم أن تاريخ الدياتسرون في الكنيسة الغربية أبسط مما هو عليه بالكنيسة السريانية إلا أنه أكثر غموضاً([77]( حيث لا يبدو أن هناك أثراً واضحاً للدياتسرون على كتابات آباء الغرب خلال القرون الأولى([78](. وبرغم عدم تمتعها بقدم بعض المصادر الشرقية إلا أن شهود المصادر الغربية لهم ثقلهم النصي في استعادة نص تاتيان.

– المخطوط Fuldensis هو مخطوط توافقي لاتيني تم نسخه من قبل الأسقف فيكتور من كابوا بإيطاليا بين عامي 541-546م، ما يلفت النظر عند معالجة المخطوط أن الترتيب الإزائي للنص هو ذاته الترتيب الإزائي عند أفرام والنص العربي، الأمر الذي يعني أن نص تاتيان قد صار ذا طبيعة ثابتة على الأقل من الناحية الترتيبية للنص، إلا أنه على النقيض تماماً فإن نص المخطوط Fuldensis يعتبر من شهود ترجمة جيروم الفولجاتا، حيث قام فيكتور بمعالجة النص تماماً كما فعل مترجم النص العربي وتعديله بما يوافقه من نص الفولجاتا([79](.

وبرغم أن النص اللاتيني للدياتسرون عموماً في تلك الفترة المتأخرة قد تمت معالجته على نص الفولجاتا([80]) إلا أنه بشكل أو بآخر فإن المخطوط Fuldensis قد ظل محتفظاً ببعض قراءات الدياتسرون([81])، لكن هذا لم يرفع من قيمته حيث كان قرار العلماء أن هذا المخطوط غير مفيد في عملية استعادة نص الدياتسرون([82](، وعلى غرار أفرام فإن فيكتور لم يعالج فقط نص المخطوط الذي أمامه وإنما أضاف عليه فقرات من المعروف أنها ليست بإنجيل تاتيان مثل سلسلة نسب يسوع فضلاً عن أنه عدل بداية نص الإنجيل ليبدأ بإنجيل لوقا بدلاً من إنجيل يوحنا([83]).

– المصدر الثاني للشهود الغربيين لنص الدياتسرون هو المخطوط Liege، وبرغم أنه يعود إلى نهايات القرن الثالث عشر إلا أنه لعب دوراً فريداً في دراسات الدياتسرون وكان المحور الرئيسي في صراعات العلماء حول اللغة الرئيسية التي كتب بها الدياتسرون([84](، رغم أن بداية ظهورها كان عام 1835م على يد Meijer إلا أن الفضل الأكبر لمعرفتنا الحالية لطبيعة علاقة هذا المخطوط بنص الدياتسرون يعود لأعمال العالم Daniel Plooij([85]( والذي قام بعمل تحرير كامل بهوامش نقدية لهذا المخطوط عبر ثمانية أجزاء([86](، وفقا لـ(Plooij) فإن أهمية هذا المخطوط تعود إلى الأسباب التالية:

  • يحتوي على عدد رائع من القراءات القديمة جداً المرتبطة بالدياتسرون([87](.
  • الكثير من هذه القراءات لا يوجد بالمخطوط Fuldensis الأمر الذي يعني أن هذا المخطوط قد اشتق من اللاتينية القديمة غير المنقحة من قبل نص الفولجاتا.
  • بعض هذه القراءات ذات طبيعة سريانية مما يفيد بأن النموذج الأصلي المشتق منه هذا المخطوط هو بالحقيقة مخطوط سرياني بدون أي وسيط يوناني([88]).

بالإضافة إلى هاتين المخطوطتين فإن هناك بعض الشواهد الغربية الأخرى والتي يمكن أن نلخصها كما يلي:

  • مخطوطات هولندية أخرى – Haare تعود لعام 1400م وStuttgart وتعود لعام 1332م وCambridge وتعود لبدايات القرن الرابع عشر وHaagse وتعود لعام 1473م.
  • المخطوطات الألمانية – Theodiscum وتعود لبدايات القرن الرابع عشر والمخطوط Sangallensis ويعود إلى نهايات القرن التاسع وقصاصات Himmelgarten وSchonbacher ويمثلان الجيل الثالث من الترجمات الألمانية للدياتسرون بعد Theodiscum و Sangallensis.
  • النص الإنجليزي – المخطوط Pepysian ويعود لعام 1400م.
  • النص الإيطالي القديم – ويتوافر عبر مخطوطتين فقط هما Venetian و Tuscan ويعودان للقرن الـ13 أو الـ14م.
  • المخطوط Heliand وهي عبارة عن منظومة شعرية طويلة عن حياة يسوع كتبت في النصف الأول من القرن التاسع.

– المصدر الثالث: القصاصة Dura وهي قطعة صغيرة لا يتعدى طولها الأربعة بوصات مربعة، تم اكتشافها بمدينة دورا أوربوس([89]( بسوريا عام 1933م، ورغم أن القصاصة وجدت بالشرق إلا أن النص الذي بها هو اليوناني ولقدم زمنها ونص اليوناني فإن تلك القطعة قد نالت اهتماماً كبيراً جداً من قبل العلماء في مناقشتهم لقضية اللغة الأصلية لنص إنجيل تاتيان  باعتبارها الشاهد الوحيد لمن يرى أن اللغة اليونانية هي اللغة الأصلية للدياتسرون كالعالم Kraeling([90](. تحتوي القصاصة على 14 سطراً يونانياً متضمنة فقرات من الأناجيل الأربعة وترجمتها كما يلي([91](:

«أم ابنى زبدي وسالومي، وزوجات الذين تبعوه من الجليل حتى شهدوا الصلب. و كان يوم الاستعداد، فالسبت كان قريباً. و عندما حل مساء الاستعداد، اليوم الذي يسبق السبت، جاء رجل عضو في المجمع من الرامة، مدينة باليهودية، يُدعى يوسف، طيب وصالح، تلميذ ليسوع لكن سراً للخوف من اليهود. و كان ينتظر ملكوت الله، هذا الرجل لم يوافق على أغراضهم».

لم يستمر رأي Kraeling أو حتى العالم Burkitt([92]( يتمتع بفرض نفسه على الساحة إذ عالج العالم Plooij([93]) و العالم Baumstark (([94] الأمر سريعاً موضحين أن هذه القصاصة قد ترجمت من السريانية فعلاً، وهو الأمر الذي علق عليه العالم بيترسين قائلاً: «منذ هذا الوقت والأغلبية العظمى من العلماء يوافقون Plooij و Baumstark ويفترضون أن الدياتسرون قد جمع في السريانية»([95]).

تبقى النقطة المدهشة في قضية تلك القصاصة ألا وهي هويتها، ففي الوقت الذي يذهب فيه كافة العلماء المتنازعين حول أصل لغتها إلى توكيد هوية واحدة لها على أنها تخص إنجيل تاتيان([96])، فإن هناك خاتمة أخرى قام بها عدد من العلماء مثل Parker, Tylor and Goodacre مفادها وببساطة أن هذا المخطوط لا يمت بصلة أصلا للدياتسرون وإنما يعود إلى إنجيل توافقي غير معروف. ([97]( الأمر الذي ترتب عليه حذف تلك القطعة من المصادر المستخدمة في عملية استعادة الدياتسرون([98]).

استعادة نص الدياتسرون

نأتي إلى السؤال الأهم في هذا البحث ألا وهو: كيف نحدد هوية القراءة الموجودة بواحدة من هذه المخطوطات المذكورة؟ كيف يمكننا أن نعتبر أن تلك القراءة تعود فعلاً إلى الدياتسرون المفقود وأن تلك القراءة تمثل تقليداً آخر غير تقليد الدياتسرون؟

لكي نحاول الإجابة على هذا السؤال فإننا بحاجة إلى فهم فكرة الإنجيل التوافقي في حد ذاتها والتي لم تكن فكرة احتكارية لإنجيل تاتيان بل بدا واضحاً منذ بدايات القرن الثاني أن تعدد الروايات من منظور مختلف للأناجيل الأربعة يسبب مشكلة كبيرة في الكنيسة الأولى، فها هو أوريجانوس يخبرنا قائلاً: «لو قام أحدهم بدراسة متأنية للأناجيل مع مراعاة التناقضات في الأمور التاريخية، … فإنه سيشعر بالدوار وسيقرر إما أنه سيتخلي عن أية محاولة لإثبات صحة الأناجيل – ولأنه لا يجرؤ على إنكار إيمانه التام ويراعي قصة ربنا فإنه سيقوم باختيار عشوائي لواحد منهم أو سيقبل حقيقة أن هذه الأناجيل الأربعة لا تكمن في النص الحرفي»([99])، الاختلافات بين الروايات المتضاربة إذاً كانت هي المطلب الأول لوجود إنجيل توافقي موحد يجمع نص الأناجيل المنفردة مع نطاق سردي موحد يخلو من أي مشاكل تناقضية، لقد صارت إذاً هي القضية الكبرى([100]) التي تشغل عقل نساخ القرون الأولى([101]). بداية الحل إذاً كانت عند النساخ حيث قاموا بتحريف وتعديل نصوص الأناجيل المختلفة للتوافق مع بعضها البعض للحد الذي رأى فيه العلماء أنه: «التوافق هو أكثر أسباب فساد الأناجيل»([102]) وهو الأمر الذي يعني أنه «لا يوجد مخطوط نجا من درجة ما من الفساد التوافقي في نصه»([103])، لعل أفضل مثال لتوضيح هذا الفكر هو مثال نص الصلاة الربانية والتي قام النساخ بتحرير نص لوقا الأصلي والإضافة عليه ليتوافق مع نص متى([104])، تلك الخطوة أخذت في التطور والاتساع وبدا وكأنها غير كافية لذا فقد عمد البعض إلى حل آخر يعتبر جذرياً ألا وهو حل التوافق السردي الموحد، حيث يقوم المؤلف بتجميع خلاصة النصوص المتضاربة ويعيد صياغتها وفق سرد واحد، لكن يبدو واضحاً أن هذا التطور قد نبع من الفكر الآبائي حيث يظهر بشكل واضح في كتابات: يوستينوس الشهيد وأغسطينوس وجيروم ويوسابيوس القيصري وحتى أوريجانوس([105])، الهدف كان خلق عمل أكاديمي يحوي تفاصيل لحياة يسوع أكثر بكثير مما يمكن لأحد أن يجده في إنجيل واحد([106])، يضاف إلى ذلك عامل آخر مهم وهو العامل الاقتصادي فإنتاج كتاب واحد أقل تكلفة بكثير من إنتاج أربعة كتب فضلاً عن سهولة حمله في الترحال والقراءة منه([107]).

بنظرة سريعة لتاريخ الكنيسة فإننا سنجد أن الخطوة الأخيرة “السرد التوافقي الموحد” لم تنجح بشكل كبير إلا مع عمل تاتيان، لكن هذا النجاح قابلته مشكلة اعتراض البعض على تاتيان لكونه مهرطق الأمر الذي حدا ببعض الآباء للمناداة كما رأينا بنبذه كلياً أو ببعض النساخ لتحريف نص الدياتسرون مع إبقاء آثار سرده القصصي كما هو الحال بالمخطوطات العربية أو المخطوط Fuldensis.

أيضاً فإنه بإمكاننا أن نرى كذلك أن الانتقال النصي لإنجيل تاتيان التوافقي لا يختلف كثيراً عن الانتقال النصي لمخطوطات العهد الجديد فكلاهما عانى من تدخلات النساخ، فإذا كان هدفنا من تحليل مخطوطات الدياتسرون هو الوصول إلى نص إنجيل تاتيان المفقود فإننا بالتأكيد سنواجه نفس مشاكل الوصول إلى النص الأصلي للعهد الجديد، فحتى مع اعتبارنا أن نص أفرام هو أقرب شاهد لنص الدياتسرون إلا أنه: «من غير المحتمل أن يكون نص الدياتسرون قد بقي بشكل كامل بدون تغيير حتى وصوله إلى يدي أفرام»([108])، بل لا يجب أصلا أن نتخيل أنه: «عندما نقول أن أفرام قام بتفسير نص الدياتسرون أننا نعني أن نص الدياتسرون قد بقي بدون تغيير حتى عصر أفرام»([109])، الأمر إذاً ليس بهذه البساطة.

المحاولة الأولى للإجابة على سؤالنا كانت من قبل العالم فوجيلز حيث قام بوضع القاعدة الأولى لتمييز القراءة الـ(تاتيانية) عن القراءة غير الـ”تاتيانية”([110]) حيث تنص تلك القاعدة على أن القراءة المتوافقة بين السريانية القديمة واللاتينية القديمة هي بالضرورة تعود إلى إنجيل تاتيان إلا أن هذه القاعدة فشلت في الإجابة على التساؤل عن هوية القراءات التي توجد في مصادر الدياتسرون المذكورة سابقاً ولا توجد في السريانية ولا اللاتينية القديمة. القاعدة الثانية وضعت من قبل اقتراح العالم Baumstark والذي يرى أن أي قراءة منحرفة عن النص اليوناني – أو قراءة أحادية – هي قراءة تاتيان وتلك القاعدة لا تتحمل أي نقد خصوصاً وأنها تتجاهل الأخطاء النسخية الطبيعية. العالم Curt Peters قدم مقترحاً آخر مفاده أن القراءات الموجودة في الشهود الشرقيين ولكنها لا توجد في السريانية البسيطة هي قراءة تاتيان، مرة أخرى فإن تلك القاعدة أهملت تاريخية الفساد النصي الذي يلحق بأي شاهد منفرد بذاته. أول قاعدة حقيقية مفيدة يمكننا أن نجدها عند العالم Quispel والتي تنص على أن قراءة الدياتسرون هي تلك القراءة التي تتمتع بدعم من المصادر الشرقية والغربية معاً، تم توسعة تلك القاعدة على يد Fon Weringha ليضاف عليها غياب تلك القراءة من الجزء الأكبر من المخطوطات اليونانية واللاتينية الرسمية. أما اليوم فإن أقرب القواعد المتفق عليها هي قواعد العالم (بيترسين) والتي تنص على:

  • القراءة التي تعتبر “تاتيانية” يجب أن تتواجد في الشواهد الغربية والشرقية([111]).
  • القراءة يجب ألا تكون في أي شاهد غير “تاتياني” يمكن أن يكون الدياتسرون قد اشتق منه القراءة([112]).
  • القراءة يجب أن تكون من نوعية توافقية أو من أي شاهد يندرج تحت فكرة إنجيل توافقي([113]).

من خلال فحص بعض القراءات فإن القارئ يمكنه أن يرى أن القاعدة الثالثة هي أضعف تلك القواعد، إذاً يجب أن نضع في الاعتبار أن تاتيان لم يكن غرضه الوحيد هو خلق توافق بين روايات الأناجيل المنفردة، بل في بعض المواضع يمكننا أن نجد أن تاتيان يقدم حلولاً أخرى بعيدة أصلا عن التوفيق بين روايات الأناجيل المنفردة، فعلى سبيل المثال تخبرنا فقرة هامشية بالمخطوط الفاتيكاني السرياني 154 والذي يعود للقرن الثامن أو التاسع ما يلي: «تاتيان الهرطوقي هو كما يقول البعض من قام بعمل هذا – يقصد الدياتسرون- وعندما جاء على قصة القيامة ورأى الاختلافات بها فإنه تخلى عن عمله»([114])، كذلك ديونيسيوس ابن صليبا في تفسيره على العهد الجديد أمدنا بنفس المعلومة حول أن الأناجيل التوافقية ومنها تاتيان عندما وصلت إلى قصة القيامة أنهت عملها([115])، باختصار فإنه يمكننا القول بأن الدياتسرون: «ليس دائماً توافقياً بالمعنى الحديث»([116]).

