أرشيف الأوسمة: مناهج علماء الرسم

منهج المؤلفين في عرض ظواهر الرسم العثماني

أ. د. إياد سالم السامرائي

الحمدُ للهِ العليمِ الحكيمِ، والصلاةُ والسلامُ على خاتمِ الأنبياءِ والمرسلين، معلمِ الناس الخير والهادي إلى سبيلِ الرشادِ، وعلى آلهِ وصحابتهِ أجمعين أما بعد:

فلقد اقتضت الحكمة الإلهية أن تحيط هذا الكتاب العناية الفائقة من قبل المسلمين وعلى أنماط وصور مختلفة، فكانت هناك عناية تتجه إلى تثبيته في الصدور، (بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِ‍َٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ)[العنكبوت: 49]، وعناية موازية تروم ضبطه في السطور، مبالغة في الضبط والتحري، وزيادة في التوثيق والإتقان، فكان حفظه في السطور مواكبًا لحفظه في الصدور، وبهذه العناية الفائقة ذات الوجهين بقي القرآن في مأمن من الضياع والعبث والتحريف لم ينخرم منه حرف، ولم تشذ عنه حركة، وما زال هذا الكتاب الخالد ينتقل على هذه الحال من العناية والرعاية من جيل إلى جيل ومن أفق إلى أفق بصورة فريدة وحيدة تعتمد المشافهة أولا، ويعززها الحفظ في الصدور، والتدوين في السطور، إلى أن وصل إلينا كاملا غير منقوص، محفوظًا من التبديل والتغيير، وقد بذل العلماء في ذلك جهودًا كبيرة، خلفت لنا مئات الكتب التي تصف لنا ظواهر الرسم في المصاحف العثمانية.

والمتصفح لهذه الكتب يجد أن العلماء  قد تناولوا ظواهر الرسم العثماني وفق مناهج أربعة، وهي:

المنهج الأول – منهج الأصول أو القواعد الكلية: ويقوم هذا المنهج على محاولة جمع ظواهر الرسم العثماني المتشابهة الأمثلة تحت بابٍ أو فصلٍ واحدٍ، فيجمع ظاهرة الحذف في بابٍ أو فصلٍ محددٍ، وظاهرة الزيادة في بابٍ أو فصلٍ آخر وهكذا، ولعلَّ أبرز مثال لهذا المنهج كتاب (هجاء مصاحف الأمصار)([1]) للمهدوي (ت430هـ)، وكتاب (البديع في هجاء المصاحف)([2]) لابن معاذ الجهني (ت في حدود 442هـ)، وكتاب (المقنع)([3]) لأبي عمرو الداني (ت444هـ)، ومنظومة (العقيلة)([4]) للشاطبي (ت590هـ)، ومنظومة (مورد الظمآن في رسم القرآن)([5]) للخراز (ت718هـ)، وغيرها.

ولعلَّ مما يمكن أن ينسب إلى هذا المنهج، ممن صنف في إفراد ظاهرة من ظواهر الرسم، كمن يكتفي بذكر اختلاف المصاحف، أو المقطوع والموصول، ومن أمثلة ذلك كتاب (اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق)، وكتاب (مقطوع القرآن وموصوله) لابن عامر اليحصبي (ت118هـ)، وكتاب (اختلاف مصاحف أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة)، وكتاب (مقطوع القرآن وموصوله) للكسائي (ت189هـ)([6])وغيرها.

المنهج الثاني – منهج فرش ظواهر الرسم العثماني: يقوم هذا المنهج على تتبع ظواهر الرسم العثماني من خلال مواضعها في القرآن الكريم ابتداءً من أوَّل الفاتحة إلى آخر سورة النَّاس، وفي كثير من الأحيان يجمع الأمثلة المتناظرة في جميع القرآن عندما يأتي المثال في الموضع الأول منها، ولعلَّ أبرز كتاب تناول ظواهر الرسم العثماني وفق هذا المنهج هو كتاب (مختصر التبيين لهجاء التنزيل)([7]) لأبي داود سليمان بن نجاح (ت496هـ).

المنهج الثالث – منهج الجمع بين الأصول أو القواعد الكلية وفرش ظواهر الرسم: يقوم هذا المنهج على تجزئة ظواهر الرسم العثماني على قسمين، قسم الأصول أو القواعد الكلية، وقسم فرش الرسوم، يجمع في القسم الأول الظواهر المتشابهة في أبوابٍ أو فصولٍ أو قواعدَ كليةٍ، ثم يستعرض في القسم الثاني ظواهر الرسم مرتبة على سور المصحف، ولعلَّ أبرز مثال على ذلك كتاب (المختصر في مرسوم المصحف الكريم)([8]) للعقيلي (ت623هـ)، وكتاب (الجامع لما يحتاج إليه من رسم المصحف)([9]) لابن وثيق الأندلسي (ت654هـ)، وكتاب (جامع الكلام في رسم مصحف الإمام)([10]) للفلكآبادي (ت799هـ) وغيرها.

المنهج الرابع – المنهجُ المعجميُّ: ويقوم هذا المنهج على جمع ظواهر الرسم العثماني من خلال جذر الكلمة المعجمي ترتيبًا هجائيًّا على طريقة المعاجم اللغوية، ولعلَّ أبرز من انتهج هذا المنهج الدكتور بشير الحميري في معجمه (معجم الرسم العثماني)([11]).

مقال منشور في العدد الثالث من المجلة 


الهوامش:

([1]) حققه الدكتور محيي الدين رمضان في مجلة معهد المخطوطات العربية، ثم أعاد تحقيقه الدكتور حاتم صالح الضامن وطبع في دار ابن الجوزي في الرياض سنة ( 1430هـ).

([2]) حققه الدكتور غانم قدوري الحمد ونشر في مجلة المورد سنة (1407هـ)، ثم طبع في دار عمَّار في عَمَّان سنة (1421هـ).

([3]) صدر بأكثر من طبعة وتحقيق، ولعل أفضلها إلى الآن بتحقيق الدكتور حاتم صالح الضامن وطبع في دار البشائر في لبنان سنة (1432هـ).

([4]) صدر بأكثر من طبعة وتحقيق، ولعل أفضلها إلى الآن بتحقيق الدكتور أيمن رشدي سويد، وطبع بدار نور المكتبات في جدة سنة (1422هـ).

([5]) صدر بأكثر من طبعة وتحقيق، ولعل أفضلها إلى الآن بتحقيق الدكتور أشرف محمد فؤاد طلعت، وطبع في مكتبة الإمام البخاري في مصر سنة (1427هـ).

([6]) وهذه الكتب ماتزال مفقودة، ذكرها النديم في الفهرست 38-39.

([7]) حققه الدكتور أحمد شرشال، وطبع بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة سنة (1423هـ).

([8]) وهو مختصر لكتاب (المقنع) للداني، وطبع بتحقيق الدكتور غانم قدوري الحمد في دار عمَّار في عَمَّان سنة (1429ه )، ثم طبع بتحقيق محمد الجنايني تحت عنوان (مرسوم خط المصحف) في دار طيبة الخضراء – وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية سنة (1430هـ).

([9]) طبع بتحقيق الدكتور غانم قدوري الحمد، في دار عمَّار في عَمَّان سنة (1429هـ).

([10]) وأعمل على تحقيق الكتاب منذ زمن.

([11]) صدر من مركز تفسير للدراسات القرآنية في الرياض سنة (1436هـ).

Advertisements