قبل أن أنتقل إلى طرح بعض الأمثلة لطبيعة نص الدياتسرون فإني أود أن أطرح قاعدة رابعة أرى أنها مناسبة جداً للفكر المسيحي السائد بتلك الفترة ألا وهو فكر التحريف النصي بغرض الدعم المذهبي([117]). تنص القاعدة على أن القراءة الأقرب لكي تكون قراءة الدياتسرون هي القراءة الموافقة لفكر تاتيان. فعلى الرغم من أن التأثير الغنوسي المحتمل بـ(فالانتينوس) غائب تماماً عن الدياتسرون([118])، إلا أن هناك بعض القراءات ببعض شواهد الدياتسرون الشرقية والغربية تقدم لنا فكر تاتيان الإنكاري([119]) مثل حذف كلمة «رجلها» من إنجيل متى الإصحاح الأول العدد 19 من قبل بعض مخطوطات الدياتسرون بسبب فكر تاتيان الإنكاري عن الزواج([120]).

 

المثال الأول: يسوع الطائر

وفقاً لإنجيل لوقا فإن يسوع لاقى معارضة شديدة بالناصرة حيث يقول النص من الإصحاح الرابع (28-31):

«28 فامتلأ غضبا جميع الذين في المجمع حين سمعوا هذا 29 فقاموا وأخرجوه خارج المدينة وجاءوا به إلى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه حتى يطرحوه إلى أسفل 30 أما هو فجاز في وسطهم 31 ومضى وانحدر إلى كفرناحوم مدينة من الجليل وكان يعلمهم في السبوت».

يبدو العدد 30 وكأنه لا معنى له بعد العدد 29 فإذا كان هدف الجماعة المعلن هو التخلص من يسوع ويبدو عليهم الإصرار في ذلك لدرجة إخراجه إلى سفح الجبل للقضاء عليه فكيف يمكن حشر فكرة انصراف يسوع بشكل عادي وسط سياق تلك الأفكار من قبل القوم؟!([121]) إنجيل تاتيان يقدم لنا الإجابة على هذا السؤال موضحاً كيفية انصراف يسوع ونجاته من القتل، ببساطة لقد طار يسوع في الهواء!

عام 1986 قدم العالم Baarda([122]) بحثاً مطولاً يثبت فيه أن القراءة الأصلية لإنجيل تاتيان المفقود تتضمن إشارة إلى أن يسوع في سبيل خلاصه من الغاضبين طار جسدياً في الهواء. بحث العالم Baarda قام في بدايته على شهادة أفراهاط الموصوف بالحكيم الفارسي([123]) المتوفي عام 345م حيث يقول: «وأظهر قوة عظمته حين طرح لأسفل من الأعلى إلى الأعماق بدون أن يصاب بأذى»([124])، تلك الشهادة قابلها ما لا يقل عن 15 اقتباساً من أفرام السرياني حول تلك المعجزة الخارقة ليسوع، حيث يقول في واحدة منها: «وعندما طرحوه أرضاً من الجبل فإنه طار في الهواء»([125])، من تلك الشهادات فإن العدد 30 قد يبدو موضع شك، فكيف اجتاز في وسطهم بينما ينص أفراهاط و أفرام على أنه لم يصب بأذى بعد أن أسقطوه من أعلى الجبل؟! على الناحية الأخرى فإن التقليد الغربي يقدم لنا شهادة توثيق أخرى موازية زمنياً لتلك الشهادة الشرقية. فوفقاً لدفاعه ضد هرطقة فاوستوس([126]) وهو أحد الهراطقة المانويين بالقرن الرابع فإن أغسطينوس ذكر استشهاد فاوستوس بقصة إسقاط يسوع من الجبل بدون أن يموت الأمر الذي رأى فيه العالم Baarda تفسيراً معاكساً لفعل أغسطينوس من أنه كان يعرف تلك القراءة مسبقاً قبل استشهاد فاوستوس لها بدليل أنه لم يعترض عليها أو يشير إلى عدم وجودها بالإنجيل القانوني الذي بين يديه([127])، علاوة على ذلك فإن العالم بيترسين أشار إلى أن بعض العلماء اليوم يرون أن أغسطينوس نفسه له استشهادات من الدياتسرون([128]) يُضاف إلى شهادة أغسطينوس شهادة الشاعر الواعظ الهولندي الشهير بالقرن 13م جاكوب فان مرلانت وشهادة الكتاب المتداول بين اليهود في العصور الوسطي حياة يسوع([129]).

المثال الثاني: معمودية يسوع

واحدة من أشهر الأمثلة على الإطلاق في دراسة إنجيل تاتيان، نص معمودية يسوع بإنجيل متى الإصحاح 3 العدد 16: «فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السماوات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتياً عليه».

إلا أنه وفقاً لشهادات متفرقة شرقاً وغرباً فإن القصة تتضمن سطوع نور([130]) عظيم من الماء عند معمودية يسوع، قبل سرد تلك الشهادات ينبغي أولاً أن نضع في الاعتبار شهادة إبيفانيوس من أن تلك القراءة كانت موجودة بإنجيل الإبيونيين([131]) وهو الإنجيل الذي يُعده إبيفانيوس نسخة مشوهة من إنجيل متى، الشاهد الرئيسي لتلك القراءة بعيداً عن الإبيونيين هو المدافع الفيلسوف يوستينوس الشهيد الذي في “حواره مع تريفون اليهودي” قال: «وعندما أقبل يسوع إلى نهر الأردن حيث كان يوحنا يُعمد، نزل في الماء فاشتعلت نار في مياه الأردن»([132])، فإذا أخذنا في الاعتبار التقليد القائل بأن فرقة الإبيونيين قد ظهروا بنهايات القرن الأول فهل هذا يعني أن مصدر القراءة عند يوستينوس الشهيد كان إنجيلاً مزيفاً؟!([133]) عمل آخر منحول ذكر في كتابات منسوبة إلى كبريانوس بالقرن الثالث أو الرابع ويُدعي “Preaching of Paul” ذكر أنه بينما كان يسوع يُعمد ظهر نار في الماء([134])، عمل آخر “The Sibylline Oracles” ذكر واقعة النار عند المعمودية([135])، النص الإنجليزي Pepysian للدياتسرون كذلك يحوي تلك الفقرة، وكذلك كتاب الأشعار Vita Rhythmica والذي يعود للعام 1230م([136])، بالإضافة إلى ذلك فإن الكنيسة الغربية بدا وكأنها على معرفة تامة بهذه القراءة من خلال شهادة المخطوطتين: a ويعود للقرن الرابع ويعتبر واحداً من أشهر وأقدم وأهم المخطوطات اللاتينية الأوروبية([137]) والمخطوط g1 والذي يعود للقرن التاسع ويتضمن نص الفولجاتا مع حفظه لبعض القراءات اللاتينية القديمة جداً([138]). الكنيسة الشرقية كذلك تعرف القراءة من خلال أقدم شاهد سرياني وهو دياتسرون تاتيان فبالإضافة إلى إشارة أفرام الى تلك القراءة بتعليقاته على نص الدياتسرون([139]) فإن الشاهد المباشر على وجودها بنص الدياتسرون هو قول يشوعداد المروزي وديونيسيوس بن صليبا: «وفي الحال كما يشهد الدياتسرون فإن نور عظيم سطع ونهر الأردن أحيط بالسحب البيضاء… »([140])، تلك الشهادة يمكننا أن نضيف إليها ما يعززها من خلال تأكيد فكر تاتيان اللاهوتي عن أهمية رمز النور على النار([141])، يعقوب السروجي([142])، رومانوس([143])، ساويروس الأنطاكي([144]) كذلك يعرفون تلك القراءة.

هل هي قراءة مُحرفة؟، إجابة هذا السؤال لا تبدو بتلك السهولة فليس كل الشهود لتلك القراءة يرتبطون بصلة نصية تجمع بينهم، لا أرى أن تاتيان([145]) أو يوستيوس قد اخترعوا تلك القراءة هي كانت موجودة بالإنجيل الذي يقتبسون منه، وسواء أكان هذا الإنجيل مزيفاً أو إنجيل متي فستبقى النتيجة أن القراءة بدياتسرون تاتيان ستظل شاهد واضح على تحريفات القرن الثاني.

المثال الثالث: بعد قيامته

«الفقرة الأكثر تعقيداً بقصة إنجيل متى 27/ 51-53»، هكذا علق الكاثوليكي الشهير ريموند براون([146])،إنها قصة قيامة القديسين بإنجيل متى، رغم غرابة الحدث وغياب البُعد التاريخي والمنطقي بالواقعة([147]) إلا أن الفقرة المعنية هنا بمثالنا هي فقرة العدد 53 والقائلة: «بعد قيامته» تلك الفقرة والتي حيرت علماء المسيحية كثيراً في البحث عن جواب مقنع للسؤال حول سبب انتظار القديسين في المقابر لمدة ثلاثة أيام حتى قام يسوع؟!([148]) اليوم فإن عدداً متزايداً من العلماء بدأ في الحديث عن أطروحة كونها فقرة مضافة غير أصلية([149])، رغم كونها غير مذكورة بالمرة في أي من الأناجيل الأخرى فإن العالم بيترسين يرى أن تاتيان يقدم لنا القراءة الأصلية ألا وهي أن القديسين قاموا بعد واقعة الصلب مباشرة وليس بعد قيامة يسوع([150])، التقليد الشرقي لتلك القراءة يتضمن أربع شهادات:

الأول أفرام السرياني والذي عبر ما لا يقل عن خمسة مواضع بتفسيره وترانيمه ذكر أن قيامة القديسين كانت في يوم الصلب، ففي تعليقاته على الدياتسرون يقول: «عندما أظلمت الشمس وتمزق حجاب الهيكل والحرس اضطربوا والقبور انفتحت والموتى قاموا …»، وفي ترنيمته الثالثة على القيامة يقول: «الابن البكر، فإنه في يوم موته حطم قضبان بوابة الجحيم كما حطم المصريين. الموتى ظهروا وأوضحوا قوته …»، الشاهد الثاني هو المفسر يشوعداد المروزي القائل: «ويجب علينا أن نعرف أن الموتى الذين خرجوا من قبورهم في الوقت الذي فارقت فيه روح سيدنا جسده …»، الشاهد الثالث هو رومانوس والقائل: «ثم فجأة كل القبور انفتحت من تلقاء نفسها ومنها خرج كل الموتى ورقصوا»، رابعاً وأخيراً فإن المخطوطات الثلاثة للسريانية الفلسطينية  SyrPalلا تتضمن هذه الفقرة.

الشاهد الغربي للدياتسرون يتكون من شاهدين: الأول هو المخطوط Pepysian والذي يقول: «بالإضافة إلى ذلك فإن الحجاب المعلق بالهيكل انشق إلى قطعتين، الأرض تزلزلت، الصخور تشققت والرجال الموتى قاموا من قبورهم ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا للكثيرين …»، والثاني هو المخطوط Heliand والذي يقول: «وقبور الرجال الموتى فتحت على مصراعيها وأجسادهم قامت حية من الأرض وانكشفت كمعجزة للرجال …».

شاهد آخر أشار إليه العالم بيترسين ألا وهو البردية إيجرتون 3 والتي تعود لنهايات القرن الثاني أو بدايات القرن الثالث([151]).

المشكلة اللاهوتية لتلك القراءة لا تحتاج إلى شرح طويل فوفقاً لرسالة بولس الأولى إلى كورنثوس فإن يسوع هو «باكورة الراقدين»([152]) فإذا كان الدياتسرون يشير إلى القراءة الأولى الأصلية لإنجيل متى فإن القراءة الأسهل هي بتحريف هذا النص لتفادي التصادم مع فكر بولس اللاهوتي.([153]) وعليه فإنه: «وفقاً للدياتسرون فإنه ليس فقط القيامة ولكن ظهور الموتى أخذ موضعه في وقت موت يسوع على الصليب»([154]).

المثال الرابع: ويل لنا

وفقاً لشهادة الصلب عن إنجيل لوقا الإصحاح 23 العدد 48 فإن جموع اليهود بعد أن شاهدوا صلب يسوع عادوا إلى بيوتهم وهم يضربون صدورهم، وفقاً لعدد من الشهادات القديمة فإن اليهود كانوا يضربون صدورهم وهم يقولون: «الويل لنا! ماذا أصابنا؟ ويل لنا من خطايانا».

بداية فإن الشاهد على وجود تلك الفقرة يتمتع بالقدم الزمني، حيث أن المخطوط السرياني السينائي والمخطوط السرياني الكورتيوني وهما الممثلان اليوم عن السريانية القديمة، ورغم تأخر زمن كتابتهما إلا أن العلماء يعودون بنصيهما إلى نهايات القرن الثاني أو بدايات القرن الثالث([155]). كذلك بجانب شهادة المخطوطات السريانية القديمة فإن الفقرة توجد بالإنجيل المنحول بطرس والذي يعود به العلماء للقرن الثاني،([156]) أما شهود الدياتسرون فيمكننا ذكرهم كما يلي([157]):

  • أفرام: «الويل لنا لقد كان ابن الله، هذا ما قالوه … ها قد حل حكم خراب أورشليم».
  • أفراهاط: «الويل لنا! ماذا أصابنا؟ من ترك الناموس ومن منا الذي افتخر بالإثم».
  • وثيقة عقيدة عدّاى والذي يعود للقرن الرابع: «من قام بصلبه يعرف أنه كان ابن الله، هم لم يعلنوا بخراب مدينتهم فحسب بل أيضاً أسقطوا اللعنات على أنفسهم».
  • المخطوط g1 «الويل لنا من يحمل خطايانا اليوم لقد سارع تدمير أورشليم».

العلاقات الغير واضحة بين المخطوطات الداعمة لصحة الفقرة جعلت العلماء يقرون بأن تلك الفقرة أصيلة بإنجيل تاتيان رغم عدم وجودها في الكثير من مخطوطاته الباقية اليوم حيث يقول العالم ريندل هاريز: «تلك الحالة لها اهتمام خاص فعلى الرغم من أن النسخة العربية تحذف الفقرة فإن السريانية القديمة واللاتينية القديمة وأفرام وأفراهاط وعقيدة عداي تمكننا من استعادة الفقرة المفقودة بثقة تامة»([158]).

الخاتمة:

تعتبر دراسات الدياتسرون من أهم الدراسات في مجال النقد النصي حيث يخبرنا العالم Võõbus في مقدمة حديثه عن إنجيل تاتيان ما نصه: «في تاريخ الترجمات بالإضافة إلى المرحلة المبكرة من التطورات النصية بالعهد الجديد ككل فإنه ليس هناك ما هو أعظم أو أكثر أهمية من اسم تاتيان»([159])، لكن الملفت للنظر أن تلك الأهمية هي أهمية تاريخية بحتة فحتى تلك اللحظة لا تزال القيمة النصية للدياتسرون تحمل الكثير من علامات الاستفهام في النسخ النقدية الحديثة، حيث يقول العالم Baarda: «في الواقع فإن إيماني الراسخ هو أنه من غير الممكن جعل الدياتسرون كشاهد قياسي بأي هامش نقدي»([160])، رغم هذا التجاهل فإنه بإمكاننا أن نؤكد أن دراسات الدياتسرون الحالية لها من الأهمية النصية ما يكفي لبيان أن نص الإنجيل بالقرن الثاني كان عرضة لكل أنواع التحريف وأن الشكل القانوني لذلك النص لم يكن قد حسم بعد([161]). فعلى سبيل المثال بمطالعة سطحية لشهود قراءة “غضب يسوع” بإنجيل مرقس 1/41 فإننا سنجد أن الإصدار الخامس من إصدارات لجنة الكتاب المقدس UBS تضع الدياتسرون كشاهد أساسي لتلك القراءة والتي تتمتع اليوم بموافقة الأغلبية من العلماء([162]) رغم أن الدعم المخطوطي لها يقتصر فقط على خمس مخطوطات لاتينية([163]) ومخطوط يوناني متأخر([164])، بالإضافة إلى دعم الدياتسرون. لكن النظرة الفاحصة لشهود نص الدياتسرون تكشف أن كافة الشهود الغربيين تحذف شعور يسوع عموماً سواء أكان شعور بالود أو بالغضب بينما تنص الترجمة العربية صراحة على قراءة “فتحنن يسوع” ومع ذلك فقد تم رفضها من قبل العلماء واكتفوا في هذا الموضع باعتماد قراءة الدياتسرون بناءً على شهادة أفرام فقط([165]). مثال آخر يمكن أن يفيدنا هنا هو مرقس 1/2 حيث قراءة كافة النسخ النقدية “أشعياء” بدلاً من “الأنبياء”، قد يفاجئ القارئ بأن التقليد المسيحي يتضمن شهادة على أن تاتيان بإنجيله شهد لقراءة “الأنبياء” حيث يقول ديونيسيوس إبن صليبا: «في كتاب الدياتسرون حيث تم تجميعه في الإسكندرية وكتبه تاتيان الأسقف وأيضاً في الإنجيل اليوناني و في الهيراقلية فإنه كتب: “في النبي” بدون توضيح من يكون النبي»([166])، هذه الشهادة لا توجد بأي هامش نقدي بأي نسخة يونانية. من تلك الشهادات يمكننا أن نتخيل إذاً فكرة أن النص انتقل من الأناجيل المنفردة إلى الإنجيل الإزائي لتاتيان إلى المخطوطات المنفردة والإزائية في الوقت ذاته، خلال تلك العملية فإن كل مرحلة كانت قائمة بذاتها قد تم العبث بها من قبل النساخ، فإذا كان العلماء كما بينا يرون أن تاتيان قد حرف الإنجيل الذي بين يديه لدواعي لاهوتية فإن النساخ من بعده قد حرفوا نص الدياتسرون نفسه لأغراض لاهوتية وإزائية مع المخطوطات الأخرى. يمكننا هنا ضرب مثل لوقا 18/43 حيث أن العائلة النصية الأولى للترجمة العربية تثبت النص كما هو بالبشيطا: «وفي الحال أبصر وتبعه وهو يمجد الله وجميع الشعب إذ رأوا سبحوا الله» بينما تحذف مخطوطات العائلة الثانية من الترجمة العربية ما تحته خط([167])، تلك التحريفات داخل التقاليد النصية الخاصة بالعمل الواحد الدياتسرون تجعل مسألة استعادة نص الدياتسرون أمراً غاية في الصعوبة للدرجة التي تجعل القاعدة: «لو أن عدداً قليلا من مخطوطات الدياتسرون يعطي قراءة مغايرة بينما الأغلبية من المخطوطات الأخرى يوافق النص القانوني القياسي فإن القراءة المغايرة يجب أن تفترض كقراءة أصلية»([168]) هي قاعدة فضفاضة لا تحل الإشكال، فالأمر ليس بتلك البساطة إذ كيف يمكن تفسير تلك الإضافة بإنجيل متى 26/47 والتي تقول: «وعصي من قبل عظماء الكهنة والكتاب ومشايخ الشعب ومعه رجل الروم»!. إن تلك الأمثلة وغيرها الكثير والكثير من الأمثلة لهي خير دليل كافٍ للشهادة على أن التحريف بالقرن الثاني كان في أشده ومع غياب مخطوطات حقيقية تغطي تلك الفترة الزمنية المجهولة في حياة تاريخ الانتقال النصي فإن دياتسرون تاتيان سيظل شاهداً على وقوع هذا التحريف بالقرن الثاني الميلادي.

بحث منشور في العدد الثالث من المجلة 


الهوامش:

([1]) Molly Whittaker: Oratio: Tatain, Oratio ad Graecos and Fragments, OECT (Oxford 1982), Chapter: 42.

([2]) William L. Petersen: The Diatessaron and Ephrem Syrus as sources of Romanos The Melodist, p.16.

([3])  تادرس يعقوب ملطي: نظرة شاملة لعلم الباترولوجي، ص27.

([4]) Molly Whittaker: Oratio: Tatain, Chapter 29.

([5]) ضد الهرطقات للقديس إيرينيوس، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ترجمة نصحي عبد الشهيد، ص117.

([6]) Epiphanius: Panarion haer. 46.1.8.

([7]) يوسابيوس القيصري: تاريخ الكنيسة، الكتاب الرابع، الفصل 27، الفقرة:3، ترجمة مرقس داود، ص191.

([8]) ضد الهرطقات للقديس إيرينيوس، ص117.

([9]) علم الآبائيات “باترولوجي”، تأليف جوهانس كواتسن، ترجمة أنبا مقار، المجلد الأول، ص244-245.

([10]( Jerome: Against Jovinianus, 1.3

([11]( Jerome: Prologue to Titus.

([12]) يوسابيوس القيصري: تاريخ الكنيسة، ترجمة مرقس داود، ص191.

([13]( Gerald F. Hawthorne: Tatian and His Discourse to the Greeks, THTR, v57, p165-167 n3.

([14]) يوسابيوس القيصري: تاريخ الكنيسة، ترجمة مرقس داود، ص220.

([15]) السابق، ص241.

([16]( Peter M. Head: Tatian’s Christology, Tyndale Bulletin, 43.1 (1992), p123 n8.

([17]( Stromateis III.82.2.

([18]( Oratio: Tatain, Oratio ad Graecos, Chapter: 29.

([19]( R.M. Grant: The Date of Tatian’s Oration, HThR 51 [1958], p99.

([20]) يقول العالم بيترسين أن كل التقارير اللاحقة اعتمدت على كلام ايريناوس. يراجع كتابه الموسوعي عن الدياتسرون:

William L. Petersen: Tatian’s Diatessaron: Its Creation, Dissemination, Significance, and History in Scholarship, p.76.

([21]( Hill, Earliest Life of Christ, p. ix.

([22]) يوسابيوس القيصري: تاريخ الكنيسة، ترجمة مرقس داود، ص191.

([23]( Paul Foster: Early Christian Thinkers: The lives and legacies of twelve key figures, Electronic Edition.

([24]( Petersen: The Diatessaron of Tatian (The Text of the New Testament in Contemporary Research), p.77.

([25]( Stanley E. Porter: How We Got The New Testament, p.89.

([26]( Tjitze Baarda (In): The Early Text of the New Testament, p.337.

([27]( BurkittL Tatian’s Diatessaron and the Dutch Harmonies, JTS 25 [1924] p.125-128.

([28]( W. L. Petersen: “New Evidence for the Question of the Original Language of the Diatessaron”, p325-343.

([29]) الإنجيل التوافقي لم يكن ابتداعاً من تاتيان فوفقاً لدراسات العلماء فإن تاتيان طور فكرة الإنجيل التوافقي الموجودة أصلا في مدرسة معلمه يوستينوس (The Early Text of the New Testament, p337). بالإضافة إلى ذلك، يوجد تقليد عن يوسابيوس يفيد بأن هناك محاولة قديمة فاشلة مثل محاولة Ammonius والتي لا يظهر لها أي أثر حالياً في أي مكان عدا يوسابيوس فقط.

([30]( Gilles Quispel: Tatian and the Gospel of Thomas, p.174-190.

([31]( William L. Petersen: The Diatessaron and Ephrem Syrus, p.14.

([32]( Edward A. Johnson: The First Harmony of the Gospels: Tatian’s Diatessaron, JETS 15 (1972), p.228 n5.

([33]) حيث قام المترجم بحذف جملة “لست أدري بأية كيفية” وعدل الفقرة لتصبح: «على أن تاتيان مؤسسهم الأول جمع ودمج وكون إنجيلا وسماه الدياتسرون، الآن هذا الإنجيل المختلط هو ذاته الموجود في أيدي الكثيرين حتى هذا اليوم».

([34]( Petersen: Tatian’s Diatessaron: Its Creation…, p.37.

([35]( Ibid, p43.

([36]) من أهم المراجع التي تتحدث باستفاضة عن مخطوطات وشهود نص الدياتسرون:

– William L. Petersen: The Diatessaron and Ephrem Syrus, p.18-28.

– Bruce M. Metzger: Early Versions, p.10-25.

– Arthur Võõbus: Early Versions of the New Testament. Manuscript Studies, p1-31.

([37]( Gerald F. Hawthorne: Tatian and His Discourse to the Greeks, THTR, v57, p.165 n3.

([38]) مدينة صغيرة تقع بسورية على مسافة يومين من أنطاكية.

([39]( Philip W. Comfort‏: Encountering the Manuscripts: An Introduction to New Testament, p96.

([40]) كتاب تاريخ الهرطقات 1.20

([41]( F.C. Burkitt: Evangelion Da-Mepharreshe, vol2, p177.

([42]( Metzger and Ehrman: The Text of New Testament 4th, p132.

Petersen: The Diatessaron and Ephrem Syrus, p18.

([44]( L. Leloir: Saint Ephrem, Commentaire de l’evangile concordant, CSCO 137 (Louvain, 1953 & 1954).

([45]( L. Leloir: Saint Ephrem, Commentaire de l’evangile concordant, CBM 8 (Dublin, 1963).

([46]( L. Leloir: Le Temoignage, CSCO 227, p.236.

([47]( Petersen: The Diatessaron and Ephrem Syrus, p.19

([48]( Matthew Black: The Syriac Versional (in) Die alten Übersetzungen des Neuen Testaments, p.122.

([49]( Tj. Baarda: A Syriac Fragment of Mar Ephracm’s, NTS viii (1961-2), p297.

([50]) على القارئ أن يضع في ذهنه أن أفرام لم يُسمِ الدياتسرون أو يذكر اسم تاتيان في تفسيره على الإطلاق والدليل الذي يتمسك به العلماء على أنه تفسير للدياتسرون هو شهادة بعض الآباء السريان مثل يشو عداد المروزي على أن أفرام وضع تفسيراً للدياتسرون.

([51]( Burkitt: Evangelion Da-Mepharreshe, vol2, p186-190.

([52]) وفقاً لشهادة ديونيسيوس بن صليبا-القرن 12م-  فإن دياتسرون تاتيان يبدأ بنفس بداية إنجيل يوحنا «في البدء كان الكلمة».

([53]( Zola: Tatian’s Diatessaron and the Passion Chronology. M.A. diss., 2009, p69.

([54]( Paul E. Kahle: The Cairo Geniza (London, 1947), p213.

([55]( Metzger: Early Versions, p16.

([56]) تجدر الإشارة إلى أن ثيودورت أسقف قورش قد أشار إلى أن الدياتسرون أصلا لا يحوي سلسلة نسب يسوع!.

([57]) مثال آخر: لوقا الإصحاح الثامن العدد 25 نجد أن العائلة النصية الأولى تقرأ النص: يأمر الرياح والأمواج والبحر فتطيعه بينما تقرأ العائلة النصية الثانية: يأمر أمواج البحر والرياح فتطيعه.

([58]( Kahle: The Cairo Geniza (London, 1947), p227.

([59]( Võõbus: Early Versions of the New Testament, p8.

([60]( K. Lake: Reviewed Work- Our Bible and the Ancient Manuscripts, JBL 60 (1941), p331.

([61]( Burkitt: Evangelion Da-Mepharreshe, vol2, p240.

([62]( C. S. C. Williams: Alterations to the Text of the Synoptic Gospels and Acts, p22.

([63]( Metzger: Early Versions, p17.

([64]) يختلف ترتيب النص الفارسي عن غيره فيما يقارب الـ250 مقطعاً نصياً بالإضافة إلى مقاطع لا توجد أصلا في النصوص الأخرى.

([65]( Tjitze Baarda: In Search of the Diatessaron Text, Vox Theologica 17 (1963), p111.

([66]( Petersen: Ibid, p20.

([67]) إنجيل أبوكريفي كتب بمصر منتصف القرن الثاني الميلادي.

([68]( Messina: Diatessaron Persiano, BibOr 14 (Roma, 1951), p17.

([69]( Petersen: Ibid, p56.

([70]( M. D. Gibson: The Commentaries of Isho’dad of Merv, 3 vols.

([71]( William L. Petersen: The Diatessaron and Ephrem Syrus as sources of Romanos The Melodist.

([72]( Parsons: The nature of the gospel quotations in the Syriac Liber Graduum (1968).

([73]( Võõbus: Investigations into the Text of the New Testament used by Rabbula of Edessa, 1947.

([74]( Matthew Black :The Palestinian Syriac Gospels and the Diatessaron, OrChr 36 (1939) p101-11.

([75]( Curt Peters: Das Diatessaron Tatians (OrChrA 123: Roma 1939), p48-62.

([76]( Krans & Verheyden: Patristic and Text-Critical Studies: The Collected Essays of William L. Petersen, p90.

([77]( Zola: Tatian’s Diatessaron, p72.

([78]( Ulrich B. Schmid: In Search of Tatian’s Diatessaron in the West, Vigiliae Christianae 57 (2003), p176-178.

([79]( Petersen: Ibid, p21.

([80]( Burkitt: Tatian’s Diatessaron and the Dutch Harmonies, JThS 25 (1924), p120.

([81]( Petersen: Ibid, p21.

([82]( Schmid: In Search of Tatian’s Diatessaron, p178.

([83]( Johnson: The First Harmony, p229.

([84]( Petersen: Ibid, p21.

([85]( Zola: Tatian’s Diatessaron, p75.

([86]( Plooij & Phillips & Bakker: The Liege Diatessaron, 1-8, (Amsterdam 1929-1970).

([87]) أطلق عليها العالم بيترسين لقب منجم الذهب لقراءات الدياتسرون.

([88]) على سبيل المثال إنجيل مرقس الإصحاح الثامن العدد 10 يقول النص وفقاً لهذا المخطوط: «عندما نفذ اللحم جلس يسوع في القارب وعبر إلى أرض تدعي ماجدان»، كلمة “جلس” لا توجد إلا في السريانية القديمة فقط.

([89]) دمرت من قبل الفرس بين عامي 256-257م.

([90]( Carl H. Kraeling: A Greek Fragment of Tatian’s Diatessaron from Dure (SD 2; London; 1935)

([91]( D. C. Parker: The Living text of the Gospels, p21-22

([92]( Burkitt: The Dura Fragment of Tatian, JThS 36 (1935) p255-259

([93]( Plooij: A Fragment of Tatian’s Diatessaron in Greek, ExpTim 46 (1934-1935), p 471-476

([94]( Baumstark: Das griechische Diatessaron-Fragment von Dure-Europos, OrChr 32 (1935), p 244-252

([95]( Petersen: Ibid, p32

([96]( Jan Joosten: The Dura Parchment and the Diatessaron, VigChr 57 (2003), p159–175.

([97]( Parker, Taylor, and Goodacre: “Dura-Europos Gospel Harmony,” p228.

([98]( Zola: Tatian’s Diatessaron, p67.

([99]) تفسير إنجيل يوحنا 10.3.2- نقلاً عن العالمBaarda .

([100]( Petersen: Ibid, p21 n2.

([101]) حتى كتبة الأناجيل الأبوكريفا كإنجيل الإبيونيين وإنجيل بطرس بدا واضحاً أن نصهم هو عبارة عن تجميع ودمج لمصادر مختلفة.

([102]( T. Wasserman: The Implications of Textual Criticism for Understanding the ‘Original  Text’, p90.

([103](Epp & Fee: Studies in the Theory and Method Of New Testament Criticism, p175.

([104]) يراجع مقال الكاتب: “الكذب المقدس والصلاة الربانية” المنشور في مجلة الدراسات الدينية، العدد الأول، صفر 1436ه/ديسمبر 2014م، ص: 61-69.  

([105]( Baarda: ‘Factors in the Harmonization of the Gospels’ in Gospel Tradition in the Second Century, p139.

([106]( Brown: The Gospel of Peter and Canonical Gospel Priority, p336.

([107]( Baarda: Ibid, p143.

([108]( A.J.B. Higgins: Luke 1-2 in Tatian’s Diatessaron, JBL 103 (1984) p194.

([109]( J. Rendel Harris: Fragments of the Commentary of Ephrem Syrus upon the Diatessaron, p11.

([110]( H. J. Vogels: Beitriige zur Geschichte des Diatessaron, p27.

([111]) فعلى سبيل المثال القراءة الموجودة غرباً بشاهد من المصادر الغربية مع قراءة مدعومة من قبل أفرام يمكن أن تعد هي قراءة تاتيان.

([112]) بمعنى أن القراءة الموجودة في المخطوطات اليونانية وغيرها من المستحيل ربطها بالدياتسرون لأنه من الصعوبة حسم كون تلك المخطوطات تأثرت بالدياتسرون أو أن الدياتسرون نفسه قد أخذ عنها.

([113]) بمعنى أن القراءة يجب أن تقتصر بشكل كبير على شواهد الدياتسرون أما الأعمال النصية التي ترتبط بعلاقات غير متكاملة مع الدياتسرون فلا يمكن اعتبار أن القراءات المميزة بها هي قراءة تاتيان.

([114]( Baarda: Early Transmission of the Words of Jesus: Thomas, Tatian, p105.

([115]( Petersen: Tatian’s Diatessaron, p60.

([116]( Zola: Tatian’s Diatessaron, p80.

([117]( Metzger and Ehrman: The Text of New Testament 4th, p265-268.

([118]( Petersen: Ibid, p77.

([119]( Peter M. Head: Tatian’s Christology and its Influence on the Composition of the Diatessaron, Tyndale Bulletin 43.1 (1992) p128-129.

([120]( Petersen: Ibid, p80-82.

([121]) بعيداً عن أي تفسيرات فضفاضة من نوعية اختفى من أمام أعينهم لعدم إيمانهم فإن إنجيل يوحنا الإصحاح الثامن العدد59 بدا وكأنه يقدم لنا صورة مشابهة للقدرة الخارقة لخاتم فيلم (سادة الخواتيم).. حيث اختفى يسوع جسدياً من أمام أعين الغاضبين الطالبين لرجمه بالحجارة!.

([122]( T. Baarda: The Flying Jesus Luke 4:29-30 in the Syriac Diatessaron,VigChr v40 N4 (Dec. 1986), p313-341.

([123]( http://st-takla.org/Saints/Coptic-Orthodox-Saints-Biography/Coptic-Saints-Story_260.html

([124]( Baarda: Ibid, p313.

([125]( Petersen: Tatian’s Diatessaron, p313.

([126]( Reply to Faustus the Manichaean, Chapter 26 (2).

([127]( Baarda: Ibid, p330.

([128]( Petersen: Tatian’s Diatessaron, p313 n137.

([129]( Toledot Yeshu – توليدوت يشُّو

([130]) إنقسام الشهود بين كونه ناراً أو ضوءاً، ربما يعود ذلك إلى رؤية تاتيان لأهمية النور كرمز لاهوتي على النار.

([131]( Panarion 30, 13, 7.

([132]) النصوص المسيحية في العصور الأولى: القديس يوستينوس – ترجمة آمال فؤاد – ط1 ص254.

([133]) يلاحظ أن إبيفانيوس أشار بلفظه “ضوء” بينما يوستينوس ذكر لفظة “نار.”

([134]) رغم مماثلة شهادة هذا العمل للفظ “النار” باقتباس يوستينوس فإن قصة المعمودية مختلفة تماماً حيث يذكر هذا العمل أن المعمودية كانت بإصرار من مريم أم يسوع عكس إرادة يسوع نفسه!.

([135]) الكتاب السابع.

([136]( Van den Broek: A Latin Diatessaron,  NTS 21 (1974) p123.

([137]( Metzger and Ehrman: The Text of New Testament 4th, p102.

([138]( Metzger: Early Versions, p298.

([139]( Quispel: Collected Essays of Gilles Quispel, p90.

([140]( M. D. Gibson: The commentaries of Ishodad of Merv, v1, p27.

([141]( Brock: The Bible in the Syriac tradition, p.90.

([142]) شاعر لاهوتي يُعد مع أفرام من أهم الشعراء السريان.

([143]( Petersen: Tatian’s Diatessaron, p.61.

([144]( E. B. Nicholson: The Gospel according to the Hebrews, p.41.

([145]) معظم دراسات العلماء تصب في خانة أن تاتيان استخدم مصدراً خامساً في تلك القراءة، لكن الفحص الدقيق لهذا الاتفاق لا يُدعم هذا الاتجاه على الإطلاق فمعلم تاتيان كان على علم بتلك القراءة فضلاً عن أن العمل المنسوب لـ(كبريانوس) لا يرتبط بأية صلة بالدياتسرون ولا تظهر عليه أية علامات للتأثر بالخط النصي للدياتسرون الأمر الذي يعني أن تلك القراءة كانت معلومة قبل إنجيل تاتيان.

([146]( R. E. Brown: The death of the Messiah: from Gethsemane to the grave, p.119.

([147]) على القارئ أن يتساءل أيضاً عن واقع هذه القصة في مجريات الأحداث فيما بعد قيامة يسوع، بفحص بسيط سيكتشف القارئ أن تلك الأحداث الخرافية لا أثر لها على الإطلاق في أي ارتباطات قصصية المذكورة بعد حادثة الصلب.

([148]) ايضاً فإن من الأسئلة الهامة التي بلا جواب: لماذا كانت القيامة فقط لبعض القديسين وليس كل القديسين؟!.

([149]( Charles Quarles: ΜΕΤΑ ΤΗΝ ΕΓΕΡΣΙΝ ΑΥΤΟΥ: A Scribal Interpolation in Matthew 27:53?, JBTC, v20 p.1.

([150]( Petersen: The Diatessaron and Ephrem Syrus as sources of Romanos The Melodist, p86-91.

([151]( Ibid, p89.

([152]) الإصحاح 15 العدد 20: ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين.

([153]) بعض المخطوطات اليونانية 30. 220. 1689. ومخطوط القراءات 32 ومخطوط أثيوبي تقرأ الفقرة بشكل غريب حيث تقول: و خرجوا من القبور بعد قيامتهم ودخلوا المدينة المقدسة.

([154]( Petersen, ibid, p91.

([155]( Metzger and Ehrman: The Text of New Testament 4th, p96.

([156]( Burkitt: Evangelion Da-Mepharreshe, vol2, p304.

([157]( Petersen: Tatian’s Diatessaron, p414-420.

([158]( Rendel Harris: The Diatessaron Of Tatian, p35.

([159]( Võõbus: Early Versions of the New Testament, p1.

([160]( Tjitze Baarda (In): The Early Text of the New Testament, p348.

([161]( Kenneth W. Clark: Theological Relevance of Textual Variation, JBL v85 n1 p6.

([162]( Heinrich Greeven: TC Mark 2005 p120-121.

([163]( D ita itd itff2 itr1.

([164]( 135811th.

([165]( Mark A. Proctor: The “Western” Text of Mark 1:41: A Case for the Angry Jesus, p80.

([166]( Petersen: Tatian’s Diatessaron, p60.

([167]) بالإضافة إلى المخطوطات اليونانية 71. 579.

([168]( Petersen: Tatian’s Diatessaron, p371.

السعادة الإنسانية في فكر القدّيس توما الأكويني

د. أشرف صالح

لقد اعتبر الفلاسفة اليونانيون الأخلاق فرعًا من فروع الفلسفة، وقد درسوا معظم القضايا الأخلاقية إن لم يكن جميعها، وكان لهم أكبر الأثر في الفلسفات اللاحقة بحيث يسهل علينا أن نرى بصماتهم واضحة في الفكر الفلسفي في العصور الوسطى والعصر الحديث، بل لا نكون مبالغين لو قلنا أن لكل نظرية فلسفية عامة أو أخلاقية خاصة ظهرت بعد العصر اليوناني جذورًا يونانية. وقد اهتم العقل الفلسفي منذ القدم بتحديد ماهية السعادة وعلاقتها بالأخلاق والفضيلة، ما دام كل إنسان يسعى إلى أن يكون سعيدًا، فهناك من الفلاسفة مَنْ فسرها بالعقل، وهناك مَنْ فسرها بالحس، وهناك مَنْ تصورها مطلقة، وهناك مَنْ جعلها نسبية فحسب.

لقد اقترن مفهوم السعادة بالأخلاقية لدى فلاسفة اليونان حتى صارت فلسفة الأخلاق عندهم فلسفة من أجل السعادة وتمثّلت أطروحتهم الأساسية في الربط بين السعادة والفضيلة. لقد اعتقد أفلاطون (427 – 347 ق.م)، بتحديد الفضائل الأربع أن استكمال السعادة هو أسمى تحقيق للطبيعة البشرية: فضيلة العقل هي الحكمة، فضيلة النفس النبيلة هي الشجاعة، فضيلة النفس الشهوانية هي الاعتدال، والفضيلة الرابعة هي العدالة بوصفها موحّدة للفضائل السابقة. ويرى أرسطو (384 – 322 ق.م) أن السعادة تقوم على نشاط يختص به الإنسان ولابد أن يتطابق مع العقل بمثل ما يتوافق مع الفضيلة. ويصعب أن تستمر سعادة هذا الكائن من دون رقابة العقل. وبالتالي فإن أفضل سبيل يتبعها هي سبيل الحذر والفطنة طالما أن سعادته لا تتأتي بمحض الصدفة وإنما بالسعي والتحصيل.

السعادة عند الفارابي (872 – 950م) مرتبطة بتصوره للتركيبة الإنسانية والنفس الإنسانية، والسعادة تكون عندما تسيطر النفس العاقلة (وفضيلتها الحكمة) على النفس الغضبية (وفضيلتها الشجاعة) والنفس الشهوانية (وفضيلتها العفة) فيصل الإنسان للسعادة.

القديس توما الأكويني الكاثوليكي (Saint Thomas Aquinas)([1]) مؤسس الاتجاه التجديدي بواسطة الأرسطية (أي المتصل بفلسفة أريسطوطاليس) في الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط، استخدم العقل والنقل في إبراز المفاهيم اللاهوتية، ووظف الفلسفة لتوضيح هذه المفاهيم ومنها التبرير والخلاص والإيمان والمحبة والرجاء، وعلاقتهم بالسعادة الإنسانية.

ينطلق الأكويني من السؤال حول علاقة السعادة الإنسانية بالخيرات المعروضة في الحياة الدنيا كالغنى واللذة وغيرهما، فهل هذه الخيرات كافية لتحصيل السعادة؟

يجيب بأن الغنى مثلاً يستحيل أن يكون أساس قيام سعادة الإنسان، وقد قسّم الغنى إلى طبيعي وآخر صناعي، فالغنى الطبيعي هو ما يستعين به الإنسان على دفع النواقص الطبيعية كالمطعم والمشرب، والغنى الصناعي هو ما لا تستعين به الطبيعة في نفسه كالمال مثلاً. لأن الغنى الطبيعي إنما يُطلب تحصيله للقيام بحوائج طبيعة الإنسان، فهو ليس غاية الإنسان القصوى، بل الإنسان غاية له، ولهذا كان الغنى ونحوه أدنى في رتبة الطبيعة من الإنسان ومصنوعًا لأجله. أما الغنى الصناعي فيُطلب تحصيله لأجل الغنى الطبيعي. ومنه فمن غير المعقول أن تكون السعادة التي هي غاية الإنسان الكاملة والقصوى قائمة بالغنى([2]).

صحيح، لا توجد إلا غاية واحدة قصوى لجميع الناس، بالنظر إلى كون الذهن السليم يشتهي ويرغب في رؤية الغاية النهائية والكاملة، ولكن ما يصدق عليه هذا الذهن في الواقع فهو مختلف، لأن الناس لا يميلون إلى نفس الغاية القصوى، فبعضهم يبحثون عن الثروات كخير أسمى، والبعض الآخر يرونها في أي ذوق يكون مصدرًا للمتعة، وقد تكون عند الآخرين في حلاوة العسل أو ما يماثلها، كما قد يكون اللطف (Gratia) الإلهي عند بعضهم هو مصدر المتعة العليا. رغم أنه قد يكون هناك ذوقٌ أعلى ومتعة أكثر شهوة على الإطلاق، وهو الخير الذي نرغب فيه كغاية قصوى ومطلقة([3]).

كما يستحيل أيضًا قيام سعادة الإنسان عند الأكويني في خيرات البدن وفي اللذة، لأن الإنسان يفوق سائر الحيوانات بالسعادة، ولكن كثير من الحيوانات تفوقه بخيرات البدن، مثلما يفوقه الفيل بطول الحياة، والأسد بالشجاعة. أما اللذة فما هي إلا عرض خاص لاحق للسعادة، وليست جوهرها. يقول: «إنما يلتذّ ملتذّ بحصوله على خير ملائم له إما فعلاً أو رجاءً أو تذكرًا في الأقل، والخير الملائم إن كان كاملاً فهو سعادة الإنسان، أو ناقصًا فهو سعادة بالمشاركة قريبة أو بعيدة أو ظاهرية على الأقل. ومن ذلك يتضح أن اللذّة اللاحقة للخير الكامل أيضًا ليست ذات السعادة بل شيئًا لاحقًا لها كعرض ذاتي… يتضح أن الخير الملائم للبدن والصادر عنه اللذة البدنية بإدراك الحس، ليس بخير الإنسان الكامل».([4]) وهنا ينفي أن تكون لذات الجسم الحسية سبيلاً نحو السعادة. رغم أن سعادة الإنسان في هذه الحياة تحتاج بالضرورة إلى الجسم وأعضائه، ومنه خيرات هذا الجسم ولذّاته. أما السعادة الكاملة فهي لا تحتاج إلى وجود الجسم، والحجة في ذلك أن نفوس القديسين منفصلة عن أجسامهم نتيجة اتصالها بالله، فلا تحصل السعادة المنشودة قبل يوم البعث. وهكذا، فالسعادة الحقيقية لا تستدعي الجسم، فالنفس يمكنها أن تكون سعيدة دون الجسم وخيراته العضوية([5])، ومعنى ذلك وجود سعادة كاملة، وأخرى ناقصة تحصل في هذه الحياة.

لقد استبعد الأكويني أيضًا أن تكون غاية الإنسان القصوى هي النفس أو شيئًا فيها، لأن النفس في حد ذاتها موجودة بالقوة، لأنها من عالمة بالقوة تصير عالمة بالفعل، ومن فاضلة بالقوة تصير فاضلة بالفعل. وبما أن القوة لأجل الفعل من حيث هو كمالها، يستحيل أن يكون ما هو في نفسه بالقوة متضمنًا حقيقة الغاية القصوى. فلا يمكن أن تكون النفس غاية قصوى لذاتها، وكذا يستحيل ذلك في شيء فيها قوة كان أو فعلاً أو ملكة، لأن الخير الذي هو الغاية القصوى هو الخير الكامل المكمّل الشهوة، والشهوة الإنسانية التي هي الإرادة تتعلق بالخير الكلي، وكل خير في النفس فهو خير بالمشاركة، لذلك فإنه لا يعدو أن يكون مجرد خير جزئي([6]).

كما استبعد الأكويني خيرات جزئية أخرى كالمجد والسلطة والكرامة وغيرها، لأن نسبة المعلوم إلى العلم الإلهي ليست كنسبته إلى العلم الإنساني، فإن العلم الإنساني معلول للمعلومات، والعلم الإلهي علة لها، فلا يجوز أن يكون كمال الخير الإنساني والذي يقال له سعادة معلولاً للعلم الإنساني، بل العلم الإنساني يصدر على نحو ما عن السعادة الإنسانية في حال ابتدائها أو كمالها، ومن ثَمَّ لا يجوز أن تكون سعادة الإنسان قائمة بنباهة الشأن أو المجد، بل إن خير الإنسان يتوقف على معرفة الله توقف الشيء على علته، ومنه فسعادة الإنسان تتوقف على المجد الذي عند الله توقف المعلول على علته. وأيضًا فالعلم الإنساني يعرضه الخطأ فيكون مجده باطلاً، على خلاف المجد الإلهي الحقيقي مادام الله منزّهاً عن الخطأ. أما بالنسبة للسلطة، فيستحيل كذلك أن تقوم بها السعادة. أولاً لأن السلطة تتضمن حقيقة المبدأ، في حين أن السعادة تتضمن حقيقة الغاية. وثانيًا لأن السلطة يجوز تعلقها بالخير والشر، أما السعادة فهي خير الإنسان الحقيقي والكامل([7])، ويعني ذلك أن الأكويني ينفي أن يكون أي خير مادي أو نفعي هو الماهية الحقيقية للسعادة الإنسانية.

لذلك، يستحيل في نظره قيام هذه السعادة بخير مخلوق يقول: «فالسعادة هي الخير الكامل الذي تسكن عنده الشهوة بالكلية، وإلا لم يكن هو الغاية القصوى إن بقي وراءه مطمحٌ للشهوة. وموضوع الإرادة التي هي الشهوة الإنسانية هو الخير الكلي، كما أن موضوع العقل هو الحق الكلي. ومن ذلك يتضح أن إرادة الإنسان لا يمكن أن تسكن إلا عند الخير الكلي، وهذا ليس يوجد في مخلوق بل في الله وحده، لأن كل مخلوق خيّر بالمشاركة، فإذاً ليس يقدر أن يشبع إرادة الإنسان إلا الله وحده»([8]).

فالسعادة الحقة غير مرتبطة بأي خير مخلوق، بل هي الخير الأسمى المشبع بالشهوة، لأنه إذا كان هناك شيء آخر نرغب فيه فهو ليس غاية قصوى، باعتبار موضوع الإرادة الذي هو الشهوة الإنسانية فهو في الآن عينه الخير العام أو الكلي. فمن البديهي أنه لا شيء يُشبع إرادة الإنسان إذا لم يكن خيرًا كليًا، إنه الخير الذي لا يمكن أن يوجد في مخلوق ما، لأن كل مخلوق مرتبط بالخيرية والغبطة عن طريق المشاركة فقط، لذلك فإن الله هو الوحيد الذي يُشبع إرادة الإنسان، والذي يجد فيه سعادته الحقيقية([9]).

أليست السعادة إذن قائمة بمطالعة العلوم النظرية؟ لقد أجاب الأكويني بالنفي، لأن العلوم النظرية تحصل عن طريق الحواس، إنها سبيل نحو معرفة الوقائع الحسية التي لا يمكن للإنسان أن يجد فيها سعادته، كون هذه السعادة هي الكمال الأقصى، فالشيء الذي يحتوي على نسبة عالية من الكمال لا يحصل عليها عن طريق شيء أدنى منه، على أن علاقة الأدنى بالأعلى مجرد مشاركة فحسب([10]).

يرى الأكويني أن السعادة عند أرسطو (Aristotle) فعل صادر عن فضيلة كاملة، وقد عدّ الفضائل النظرية التي لم يذكر منها أرسطو إلا ثلاث وهي العلم والحكمة والفهم، وهي كلها ترجع إلى مطالعة العلوم النظرية. ولكن سعادة الإنسان عند الأكويني على ضربين: كاملة وناقصة، فالسعادة الكاملة هي الحقيقية، أما الناقصة فهي تشتمل على شبه جزئي بالسعادة، والمبادئ الأولى للعلوم النظرية إنما تُستفاد بالحس، وإدراك المحسوسات لا يجوز أن تقوم به سعادة الإنسان القصوى التي هي غاية كماله([11]).

لمّا رأى أرسطو أنه ليس لنا من معرفة في هذه الحياة سوى العلوم النظرية، قال بأن الإنسان لا يسعى إلى تحقيق السعادة الكاملة، بل إلى السعادة التي تلائم حاله. فيرى أرسطو أن هناك مَنْ يجعل السعادة تقوم على اللذة والفن وغيرهما، وهو لا ينكر أن هذه الخيرات الخارجية كاللذة والثروة والصحة والصداقة، تؤثر في فعل السعادة، لكنها تبقى مجرد وسائل تستعمل لتحقيق ما هو قائم بذاته، كما أن هذه الأنواع المختلفة للحياة لا نحبها لذاتها. لذلك يجب البحث عن الغاية القصوى، وهي السعادة كغاية في ذاتها، وهي نشاط خاص بالجزء النفسي (النفس العاقلة)، لذا فهي فعل إنساني محض، أي أنها تقوم على الجزء الأسمى لوجودنا (العقل) أو ما هو إلهي فينا. فالسعادة إذن الخير الأسمى والكامل، والنهائي، إنها غاية كل الغايات، وكل الأفعال الممكنة للإنسان([12]).

لقد حدد أرسطو للنشاط الإنساني غاية هي السعادة، ووضع السعادة في الممارسة العليا للملكة البشرية العليا التي هي العقل، ومعروف أن العمل الأسمى للعقل هو التأمل الإلهي. وهنا يستعيد الأكويني هذه النظرية، إلا أنه يدخل عليها تحويرًا مهمًا، فبالنسبة لأرسطو يجب أن تتحقق السعادة في حدود الوجود الأرضي، أي في ظروف زائلة، ويجعل الأكويني تلك السعادة في متناول الجميع، ولكنه يحتفظ بها للآخرة، فتلك السعادة ستكون عنده أيضًا تأمل الله، بل ويسميها باللغة اللاهوتية بـ “الرؤية الطوباوية” أو “السعادوية”([13]).ولكن مبادئ العلوم النظرية عند الأكويني تُكتسب بالحس ثم بالتجريد والمماثلة، فلابد أن يكون كمال الإنسان من جهة الموضوع المشترك للعقول جميعًا، وهو الوجود، وذلك بمعرفة موجود أعلى معرفة مباشرة([14]).

وهكذا؛ فإن السعادة الحقيقية عند الأكويني لا تقوم في الخيرات الجزئية السابقة، حيث يمكن إيراد أربع أدلة تثبت ذلك: الدليل الأول يتمثل في كون السعادة هي خير الإنسان الأقصى أو الأعظم الذي لا يتضمن أي شر، أما الخيرات السابقة فهي مشتركة بين الأشرار والأخيار. والدليل الثاني كون السعادة كافية بنفسها، بينما من حصل على إحدى الخيرات السابقة تفوته خيرات أخرى كثيرة ضرورية، كالحكمة والعافية وغيرها. والدليل الثالث أن السعادة هي الخير الكامل، حيث لا يجوز أن يصدر عنه شر لأحد، وهذا جائز في تلك الخيرات السابقة، كأن يُدخّر الغنى لمضرة مالكه. وما يقال على الغنى يقال على الخيرات الجزئية الأخرى. والدليل الرابع يتمثل في أن الإنسان يتوجه إلى السعادة بالمبادئ الداخلية توجّهًا بالطبع، أما هذه الخيرات السابقة فهي معلولة لعلل خارجة كالثروة، فهي خيرات الثروة([15]). يلزم عن ذلك استبعاد جميع الخيرات العاجلة الجزئية، وبالتالي فقوام السعادة الحقة مختلف عنها بالماهية.

الخلاصة

في الحقيقة؛ لا يمكن إطلاقًا أن نذكر فلسفة العصور الوسطى إلا بأن نخصص مساحة كبيرة للقديس توما الأكويني (1225 – 1274)، لأنه تميَّز بحسٍّ نقدي لا نجده بالدرجة نفسها عند كل الفلاسفة الذين قبله في كل العصور الوسطى المسيحية، لأنه نقد أكثر الاتجاهات التي قبله، فوقف على قمة العصر.

يهدف كل سلوك إنساني أخلاقي أو فاضل عند القدّيس توما الأكويني إلى تحقيق السعادة، والتي لا علاقة لها بالخيرات المعروضة في الحياة الدنيا كالغنى، وخيرات البدن، والمجد والسلطة وغيرها، كونها خيرات جزئية. السعادة هي الخير الكلي الكامل الذي يسعى الإنسان إلى تحقيقه بوصفه كائنًا عاقلاً ومريدًا، لأنها تتمثل في تأمل العقل للحقيقة.

مقال منشور في العدد الثالث من المجلة 


الهوامش:

([1]) عن حياته، راجع: الموسوعة العربية العالمية: رئيس التحرير أحمد مهدي الشويخات، أعمال الموسوعة، الإصدار الرقمي 2004. عن مؤلفاته، انظر: ميخائيل ضومط، توما الأكويني: دراسة ومختارات.- بيروت: المكتبة الشرقية، 1956. (ص 146).

([2])  توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية/ ترجمة: الخوري بولس عواد.- بيروت: المطبعة الأدبية، 1891. (ج3/ ص 183-184).

([3]) Saint Thomas d’Aquin: Sur le bonheur, textes introduits, traduits et annotés par Ruedi Imbach, Ide Fouche, Librairie philosophique, J. Vrin, Paris, 2005, p 61.

([4])  توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، (ج3/ ص 190، 199).

([5]) Saint Thomas d’Aquin: Sur le bonheur, textes introduits, traduits et annotés par ruedi imbach, ide fouche, librairie, philosophique, j.vrin, paris, 2005,  pp 89, 91.

([6])  توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، (ج3/ ص 195-196).

([7])  المصدر نفسه، (ج3/ ص 187-189).

([8])  المصدر نفسه، (ج3/ ص 197-198).

([9]) Saint Thomas d’Aquin: Sur le bonheur, p. 69.

([10]) Op.cit., pp. 81, 83.

([11])  توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، (ج3/ ص 210-211).

([12]) Aristote: Éthique à nécomaque, traduction, barthélemy saint hilaire, librairie générale française, 1992, pp 42, 70.

([13])  إدوار جونو، الفلسفة الوسيطية/ ترجمة: علي زيعور.- بيروت: دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، 1982. ص 136.

([14])  يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط، ص 176-177.

([15])  توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، (ج3/ ص 189).

شيخ الإسلام زكريا الأنصاري وتراثه المهجور

علاء عوض

يُظهِر تراث كل أمة من الأمم تفوقَها العلمي ومدى تطوره عبر تاريخها، خاصةً لو كانت هذه الأمة ذات حضارة عريقة كالأمة الإسلامية. ويعكس مدى محافظتها على هذا التراث اهتمامها بتراثها واستفادتها منه.

وامتاز التراث الإسلامي بالعلماء المصنفين في شتى فنون المعرفة، وبروزِ المصنفين المكثرين من التأليف بحيث جاوزت مؤلفات بعضهم الخمسين مؤلفًا وبعضهم تعداها إلى المئة، فمن هؤلاء: أبوالفرج ابن الجوزي (597هـ)، ابن تيمية (728هـ)، الذهبي (748هـ)، ابن القيم (751هـ)، ابن حجر العسقلاني (852هـ) في آخرين.

وكان من هؤلاء المكثرين: العالم الكبير شيخ الإسلام زكريا بن محمد الأنصاري الشافعي (926هـ)، قاضي القضاة بمصر، والقائم على التدريس بمقام الإمام الشافعي والنظر على أوقافه، اجتهد الشيخ في طلب العلم مذ كان يافعًا، رغم فاقته وشدة حاجته، ولم يمنعه هذا من الجد والتحصيل والأخذ عن علماء عصره([1]).

فقد دَرَس الشيخ على جِلة من الأئمة، أبرزهم: شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني المحدث المشهور (852هـ)، محيي الدين الكافيجي الحنفي إمام العربية في زمانه (879هـ)، جلال الدين المحلي الفقيه الأصولي المشهور صاحب التصانيف (864هـ)، في آخرين يطول ذكرهم.

وأذن للشيخ كثيرٌ من شيوخه بالتدريس والتصدر، فتصدر في حياتهم للإفتاء والتدريس، فتخرّج به أعيان المذهب الشافعي بعده ومَن أصبحوا في حياته علماء أجلاء، فمِمَّن نبغ منهم:

– فقيه مصر ومقدم الشافعية بها: شهاب الدين أحمد الرملي (957هـ).

– شمس الدين محمد بن أحمد بن حمزة، ابن شهاب الدين الرملى المتقدم الذكر، فقيه مصر وإمام الشافعية بها وإليه المرجع في الفتوى على المذهب الشافعي، وقيل: إنه مجدد القرن العاشر.

– الشيخ العلامة الإمام مفتي الحجاز وعالمها، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي الشَّافِعي ( 973 هـ‍ أو 974 هـ)، وإليه مرجع الشافعية في الحجاز واليمن.

وغيرهم كثير ضربنا عنهم الذكر صفحًا؛ كي لايطول بنا المقال، والإشارة تكفي بمثل هؤلاء النُجُب؛ كي يتبين قدر شيخ الإسلام زكريا رحمه الله.

لم يكن ميدان التدريس هو الميدان الوحيد الذي ضرب فيه الشيخ بسهم، بل ضرب أسهمًا أخرى في ميادين عدة، أهمها التأليف، فاشتهر الشيخ زكريا بكثرة المصنفات، وكان مما يمتاز به التنوع في التأليف في الفنون المختلفة، فصنّف في الفقه والحديث والتفسير والقراءات والتجويد وأصول الفقه والمنطق والهندسة وغيرها.

وقد لاحظ العلماء مزية مؤلفاته وجودة سبكه للمعاني، فالسخاوي وهو يترجم له قال: «…ورويّته أحسن من بديهته، وكتابته أمتن من عبارته»([2])، وذكر النجم الغزي  أنه: «أُعطي الحظ في مصنفاته وتلاميذه.. »([3]).

وتفاوتت جودة مؤلفات الشيخ بسبب توسعه في التأليف في العلوم المختلفة التخصصات، فليست كل مؤلفاته على ساق واحدة في الجودة، ولعل هذا ما لاحظه العيدروس حين قال: «ويقرب عندي أنه المجدد على رأس القرن التاسع لشهرة الانتفاع به وبتصانيفه واحتياج غالب الناس إليها، فيما يتعلق بالفقه وتحرير المذهب [أي: الشافعي] بخلاف غيره، فإن مصنفاته وإن كانت كثيرة فليست بهذه المثابة، على أن كثيرًا منها مجرد جمع بلا تحرير حتى كأنه حاطب ليل»([4]).

ويلحظ المتتبع لتراث الشيخ زكريا: أنه كان ينتقي من كل علم مصنفًا يُعدُ عند أهله هو الجامع لمسائله، ثم يعكف عليه إما بالاختصار أو بالشرح أوالتحشية، أو الجمع بين اختصاره ثم شرحه أو التحشية على ذلك المختصر، ولذلك أمثلة منها:

– منهاج الطالبين للنووي، وهو المرجع الأساس عند متأخري الشافعية، وقد قام الشيخ باختصاره في (منهج الطلاب)، ثم قام بشرحه في (فتح الوهاب).

– جمع الجوامع للسبكي في أصول الفقه، وهذا الكتاب عكف عليه المتأخرون من مختلف المذاهب بحيث كثرت عليه الشروح والحواشي، وقد قام الشيخ بالتحشية على شرح المحلي للكتاب، ثم قام باختصار الكتاب نفسه وسماه (لب الأصول)، ثم شرح هذا المختصر في (غاية الوصول إلى شرح لب الأصول).

– ألفية الحافظ العراقي في الحديث، وهي من هي في علم مصطلح الحديث، شرحها الشيخ شرحًا متوسطًا، وأسمى الشرح (فتح الباقي بشرح ألفية العراقي).

– ألفية ابن مالك في النحو، وهي عمدة في دراسة النحو، كتب الشيخ زكريا حاشية على شرح ابن الناظم للألفية المعروف بـ(الدرة المضية).

– متن الجزرية، له عليها شرح لطيف، وهي من أمهات كتب التجويد وللمتأخرين بها عناية فائقة.

رغم كل هذا الإنتاج العلمي الغزير للشيخ إلا أنه لم يحظَ في عصرنا بالعناية اللائقة به([5])، إذ أن جُلَّ مصنفات الشيخ لم تحقق تحقيقًا علميًا، بل الغالب خروجها في صورة مطبوعة مصححة مليئة بالتصحيف والتحريف والسقط، وكتبه طارت نسخها الخطية في الآفاق، خاصة مكتبات مصر والعراق والشام وتركيا، فتعج مكتبات هذه الدول – خاصة مصر – بنسخ عديدة من مصنفات الشيخ رحمه الله، فقد تبلغ نسخ الكتاب الواحد مئة نسخة وأكثر! وهذا يدل على أهمية كتبه وكثرت تداولها بعد عصره، ونشير بعد ما سبق إلى بعض مؤلفات الشيخ التي لم تحقق تحقيقًا علميًا؛ فمن أهمها([6]):

1- أسنى المطالب في شرح روض الطالب، وهو شرح على روض الطالب في الفقه الشافعي لابن أبي بكر المقري اليمني، والذي هو مختصر لروضة الطالبين، وقد ختم شيخ الإسلام تحقيقه بين يدي مؤلف المتن الشيخ المقري وذلك في سنة 892هـ، وهو شرح حافل نفيس، واعتنى العلماء به أيما عناية واشتغلوا به إقراءً وتدريسًا في الأزهر وغيره من معاهد العلم زمانًا مديدًا، وكتبوا عليه الحواشي والتحريرات، ومن أجلها حاشية العلامة شهاب الدين أحمد الرملي التي جردها الشيخ شمس الدين الشوبري، طبع بالمطبعة الميمنية بالقاهرة سنة 1313ه، ولهذا الشرح نسخ خطية عديدة أهمها:

  • نسخة مكتبة (أحمد الثالث)، رقم (1/740) و (3/740)، بتاريخ 900هـ.
  • نسخة مكتبة الأوقاف العامة ببغداد، رقم (3560)، بتاريخ 942هـ.
  • نسخة مكتبة (Chester Beatty)، رقم (5405) و (5406)، بتاريخ 900هـ، ونسخة أخرى رقم (5410) بتاريخ 930هـ، ونسخ هذا الكتب كثيرة اقتصرنا على أهمها.

2- الغرر البهية في شرح البهجة الوردية، وهو شرحه الكبير على النظم المسمى: بهجة الحاوي، والمشهور بـ(البهجة الوردية) لابن الوردي (747هـ)، الذي نظم فيه الحاوي الصغير لنجم الدين القزويني، وهو كتاب حافل نفيس، اعتنى به العلماء إقراءً وتدريسًا وكتبوا عليه الحواشي والتقارير فمنها: حاشية شهاب الدين أحمد بن قاسم العبادي، وحاشية العلامة الشيخ عبد الرحمن الشربيني وتقريره أيضًا على الحاشية، وقد طبع الكتاب مع تلكما الحاشيتين وذلك التقرير في خمسة مجلدات كبار بالمطبعة الميمنية بالقاهرة سنة 1318ه، وهذا الكتاب من الكتب التي اهتم الشيخ بتحريرها حتى أنه «قرئ عليه شرحه على البهجة سبعًا وخمسين مرة حتى حرّره أتم تحرير»([7])، ولذا كثرت نسخ هذا الكتاب ومن أهمها:

  • نسخة مكتبة (Chester Beatty)، رقم (3432) بخط مؤلفها الشيخ زكريا رحمه الله، كما في فهرس المكتبة.
  • نسخة مكتبة (Chester Beatty)، رقم (3421)، بتاريخ 901-902ه.
  • نسخة المكتبة السليمانية بتركيا، قسم البابنيان رقم (8/57) و (8/58)، بتاريخ 904هـ و 920هـ على التوالي.

3- خلاصة الفوائد المحوية في شرح البهجة الوردية، وهو مختصر من الشرح السابق ويعرف بالشرح الصغير للبهجة، ونسخه بالمكتبة الأزهرية، وبالموصل نسخة بعد وفاة المؤلف بمئة سنة تقريبًا.

4- تحرير تنقيح اللباب، وهو مختصر تنقيح اللباب لابن العراقي (826هـ) الذي اختصره من اللباب للإمام المحاملي (415هـ).

5- تحفة الطلاب شرح تحرير تنقيح اللباب، وهو شرح على المختصر السابق، ونسخه الخطية كثيرة جدًا، من أهمها:

  • نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق، رقم (8964)، بتاريخ 969هـ.
  • نسخة مكتبة جامعة الرياض، رقم (719)، بتاريخ 996هـ.
  • نسخة (آية الله نجفي) بإيران، رقم (2243)، بتاريخ 971هـ، ولهذا الكتاب نسخ خطية كثيرة بمكتبة (الأزهر) و (دار الكتب المصرية) تفوق الحصر.

6- فتح الوهاب شرح منهج الطلاب، وهو شرحه على مختصره من كتاب منهاج الطالبين للنووي، وقد اعتنى العلماء بهذا الشرح وقُرر على الطلبة في الأزهر ودُرّس لسنين، وكثرة نسخه الخطية منبئة على شدة العناية به، ففي المكتبة الأزهرية قرابة المئة نسخة لهذا الكتاب الجليل، ومن أهم نسخه:

  • نسخة المكتبة الأزهرية، رقم (20591)، بتاريخ 974هـ.
  • نسخة المكتبة الأزهرية، رقم (5575)، بتاريخ 960هـ.
  • نسخة المكتبة الأزهرية، رقم (6105)، بتاريخ 966هـ.
  • نسخة المكتبة الأزهرية، رقم (3393)، بتاريخ 961هـ.
  • نسخة مكتبة جامعة الرياض، رقم (823)، بتاريخ 936هـ.
  • نسخة مكتبة (آية الله نجفي) بإيران، رقم (2180)، بتاريخ 967هـ.

7- حاشية على شرح جمع الجوامع في أصول الفقه، من نسخه:

  • نسخة جامعة الكويت، رقم (1291)، بتاريخ 911هـ، ونسخة أخرى بها، رقم (1288)، بتاريخ 911هـ.
  • نسخة (مدرسة الحاج زكريا) بالموصل، رقم (3/6)، بتاريخ 913هـ.

8- حاشية نفيسة على تفسير البيضاوي، ولها نسخ خطية عديدة منها:

  • نسخة مكتبة (فيض الله أفندي)، رقم (116)، بتاريخ 976هـ.
  • نسخة المكتبة القادرية، رقم (76)، بتاريخ 963هـ.
  • نسخة المكتبة الظاهرية، رقم (4473)، بتاريخ 975هـ.
  • نسخة مكتبة أحمد الثالث، رقم (125)، بتاريخ 974هـ.

9- المطلع  في شرح إيساغوجي في علم المنطق، وقد طبع قديمًا، ومن نسخه:

  • نسخة بمكتبة (ملي كتبخانة)، بتاريخ 885هـ.
  • نسخة بمكتبة (عاشر أفندي)، بتاريخ 1080هـ.

10- المناهج الكافية في شرح الشافية في علم الصرف، وهو شرح متوسط، من نسخه:

  • نسخة دار الكتب الوطنية بتونس، رقم (7378)، بتاريخ 1047هـ.
  • نسخة مكتبة (آية الله نجفي)، رقم (2987)، بتاريخ 900هـ.
  • نسخة خزانة المدرسة العليا بالرباط، رقم (516)، بتاريخ 1016هـ.

وهذا نذر يسير من مؤلفات هذا العالم الجليل، الذي طارت مؤلفاته في كل مطار وانتفع بها القاصي والداني.

وكلمة أخيرة: بعد التجوال القصير في مصنفات الشيخ زكريا الأنصاري – رحمه الله – تبين لنا أن تراثه متشعب في شتى الفنون، وإخراج مثل هذا التراث تنوء بحمله الجبال، ولا يستطيعه الأفراد، فحريٌ بالمؤسسات الكبيرة أن تتبنى فكرة إخراج مؤلفاته على وجهٍ لائق؛ كي يرى مثل هذا العمل النور، فهل يا ترى يتحقق هذا الأمل؟… أرجو.

مقال منشور في العدد الثالث من المجلة 


الهوامش:

([1]) لترجمة الشيخ انظر: السخاوي، محمد بن عبدالرحمن، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، دار الجيل، بيروت، 3/234.  الغزي، محمد بن محمد، الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1997م، بيروت،1/198. العيدروس، عبدالقادر بن عبدالله، النور السافر عن أخبار القرن العاشر، دار صادر، الطبعة الأولى، 2001م، بيروت، صـ172.

([2]) الضوء اللامع للسخاوي 3/237، مصدر سابق.

([3]) الكواكب السائرة للغزي 1/203، مصدر سابق.

([4]) النور السافر للعيدروس، صـ177، مصدر سابق.

([5]) غالب مصنفات الشيخ زكريا ينطبق عليها هذا الوصف، إلا أن هناك بعض مؤلفاته التي لاقت بعض العناية، منها:

– ثبت شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، صدر عن دار البشائر عام 1431هـ، بتحقيق: محمد بن إبراهيم الحسين، اعتمد فيه على 6 نسخ خطية، وهو تحقيق حسن.

– غاية الوصول شرح لب الأصول، حقق في رسالة جامعية بجامعة أم القرى، عام 1984م، بتحقيق: عبدالله محمد الصالح، ومستوى التحقيق متوسط، والكتاب في حاجة إلى تحقيق جديد.

([6]) للوقوف على بعض مصنفات الشيخ وأماكن تواجد نسخها انظر: الكواكب السائرة 1/203، وقد ذكر الغزي تعداد مؤلفاته وتعداها إلى الأربعين. بلوط، علي الرضا وآخر، معجم التاريخ التراث الإسلامي في مكتبات العالم، دار العقبة/قيصري، تركيا، صـ 1146، ترجمة (3102). شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، ترجمة منشورة على موقع الأزهر.

([7]) الكواكب السائرة1/203.

السير إسحاق نيوتن: نظراتٌ في فكره الديني

هيثم سمير ([1])

إسحاق نيوتن (25 ديسمبر 1642 – 20 مارس 1727)، عالم الرياضيات والفيزياء الغني عن التعريف، فهو أحد أهم العلماء على مر التاريخ. ولد في مقاطعة لينكونشير في إنجلترا. التحق بالمدرسة الملكية ودرس فيها الرياضيات والكلاسيكيات والكتاب المقدس. وبالرغم من أنه كان الأول بين أقرانه من الطلاب، إلا أن مدرسه كان يعتقد إنه مصاب بنوع من التوحد. التحق بعد ذلك بكلية الثالوث بجامعة كامبريدج عام 1661. درس فيها أفلاطون وأرسطو، والعلوم الكلاسيكية مثل المنطق والأدب والتاريخ. لكنه أبدى اهتماما كبيرا بعلوم الميكانيكا الحديثة، فاهتم بدراسة كوبرنيكوس، جاليليو، ديكارت وروبرت بويل. أكمل دراساته العليا في كامبريدج، وأثناء دراساته، اخترع حساب التفاضل والتكامل (Calculus)، اكتشف الطبيعة غير المتجانسة للضوء (the heterogeneous nature of light) والميكانيكا السماوية. نشر نتائج أبحاثه في كتابه الشهير المبادئ (Principia) عام 1687م، وكتاب البصريات (Opticks) عام 1704م.

بعد هذه المقدمة التعريفية الصغيرة، ننتقل إلى الجانب المجهول عند الغالبية العظمى، من حياة نيوتن.

يقول دافيد بروستر: «إذا لم يشتهر السير إسحق نيوتن كعالم رياضيات وفيلسوف طبيعي، كان سوف يشتهر كلاهوتي مرموق»([2]).

لعلك تتعجب من ذلك الجزم الغريب باعتبار نيوتن لاهوتي، بل لاهوتي مرموق أيضا، فمن أين أتى بروستر بهذا الرأي؟

في 22 فبراير 2003 نشرت جريدة التليجراف اليومية (Daily Telegraph) الشهيرة، في صفحتها الأولى، نبوءة لإسحاق نيوتن، يتوقع فيها نهاية العالم بحلول عام 2060 أو بالأحرى نهاية مرحلة من الحياة على الأرض وبداية مرحلة الحكم الألفي (العيش في سلام ونعيم على الأرض تحت حكم السيد المسيح). وكما يقول الدكتور (Stephen D. Snobelen) – المتخصص في تراث نيوتن – كانت هذه هي المرة الأولى التي يتعرف قطاع واسع من الجماهير على آراء نيوتن التنبؤية، فآراء نيوتن الدينية ظلت طوال الفترة السابقة لهذا الخبر مقصورة على بعض النخبة من المؤرخين والعلماء المهتمين بنيوتن. لكن منذ ذلك الحين تسارعت وكالات الأنباء في نقل هذا الخبر فترجم في جميع أنحاء العالم، وحينها فقط بدأ قطاع أوسع من العامة التعرف على نيوتن بشكل جديد، وتكوين صورة مركبة وأكثر تعقيدا عن شخصيته، فبالإضافة إلى التصور السابق عنه كعالم طبيعي، أصبح ينظر إليه كمفسر للكتاب المقدس، وكلاهوتي. مثلَّ هذا الخبر صدمة للعامة، فوسائل الإعلام التي لعبت دائما دورا في تشكيل لا وعي عند الجماهير، يؤكد على تعارض العلم مع الدين، يأتي الآن ليخبرها بأن نيوتن ذلك العالم الفذ أحد أعظم علماء التاريخ، كان مؤمنا بالله، بل ومؤمن بالكتاب المقدس وأنه كلام الله الموحى به إلى أنبيائه.

كان نيوتن مؤمنا بالله إيمانا راسخا وبالكتاب المقدس والمسيحية، إلا أنه كان رافضا للكنيسة وللالتحاق بها، حتى أنه ترك زمالة كلية الثالوث بكامبريدج، لأن القانون وقتها كان يجبره على الخدمة الكنسية وتقلد منصبا فيها، حتى توسط له أحد الدكاترة ليستثنيه من ذلك الشرط الذي ألغي فيما بعد.

يرى دافيد بروستر، أن رفض نيوتن للالتحاق بالكنيسة، بالرغم من إلحاح الكثير من كبار رجالاتها عليه، كان سببا في أن يحصل على علوم الكتاب المقدس، وكلام الرسل والأنبياء والتعرف على حقيقتهم المجردة، بدون تأثير أو تضليل من أحد، وأن يُكوّن بما حصَّل من العلوم النقية، عقيدته الأوسع والأكثر تسامحا([3]).

من الشائع في الثقافة العامة، أن فيزياء نيوتن تجعل الإله لا داعٍ له، بمعنى أنه لا داعٍ لتدخله في الكون بعد الخلق، حيث يُعتقد أن كتاب المبادئ (Principia)، الذي وضع قوانين الحركة الثلاثة، جعل الإله كصانع الساعة، الذي صنعها ونظم الحركة بين تروسها وعقاربها، ثم تركها بعد ذلك لتعمل وحدها وفق ذلك النظام. تلك النظرة لفكر نيوتن مجحفة ومختزلة، فالآن أصبحنا نعرف أن نيوتن ألّف العشرات من الكتابات الدينية واللاهوتية، نعرف من خلالها كما يقول سنوبيلين([4])، أن الكون عند نيوتن ليس فقط، أنه لم يكن كونا ميكانيكيا، بل كان أيضا ضد هذه الفكرة ويرفضها تماما. بل الأكثر من ذلك فإن نيوتن سعى من خلال كتاب المبادئ أن يخدم اللاهوت الطبيعي، فنجد أن ريتشارد بينتلي (Richard Bentley) أثناء مراجعة بعض أبحاث بويل، من أجل نشر كتابه اللاهوتي الطبيعي الدفاعي([5])، أراد الاستعانة بكتاب المبادئ، فأرسل إلى نيوتن ليأخذ برأيه ويطلب مساعدته، فكان رد نيوتن عليه كالآتي:

«حين كتبت مقالتي عن نظامنا، كان من ضمن أهدافي أن تكون تلك المبادئ مفيدة لأولئك الذين يؤمنون بالله، ولا يوجد شيء يسعدني أكثر من أن أجد نفعها في ذلك الغرض»([6]). وكان يرى أن الإله هو تفسير سببي لعظمة الكون ودقة نظامه الذين، لا يوجد لهم، في رأيه، تفسيرا طبيعيا، فيقول:

«إذا فإن صنع النظام بكل حركته، يتطلب سببا أدرك وقارن بين الكميات المختلفة للمادة في الشمس والكواكب وقوة الجاذبية المترتبة على ذلك […] وإن مقارنة وضبط كل تلك الأجسام المختلفة، يدعو للقول بأن هذا السبب ليس أعمى وليس تصادفيا، لكنه متمكن بشدة من الهندسة والميكانيكا»([7]).

كانت تلك لمحة عن إيمانه بوجود إله خالق مدبر وضابط لنظام هذا الكون ويتدخل بعنايته وعمله في حركته. أما عن ديانته، فكما ذكرنا أنه كان مسيحيا مؤمنا بالكتاب المقدس، نشأ في أسرة بروتستانتية ودرس الكتاب المقدس بالمدرسة الملكية، في مرحلة مبكرة من حياته ساهمت بشكل كبير في تشكيل وعيه، فاستمر شغفه بالدين وإيمانه بالكتاب المقدس، لكن كما كان صاحب رؤية خاصة للكون وللإله فكانت له رؤيته الخاصة في الدين.

 كما يقول بروستر، فإن عقلية فيلسوف مثل نيوتن ترك أثرا في مختلف المجالات، بل فتح بابا جديدا لرؤية حقيقة هذا الكون، تكون لها من الأهمية والخصوصية مكان([8]).

يعتقد البعض أن نيوتن طور عقيدته بنفسه بتأمله الشخصي في الكتاب المقدس، لكن هناك بعض الأدلة تشير إلى أنه بجانب دراسته الذاتية للكتاب ولتاريخ الكنيسة وأقوال الآباء، تأثر أو على الأقل درس بعض الكتابات السوسينيانية وأيضا الآريوسية، أو بشكل أعم الكتابات المضادة للثالوث التي كانت منتشرة في القرن السابع عشر، فيذكر أنه كان يملك ثمانية كتب سوسينيانية منها كتاب “عقيدة الله الواحد” (The Faith of the One God)، وأن صديقه جون لوك، الذي كان يتناقش معه دائما في اللاهوت، كان يملك واحدة من أكبر المكتبات السوسيانية في انجلترا. ولذا، فالبرغم من كونه ليس سوسينيانياً، فقد كان يشاركهم العديد من المعتقدات التي تعتبر هرطوقية في نظر الكنيسة الانجليزية، فمن ضمن العقائد الهرطوقية المشتركة بينه وبين السوسينيانيين، أنهم كانوا يعتقدون أن المسيحية الأولى كانت بسيطة وكانت مستمدة من القراءة الصحيحة للكتاب المقدس، وأن العقيدة الصحيحة تم تحريفها بإقحام الفلسفة اليونانية والميتافيزيقا والتقليد. وبالتالي كانوا ينظرون بعين الريبة إلى كل العقائد غير الكتابية خاصة الفلسفية منها. كل من نيوتن والسوسيانيين كانوا يسعون إلى إيجاد المسيحية المجردة، وكانا يعتبران أن التحريفات اللغوية والمصطلحات المبتدعة هي سبب انقسامات الكنيسة. من ضمن المعتقدات المشتركة أيضا، أن مصطلح الهوموؤسيوس([9]هو آفة شريرة أصابت المسيحية. بالرغم من ذلك فكانوا يعتقدون أن المسيحية الحقة حُفظت فيما بقي خاليا من التحريف لكن لا يمكن أن يصل إليها، فقط إلا نخبة من الباحثين.

في إطار سعيه للوصول إلى المسيحية المجردة، اهتم نيوتن أيضا بالنقد النصي، لنصوص الثالوث، وهو ما ظهر في رسالته (تحريفان مهمان) وهو أيضا اهتمام مشترك بينه وبين السوسينيانيين، حيث أنهم كانوا يريدون محو التحريفات التثليثية المزعومة. كان يؤمن أيضا مثلهم بفناء الروح. كل هذه الاتفاقات العقدية وغيرها لا تعني أن نيوتن كان سوسينيانياً، فعلى خلاف السوسيانيين كان يعتقد بوجود المسيح سابقا للخلق أو (أول المخلوقات)، وهو اعتقاد آريوسي([10]) وليس سوسينياني. وبالتالي يمكن استخلاص أن عقيدة نيوتن كانت مزيج بين السوسيانية والآريوسية، وأنها بشكل عام كانت رافضة للثالوث. وكان ينكر التجسد حيث قال، كما نقل عنه صديقه هوبتن هاينز (Hopton Haynes): »سوف يأتي يوم تصبح فيه عقيدة التجسد ضربا من السخف مثلها مثل عقيدة الحلول.«

من ضمن آرائه الدينية المهمة أيضا كانت نظرته لنبوءات الكتاب المقدس، فكان يقرأ التاريخ جنبا إلى جنب مع نبوءات دانيال وسفر الرؤية، وكان يعتقد “أن الله ليس مقيدا بحدود الزمن، مثل البشر، وهو ما يسمح له برؤية النهاية منذ البدء. ولذا فكان يعتقد أن النبوات المقدسة ليست إلا تاريخ الأحداث القادمة.” ولذلك قام بوضع قواعد تفسير النبوات المقدسة في كتاب لم ينشره عنوانه “Rules for interpreting the words & language in Scripture”

كان هذا بعضٌ يسير من آراء وكتابات نيوتن الدينية، وجدير بالذكر أن مجموع ما كتب في اللاهوت والدين يقارب المليون ونصف كلمة، وهو ما يتخطى كتاباته العلمية. ربما يثير ذلك التساؤل، لماذا لا يعرف أحد هذه الكتابات أو لماذا لم تنتشر أفكار نيوتن الدينية، برغم غزارتها وجدليتها الشديدة، مثلما انتشرت أفكاره وآراؤه العلمية.

يرجع الباحثين السبب في عدم المعرفة تلك إلى أسباب مختلفة منها رغبة نيوتن نفسه، في إبقاء عقيدته سرية حتى وصف بالنيقوديموسي([11]). فكان نيوتن في عصر تجرم فيه الهرطقة وتفقد صاحبها المكانة الاجتماعية، فكان الهراطقة في عين المجتمع وضعاء فاسدون أخلاقيا ومعنويا، وكان إعلان نيوتن لمعتقداته سوف يضعه في حرب وربما كان سيجرده من كل الامتيازات التي كان يتمتع بها: من عمله بالجامعة، ومن لقبه الاجتماعي، ومن مكانته. لذلك، فضل نيوتن كإنسان، طبيعي يبحث عن الاستقرار والابتعاد عن المشاكل أن يبقى على هذه المعتقدات في دائرة صغيرة من أصدقائه.

أحد الأسباب الأخرى الهامة، لعدم انتشار أفكار نيوتن الدينية، أن عائلة بورتسموث (Portsmouth)، أبقت هذه المخطوطات بعيدا عن متناول العامة حتى عام 1936، حين اشتراها أبراهام شالوم حزقيال يهودا (Abraham Shalom Ezekiel Yahuda) في لندن، وحين مات عام 1951، ترك تلك المخطوطات كهدية للدولة الوليدة حين ذاك: إسرائيل، لكن لأسباب ما تأخر وصول تلك المخطوطات إلى إسرائيل، حتى وصلت إلى مكتبتها الوطنية عام 1969.([12]) بقت المخطوطات في المكتبة ولم تنتشر خارج حدودها حتى نسخت على ميكروفيلم عام 1991، ومنذ ذلك الحين بدأ العلماء حول العالم في دراسة كتابات نيوتن وفي إعادة قراءة أفكاره وتاريخه، وفي عام 1998 ظهر للنور مشروع نيوتن (Newton Project)([13]) وهو مشروع معني بتفريغ ونشر كل مخطوطات نيوتن ونشرها مجانا للعامة وللباحثين.

مقال منشور في العدد الثالث من المجلة 


الهوامش:

([1]) أصل هذا المقال مقدمة كتبتها للتعريف بفكر نيوتن الديني ضمن الترجمة العربية لكتابه “وصف تاريخي لتحريف نصين مهمين من الكتاب المقدس: التثليث والتجسد” التي صدرت قبل أيام قليلة عن مركز نماء للبحوث والدراسات (الطبعة الأولى: ديسمبر 2015).

([2]) David Brewster، هو صاحب كتاب: مذكرات، كتابات واكتشافات السير إسحق نيوتن (Memoirs of the Life, Writings, and Discoveries of Sir Isaac Newton) وهو المرجع القياسي لتراث نيوتن بحسب الموسوعة البريطانية.

([3]) Brewster, David, Sir. (1885). Memoirs of the life, writings, and discoveries of Sir Isaac Newton: Edinburgh, T. Constable and Co, P. 315

([4]) Snobelen, Stephen D. (2010). The theology of Isaac Newton’s principia mathematica: A preliminary survey. Neue Zeitschrift für Systematische Theologie Und Religionsphilosophie, 52(4), pp.377-378

([5]) Bentley, Richard. (1692). A confutation of atheism from the origin and frame of the world. Part I : a sermon preached at St. Mary-le-Bow, October the 3d, 1692 : being the sixth of the lecture founded by the Honourable Robert Boyle.

([6]) Newton, Isaac, Sir. (10 December 1692). Original letter from Isaac Newton to Richard Bentley.

([7]) ibid.,

([8]) ibid., p. 514

([9]) وعبارة “هوموأوسيون  تو باترى” (اليونانية) الموجودة فى قانون الإيمان النيقاوى القسطنطينى ترجمتها الدقيقة هى: “له نفس ذات جوهر الآب” (بيشوي).

([10])  بيشوي، المجامع المسكونة.

([11]) نيقوديموس هو أحد اليهود الفريسيين المذكورين في انجيل يوحنا [3: 1 -21؛ 7: 45 -51؛ 19: 39 -42]، وكان تلميذاً سريا للمسيح، ولهذا أصبح من يخفي عقيدته الحقيقية ويظهر عقيدة أخرى، نيقوديموسياً.

([12]) رابط لمخطوطات نيوتن بالمكتبة الوطنية الإسرائيلية: http://web.nli.org.il/sites/nli/english/collections/humanities/pages/newton.aspx

([13])رابط لموقع مشروع نيوتن: http://www.newtonproject.sussex.ac.uk/prism.php?id=1

المعلم عبدالحميد الفراهي وجهوده في الدراسات القرآنية

عمرو الشرقاوي

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وآله وصحبه أجمعين:

فإن الله سبحانه وتعالى امتن على أهل الإسلام بالعلماء الذين هم أئمة الهدى، وقيض الله تعالى لخدمة كتابه من اصطفاه من خلقه لوراثة الكتاب، والقيام بحقه.

ومن العلماء الذين خدموا القرآن وعلومه، المعلم حميد الدين الفراهي، وهو علامة كبير لم يأخذ حقه من الدرس والاعتناء، وقد جاء هذا المقال كمدخل توصيفي لجهود هذا العالم الفذ في مجال الدراسات القرآنية خاصة، والتي برع فيها، ووقف نفسه لخدمتها.

«ولما كانت هذه المشاغل تمنعني عن التجرد لمطالعة القرآن المجيد، ولا يعجبني غيره من الكتب التي مللت النظر في أباطيلها، غير متون الحديث، وما يعين على فهم القرآن، تركت الخدمة، ورجعت إلى وطني، وأنا بين خمسين وستين من عمري، فيا أسفا على عمر ضيعته في أشغال ضرها أكبر من نفعها! ونسأل الله الخاتمة على الإيمان»([1]).

بهذه الكلمات تحدث العلامة عبد الحميد بن عبد الكريم بن قربان قنبر بن تاج علي، حميد الدين، أبو أحمد، الأنصاري، الفراهي.

ينتسب الفراهي إلى إحدى قرى الإقليم الشمالي بالهند، والتي تدعى “فَريها”، وقد ولد بها يوم الأربعاء سادس جمادى الآخرة سنة 1280ه في أسرة كريمة معروفة بنسبها وعلمها ومكانتها الاجتماعية.

بدأ الفراهي تحصيله العلمي في منزله، وحفظ القرآن وهو ابن عشر سنين، ثم تعلم الفارسية فأتقنها، في مدة وجيزة، وكتب بها، وقرض، ثم تعلم العربية وقرأ في مدينة أعظم كره على العلامة شبلي النعمان، وكان ابن عمته، كما حضر للعلامة الشهير اللكنوي،  والعلامة فيض الحسن السهارنفوري.

ثم أقبل على تعلم اللغة الإنجليزية، والعلوم الحديثة، وكان ممن درسه المستشرق الإنجليزي توماس أرنولد، مؤلف كتاب “الدعوة إلى الإسلام”، وقد انتقد الفراهي هذا الكتاب بشدة، لكونه مثبط عن الجهاد، ودرس الحقوق، وتولى عدة مناصب تعليمية وإدارية.

استقال الفراهي من مناصبه ليتفرغ لمطالعة القرآن المجيد، وتولى إدارة مدرسة إصلاح المسلمين، وقد قامت هذه الجمعية في منطقة أعظم كره لإصلاح عقائد المسلمين وإزالة البدع المنتشرة وفض المنازعات والخصومات بين المسلمين، وأسست مدرسة أشرف عليها الفراهي.

كان الفراهي رحمه الله معروفًا بفرط الذكاء ونفاذ البصر وسرعة الإدراك ودقة الاستنباط، وقد برع في عدة علوم، وحصل عدة لغات، وكان ورعه وزهده في الدنيا، وقصده في العيش، وعزوفه عن السمعة، وحسن تعبده، مع جود وغنى نفس وتواضع، موضع إجماع من معاصريه.

اشتهر وعرف بعلم القرآن بما تتقاصر الهمم عن بلوغ شأوه فيه، وكان كتاب الله أحب الكتب إليه، والنظر فيه ألذ من كل ما في الدنيا.

وقد تتلمذ له عدة من التلاميذ الأعلام، وبقيت له مصنفات تشهد بعلو كعبه، وسأقتصر منها على أهم مؤلفاته في الدراسات القرآنية:

1- أساليب القرآن، وقد أفرد هذا الكتاب لذكر وجوه الأساليب في القرآن وبيان دلالاتها ومواقع استعمالها.

2- إمعان في أقسام القرآن، وهو من أجل ما ألف في موضوعه([2]).

3-  التكميل في أصول التأويل.

4-  دلائل النظام، ألف هذا الكتاب لإقامة الحجة على وجود النظام (أي الوحدة الموضوعية) في كل سورة من سور القرآن الكريم، وبيان الطرق التي تهدي إلى نظام السورة.

5- فاتحة نظام القرآن، مقدمة تفسيره (نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان).

6- مفردات القرآن، وهو من أنفس كتبه وأجلها([3]).

7- نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان، وهو تفسيره الكبير – صدرت منه  عدة أجزاء، (الفاتحة – البقرة – آل عمران – الذاريات – التحريم – القيامة – المرسلات – عبس – الشمس – التين – العصر – الفيل – الكوثر – الكافرون – المسد – الإخلاص)([4]).

8- رسائل في علوم القرآن في جزئين.

9- الرأي الصحيح فيمن هو الذبيح.

ومن العجيب أن أغلب كتب هذا الإمام طبعت في الهند، ولا تتيسر للباحثين إلا بصعوبة، ومصوراتها ليست بجيدة، فلو أن هيئة تبنت إعادة نشر كتب هذا الإمام لكان خيرًا عظيمًا للدراسين والباحثين .

وبعد حياة حافلة، توفي رحمه الله – وهو يتلو القرآن الكريم – في 19 جمادى الآخرة عام 1349ه على إثر عملية جراحية أجراها.

وقد امتدحه عدد من العلماء منهم: تلميذه أبو الكلام آزاد، والعلامة البشير الإبراهيمي، والشيخ محمد رشيد رضا([5]).

لمحات من منهجه في الدراسات القرآنية

للفراهي رحمه الله تعالى نظرات تفرد بها في الدراسات القرآنية، وهي دراسات حري أن يعتنى بها وبإبرازها([6])، وبيان المنهج الذي استنه الفراهي لنفسه، فقد كانت للفراهي انفرادات بمسائل كعادة العلماء من أهل التحقيق، وهي ليست انفرادات بالتشهي وإنما بالاستدلال والنظر، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلوات الله وسلامه عليه.

فمن تحقيقاته، تحقيقه للمراد بالقسم في القرآن، وأن القسم في أصله ليس للتعظيم، وأن التعظيم من عوارض القسم، بل ربما يكون القسم لمحض الاستدلال، وأن أقسام القرآن ليست إلا للاستدلال والاستشهاد بالآيات الدالة، وقد ظهر أثر هذا جليًا في السور التي فسرها وهي مشتملة على قسم، وكذلك تحقيقه في تعريف أسباب النزول، وهو كلام نفيس جدًا= ظهر فيه إنعامه النظر في كلام السلف، وتحريره للمراد بالذبيح، والأحرف المقطعة، وغير ذلك مما هو مبثوث في كتبه.

ولأن المقام لا يتسع لدراسة هذه التحقيقات جميعها، فسألقي الضوء على ثلاثة من الجوانب التي اعتنى بها المعلم من الأبواب المتعلقة بالدراسات القرآنية، وهي: (نظرية النظام – تفسيره – مفردات القرآن).

1- نظرية النظام، ودلائلها عند الفراهي([7]):

“النظام” أو “الوحدة الموضوعية”، إحدى أهم النظريات التي اشتهر بها المعلم الفراهي، وألف فيها عدة مؤلفات للتنظير لها، ويرى المعلم أن القرآن كلام محكم منظم، وأنه لو تأخر ما تقدم أو تقدم ما تأخر لبطل النظام وفسدت بلاغة الكلام، وأن نظامه في معانيه كما هو في ترتيب آيه وسوره.

والنظام «تتجلى به محاسن السورة والحكمة التي هي تمام العلم والتقوى»([8])، وفهم الكلام لا يمكن إلا بمعرفة نظامه، ونظامه هو الهادي للانتفاع بالكتاب وتعلمه وتعليمه والعمل به وحث الناس عليه.

ويرى الفراهي أن منهجه هذا لم يسلكه أحدٌ من المتقدمين، فإنهم عنوا بالمناسبات ولم يعتنوا بإبراز المناسبة التي بها ينتظم الكلام من أوله إلى آخره بحيث يصير شيئًا واحدًا، فالكلام بنظامه لا بمحض أجزائه.

كما دفع الشبه التي قد ترد على نظريته تلك([9])، وبين أن النظام قد يدق عن فهم الناظر، ولا يتبين له إلا بعد زمان، وإنعام نظر، وهذا باب عظيم من أبواب الحكمة.

وأما طريقة الوصول للنظم، فيمكننا أن نستنبطها من كلامه، فنقول أن منها([10]):

– حسن التدبر مع الإيمان بالآخرة.

– القنوع في الأقوال بوجه واحد صحيح ظاهر ينتظم به الكلام، والتأمل في جذر الكلمات القرآنية.

– الأخذ بطريق السلف في التدبر والتماس المطابقة بين القرآن والسنة الثابتة.

– مراعاة السياق.

– معرفة موقع الكلام من الوقائع والأحوال.

ويرى الفراهي أن الدلائل على وجود النظام، هي في الكتاب نفسه، فمنها: رعاية الفواصل، وترجيع الآيات، واتصالها على أسلوب ظاهر، وربط المعاني على وجه بين.

وقد يشتبه النظام بالتناسب، ولذلك فرق بينهما الفراهي قائلًا: «التناسب جزء من النظام، فإن التناسب بين الآيات بعضها مع بعض لا يكشف عن كون الكلام شيئًا واحدًا مستقلًا بنفسه، وطالب التناسب ربما يقنع بمناسبة ما، فربما يغفل عن المناسبة التي ينتظم بها الكلام، فيصير شيئًا واحدًا.

وربما يطلب المناسبة بين الآيات المتجاورة مع عدم اتصالها، فإن الآية التالية ربما تكون متصلة بالتي قبلها على بعد منها.

فإن عدم الاتصال بين آيات متجاورة يوجد كثيرًا. ومنها ما ترى فيه اقتضابًا بينًا، وذلك إذا كانت الآية أو جملة من الآيات متصلة بالتي على بعد منها»([11]).

ومراعاة النظام هو المنهاج الصحيح لتدبر القرآن، والنظام هو الحكم عند تضارب الأقوال، وهو المرجح عند تعدد الاحتمالات، وهو الإقليد الذي تفتح به كنوز حكمة القرآن، وفي الكشف عن نظام القرآن لا يلجأ الإمام الفراهي إلى مناهج أهل الفلسفة والمنطق أو المتصوفة، وإنما يعتمد على القرآن نفسه، وأصول التفسير المعتمدة.

2- تفسيره:

كتب العلامة الفراهي تفسيرًا للقرآن وسماه (تفسير نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان)، وقد انطلق فيه من نظريته المتعلقة بالنظام، وقد اهتم غاية الاهتمام ببيان نظام السورة، أو وحدتها الموضوعية، ويرى أن النظام لو استبان للناس لجمعهم تحت راية واحدة، وكلمة سواء.

وفسر رحمه الله تعالى بهذه الطريقة التي انطلق من القرآن نفسه لبيانها، عددًا من سور القرآن، ففسر الفاتحة والبقرة والقصص واللهب وقد سبق في التعريف بمؤلفاته ذكر بعضها.

والأساس الذي مشى عليه الفراهي رحمه الله هو تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسير القرآن بالسنة، ثم تفسيره بكلام الصحابة والتابعين، يقول: «أول شيء يفسر القرآن هو القرآن نفسه، ثم بعد ذلك؛ فهم النبي صلى الله عليه وسلم، والذين معه، ولعمري أحب التفسير عندي ما جاء عن النبي صلى الله عليه وأصحابه»([12]).

وأما اهتمامه باللغة فلا يخفى على ذي لب، وإنك لتعجب غاية العجب من هذا الرجل وفصاحته وبيانه، ولا ريب أن الرجل متضلع غاية التضلع من لغة العرب وبيانهم، وقد قال العلامة الكبير الهلالي لما سمع منه خطبة النظام: «اغرورقت عيناي منها لفصاحتها وحقيتها»([13]).

وله نظرات في التفسير انتقدها عليه بعض العلماء، وقد ألف العلامة المعلمي اليماني رسالة في التعقيب على تفسير سورة الفيل للمعلم الفراهي([14])، وهو ممن استفاد من المعلم وأشاد بعلمه وتحقيقه، قال في مطلعها: «فإني قد كنت وقفت على بعض مؤلفات العلامة المحقق المعلِّم عبد الحميد الفراهي – تغمده الله برحمته – كالإمعان في أقسام القرآن، والرأي الصحيح فيمن هو الذبيح، وتفسير سورة الشمس؛ وانتفعت بها وعرفت عبقرية مؤلفها، ثم وقفت أخيرًا على تفسيره لسورة الفيل، فألفيته قد جرى على سنته من الإقدام على الخلاف إذا لاح له دليل، وتلك سيرة يحمدها الإِسلام، ويدعو إليها أولي الأفهام، غير أن الخلاف هنا ليس لقول مشهور، ولا لقول الجمهور، ولكنه لقول صرح به الجماهير، ولم ينقل خلافه عن كبير ولا صغير … وقد بدا لي أن أتعقب المعلِّم رحمه الله وأشرح ما يتبين لي من وفاق أو خلاف»([15]).

3- منهجه في مفردات القرآن([16]):

جعل الفراهي كتابه عن المفردات جزءًا من مشروعه القرآني العظيم المشتمل على اثني عشر كتابًا، وكان كتاب المفردات أول الكتب الثلاثة منها التي ألفها لتمهيد الطريق إلى فهم القرآن على الوجه الصحيح، وهي كتاب المفردات، وكتاب أساليب القرآن، وكتاب التكميل في أصول التأويل.

والقيمة الكبرى للكتاب في المنهج الذي سلكه المؤلف في دراسة الألفاظ، فإن هذا المنهج هو الذي هداه في تفسير بعض المفردات القرآنية إلى النتائج التي ينشرح لها الصدر، وينجلي بها الغموض، فيتعين معنى النص، ويضيء السياق.

وهذا المنهج هو منهج المحققين من العلماء قديمًا وحديثًا، وإذا أنعمت النظر في تعليقات العلامة شيخ العربية أبي فهر محمود شاكر على تفسير الطبري وطبقات ابن سلام ستجد أن هذا قريبٌ جدًا من منهج العلامة الفراهي وأنهما ينهلان من معين واحد.

وقد اهتم المعلم بالمفردات لأن المعرفة بالألفاظ المفردة هي الخطوة الأولى في فهم الكلام، وأن الطالب قد يتوهم من اللفظ ضد ما أريد، فيذهب إلى خلاف الجهة المقصودة، وأن الخطأ في معنى كلمة واحدة يصرف عن تأويل السورة بأسرها، فيتوجه المرء إلى سمت كلما مر فيه بعد عن الفهم، إلى غير ذلك من الأسباب التي دعته إلى التأليف في المفردات.

«في كتاب المفردات يبحث عن الألفاظ المفردة، ويكشف عن معانيها بحيث أن تتضح لها الحدود واللوازم، وما يتصل بها، وما يفترق عنها، وما يشابهها، وما يضادها، فيحيط العلم بدلالة الألفاظ المفردة»([17]).

ومن مقاصد هذا الكتاب «الفرق بين معاني الألفاظ عند نزول القرآن وبين ما صارت بعد ذلك»([18]).

ومما يمتاز به كتاب المفردات عن غيره من كتب غريب القرآن أن مؤلفه قد مهد لتفسير الألفاظ بعدة مقدمات تناول فيها بعض القضايا المتعلقة بلغة القرآن، والأصول التي تهدي إلى الفهم الصحيح للمفردات وتسد مداخل الوهم والغلط فيها.

والمصدر الأول في تفسير المفردات هو القرآن الكريم سواء في تحقيق أصل المعنى أم وجوهه وأحواله المختلفة أم تبين الفروق الدقيقة بين الألفاظ التي يظن أنها مترادفة، وذلك بتدبر سياقاتها ومواقعها.

ونوه المؤلف بأهمية كلام العرب القديم ودراسته وممارسته وتذوقه لتبين دلالة الكلمة ووجوهها وأحوالها التي كانت عليها إبان نزول القرآن الكريم، وقد دارس المؤلف كلام العرب مدارسة دقيقة، وقيد على طرر الدواوين التي نظر فيها إشاراته وتعليقاته.

وقد توصل في تحقيق بعض المفردات القرآنية إلى نتائج مهمة تختلف عما جاء في كتب اللغة والتفسير، وقد استفاد المؤلف بمعرفته للغة العبرانية في تحقيق بعض الألفاظ التي هي من المواد المشتركة بينها وبين العربية، والرد على المستشرقين الذين زعموا أن القرآن الكريم أخذ بعض الألفاظ من اليهود والنصارى.

وفي الختام أقول: على أن الإمام الفراهي رحمه الله لم يتيسر له تأليف كتبه على الوجه الذي أراده، فإنه لا يخفى على من نظر فيها قيمتها العلمية ومكانتها الجليلة بين كتب الدراسات القرآنية، فإنها ليست من نوع التأليف المكرر الذي قصد به التهذيب والتيسير، وإنما هي كتب أصيلة تحفل بنظرات جديدة وتحقيقات بارعة وفوائد نفيسة تخلو منها الكتب الأخرى، فكثير منها عُد من أفضل الكتب المصنفة في بابها.

رحم الله العلامة الفراهي، وجمعنا به في عليين.

مقال منشور في العدد الثالث من المجلة


الهوامش:

[1] مجلة الضياء، نقلًا عن مقدمة مفردات القرآن: (20).

[2] مطبوع بدار القلم.

[3] طبع بدار الغرب الإسلامي بعناية العلامة محمد أجمل الإصلاحي.

[4] طبع في دار الغرب الإسلامي، ويحتاج إلى تحقيق.

[5] لخصت هذه الترجمة من مقدمة تحقيق كتاب: مفردات القرآن للمؤلف، والتحقيق للعلامة محمد أجمل الإصلاحي.

[6] كتبت بعض الرسائل العلمية الجامعية في منهج الفراهي بيد أني لم أطلع عليها فلم أستحسن إثباتها.

[7] شرح هذه النظرية الأستاذ محمد عناية الله أسد سبحاني في عدد من المؤلفات أهمها: إمعان النظر في نظام الآي والسور، ط. دار عمار، وقد وقع غفر الله له في بعض الأخطاء ككلامه عن الإسرائيليات مما ينبغي التنبه له، وتكلم بما لا يليق عن الإمام ابن جرير، وبعض أئمة التفسير.

[8] دلائل النظام: (9).

[9] الدلائل: (20).

[10] من كتابه دلائل النظام، وينظر للأهمية: (28).

[11] الدلائل: (74).

[12] فاتحة النظام: (7).

[13] مقدمة النظام: (9).

[14] طبعت بتحقيق الأستاذ محمد أجمل الإصلاحي، ضمن مجموع آثار العلامة المعلمي (8).

[15]مجموع آثار العلامة المعلمي: (8/ 3 – 4).

[16] مستفاد من مقدمة الشيخ محمد أجمل الإصلاحي – حفظه الله – للكتاب.

[17] مفردات القرآن: (91).

[18] مفردات القرآن: (53).

صدور العدد الثالث من مجلة «الدراسات الدينية» لشهر ربيع الأول 1437هـ / ديسمبر 2015م

الدراسات الدينية - العدد الثالث
الدراسات الدينية – العدد الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نقدم لكم العدد الثالث من مجلة الدراسات الدينية لشهر ربيع الأول 1437هـ/ ديسمبر 2015م.

تقرأون في هذا العدد:
– افتتاحية العدد – أحمد وسام شاكر
– عبد الحميد الفراهي وجهوده في الدراسات القرآنية – عمرو الشرقاوي
– شيخ الإسلام زكريا الأنصاري وتراثه المهجور – علاء عوض
– منهجية المؤلفين في عرض ظواهر الرسم العثماني – أ. د. إياد السامرائي
– لقاء المجلة مع أ. د. بشير الحميري وحوار حول مشروعه (معجم الرسم العثماني)
– السير إسحاق نيوتن: نظراتٌ في فكره الديني – هيثم سمير
– السعادة الإنسانية في فكر القديس توما الأكويني – د. أشرف صالح
– التلفيق والتزوير في الأدب المسيحي – عبد الرحمن ن. الطوسي
– شاهد على التحريف: دياتسرون تاتيان – أيمن تركي

لتحميل العدد بصيغة PDF